جسد الذاكرة وتصدعات الهوية قراءة في تمثلات الذات النسوية في رواية «لحظات لا غير» لفاتحة مرشيد
جسد الذاكرة وتصدعات الهوية قراءة في تمثلات الذات النسوية في رواية «لحظات لا غير» لفاتحة مرشيد
مدخل عام
تندرج تجربة فاتحة مرشيد الروائية ضمن المسار الإبداعي الذي جعل من الذات الأنثوية محورًا لإعادة مساءلة البنى الثقافية والاجتماعية التي أحكمت قبضتها على المرأة، وحاصرتها في معاني الجسد المملوك أو الوظيفة المحددة سلفًا داخل المجتمع، وفي روايتها «لحظات لا غير» تذهب مرشيد أبعد من مجرد سرد حكاية امرأة تعيش الألم والمعاناة، لتصوغ خطابًا نسويًا ينقب في الجرح الإنساني، ويكشف تمزقات الهوية الأنثوية وهي تتأرجح بين مطرقة الواقع وسندان الرغبة في التحرر.
أسماء بوصفها مركز الثقل الحكائي
تقدّم الرواية شخصية أسماء بوصفها مركز الثقل الحكائي، وأداة الكاتبة في مساءلة علاقة المرأة بذاتها وبالآخر، خاصة حين يكون هذا الآخر ذا سلطة: زوجًا، مجتمعًا، أو حتى جسدًا يمرض ويشيخ ويحدّ من إمكانيات الأمل. وتُبنى الرواية على ثنائيات حادة: الرغبة في الحياة مقابل ثقل المعاناة، الذاكرة مقابل الواقع، الحب مقابل السلطة.
أسماء: حين يتحول الجسد إلى ساحة صراع
الجسد والهيمنة
قبل لقاء وحيد الكامل، كانت أسماء تعيش أزمة مزدوجة: أزمة فقدان الجسد الذي شوّه المرض معالمه، وأزمة فقدان الذات داخل مؤسسة زوجية كرّست التشييء والهيمنة، حيث تمثل أسماء المرأة التي سُجن جسدها في تصورات المجتمع، وسُلبت منها الأمومة قسرًا بعد عملية إجهاض فرضها الزوج، فدخلت في نفق نفسي مظلم أفقدها الإحساس بالحياة.
الطلاق والوعي بالذات
لا يظهر الزوج هنا مجرد فرد، بل تمثيلًا لمؤسسة ذكورية تحوّل المرأة إلى كائن بلا قرار، خاضع لإرادة الرجل حتى في أكثر المناطق خصوصية: الجسد والأمومة. لذلك يصبح الطلاق ليس مجرد انفصال، بل لحظة استعادة للكرامة وإعلان عن بداية التحرر، بل إن المرض نفسه، رغم قسوته، يتحول إلى لحظة وعي، إذ يدفع أسماء إلى مساءلة ذاتها، والتفكير في إعادة بناء جسدها عبر الجراحة التجميلية، في محاولة لاستعادة معنى الحياة.
وحيد الكامل: الوجه الآخر للذكورة الممكنة
الحب بوصفه ترميمًا للذات
في مقابل الزوج، يظهر وحيد بوصفه نموذجًا مغايرًا للرجل؛ الرجل الذي يعيد الروح للجسد، ويصالح المرأة مع أنوثتها وذاكرتها، ويمنحها ما لم تمنحه إياه مؤسسة الزواج: الإصغاء، والاعتراف، والحب الذي يجمع الروح والجسد معًا. لم يكن وحيد مجرد عشيق، بل منارة وجودية أعادت إلى أسماء معنى الحياة، وسمحت لها بإعادة بناء تصورها عن الجسد، والهوية، والحب ذاته.
الموت وتجدد التمزق
غير أن هذا البريق سرعان ما ينطفئ حين يقتحم المرض العلاقة من جديد، لكن هذه المرة في جسد وحيد، لينتهي بموته، وتسمح الصدمة لمسار التمزق بأن يتجدد في هوية الساردة، مؤكدة هشاشة أي بناء للذات في مواجهة الفقد.
بين الرغبة والواقع: تشكّل الهوية عند الحدود
الهوية بين زمنين
تطرح الرواية إشكالية جوهرية مفادها: كيف تتشكل هوية المرأة بين ما ترغب فيه وما يُفرض عليها؟ أسماء امرأة تتطلع إلى حياة مشتركة تختزل الزمن في لحظات عشق وحضور متبادل، لكن الواقع يفرض منطقه الصارم، بدءًا بفشل زواجها الأول، وانتهاءً بخطف الموت لحبيبها.
الذاكرة والكتابة
هنا لا تغدو الذاكرة مجرد وسيلة للاسترجاع، بل آلية للمقاومة ومحاولة لإعادة ترتيب الهوية. وفي ضوء أفكار بول ريكور، تتشكل الهوية بين زمن الرغبة الذي تبني فيه الذات صورتها كما تريد، وزمن الواقع الذي يحدّ من هذا التطلع، لذلك تصبح الكتابة امتدادًا وجوديًا، وسلاحًا رمزيًا يعوض ما عجزت الحياة عن منحه.
السرد النسوي عند فاتحة مرشيد: تفكيك السلطة واستعادة الصوت
تنجح فاتحة مرشيد في تحويل الرواية إلى فضاء للاحتجاج الناعم على ثقافة ذكورية مهيمنة، دون الوقوع في خطاب إدانة مباشر، ويقوم هذا السرد على تفكيك نظرة المجتمع لجسد المرأة، وإعادة الاعتبار لصوت الأنا الأنثوية بجعل أسماء ساردة ومركزًا للرؤية، مع إبراز هشاشة البنى التقليدية التي تحاصر المرأة في أدوار جاهزة، وإظهار الحب بوصفه قوة محرِّرة.
خاتمة
تكشف رواية «لحظات لا غير» أن هوية المرأة ليست معطى ثابتًا، بل بناء مستمر داخل معركة مزدوجة: مع المجتمع الذي يفرض قالبًا جاهزًا للأنوثة، ومع الذات التي تبحث عن معنى الوجود وسط الخيبات، كما منحت فاتحة مرشيد المرأة في نصها مساحة للتنفس والاحتجاج والتأمل، واضعة صوتها في قلب السرد المغربي الحديث بوصفه صوتًا يكشف هشاشة العالم حين يقصي نصفه الأنثوي.