راسبوتين: الرجل الذي سبق سقوط القيصر
غريغوري راسبوتين: الراهب الغامض الذي هزّ عرش روسيا القيصرية

يُعدّ غريغوري يفيموفيتش راسبوتين (1869–1916) واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الروسي، بل وفي تاريخ أوروبا الحديثة عمومًا. فهو فلاح سيبيري بسيط تحوّل، في غضون سنوات قليلة، إلى الرجل الأكثر نفوذًا داخل القصر الإمبراطوري الروسي، حتى بات اسمه مرادفًا للغموض والانحلال والدسائس السياسية. وبين من رآه قديسًا شافيًا ومن اعتبره دجالًا فاسدًا، ظلّ راسبوتين لغزًا مفتوحًا على التأويل.
أولًا: النشأة والخلفية الاجتماعية
وُلد راسبوتين في قرية بوكروفسكويه في سيبيريا، وسط بيئة ريفية قاسية، يسودها الفقر والأمية والخرافة الدينية. لم يتلقَّ تعليمًا نظاميًا، وكان معروفًا في شبابه بسلوك مضطرب، شمل الشرب والعنف والسرقات الصغيرة، قبل أن يمرّ بتحوّل ديني مفاجئ في أواخر العشرينيات من عمره.
هذا التحوّل دفعه إلى الارتحال في أرجاء روسيا، متقمصًا دور الستارتس (الناسك أو المرشد الروحي)، وهو نموذج يحظى بتقديس شعبي في الثقافة الأرثوذكسية الروسية، رغم عدم اعتراف الكنيسة رسميًا به.
ثانيًا: الصعود الروحي… أم السياسي؟

مع مطلع القرن العشرين، وصل راسبوتين إلى سانت بطرسبرغ، عاصمة الإمبراطورية الروسية آنذاك. هناك، سرعان ما جذب انتباه النخب الأرستقراطية، خاصة النساء، بفضل خطابه الديني الغامض، ونظرته النافذة، وقدرته اللافتة على التأثير النفسي.
لكن نقطة التحوّل الكبرى في مسيرته جاءت عندما تعرّف على القيصرة ألكسندرا فيودوروفنا، زوجة القيصر نيقولا الثاني. كان ابنها الوحيد، ولي العهد أليكسي، يعاني من مرض الهيموفيليا (نزف الدم الوراثي)، وهو مرض قاتل في ذلك الزمن.
راسبوتين ومرض ولي العهد
في عدة مناسبات، نجح راسبوتين – أو بدا كأنه نجح – في إيقاف نوبات النزف التي كانت تهدد حياة الطفل. سواء كان ذلك عبر التنويم المغناطيسي، أو التهدئة النفسية، أو حتى مجرد إيقاف الأطباء عن إعطائه أدوية خاطئة (كالأسبيرين)، فقد آمنت القيصرة إيمانًا مطلقًا بأن راسبوتين «مرسل من الله».
ومن هنا، لم يعد مجرد رجل دين غامض، بل أصبح ضامن بقاء السلالة الحاكمة.
ثالثًا: النفوذ داخل القصر الإمبراطوري
بمرور الوقت، تحوّل راسبوتين إلى لاعب سياسي فعلي، يتدخل في:
تعيين الوزراء وعزلهم
توجيه قرارات القيصرة أثناء غياب القيصر في جبهات الحرب العالمية الأولى
حماية شخصيات فاسدة مقابل الولاء له
أثار هذا النفوذ غضب النبلاء، ورجال الكنيسة، وضباط الجيش، الذين رأوا فيه تهديدًا مباشرًا للدولة الروسية، خصوصًا في وقت كانت البلاد فيه تغلي بالثورات والاحتجاجات.
رابعًا: الحياة الخاصة… الأسطورة والانحلال

أحد أكثر الجوانب إثارة في شخصية راسبوتين هو سمعته الأخلاقية. فقد انتشرت عنه روايات لا تُحصى حول:
علاقاته الجنسية المتعددة
سهراته الصاخبة
استغلاله للنساء باسم «الخلاص الروحي عبر الخطيئة»
ولا يزال الجدل قائمًا:
هل كانت هذه القصص حقيقية؟ أم أنها جزء من حملة تشويه متعمدة لتقويض نفوذه؟
المرجّح أن الحقيقة تقع في المنتصف؛ فبعض الروايات مبالغ فيها، لكن من المؤكد أن راسبوتين لم يكن راهبًا زاهدًا بالمعنى التقليدي.
خامسًا: الاغتيال… نهاية رجل وبداية أسطورة
في ديسمبر 1916، قرر عدد من النبلاء، أبرزهم الأمير فيليكس يوسوبوف، التخلص من راسبوتين. ووفق الرواية الشهيرة:
تم تسميمه بالسيانيد
لم يمت
أُطلق عليه الرصاص
نجا
ضُرب وأُلقي في نهر نيفا المتجمد
ورغم أن التحقيقات اللاحقة شككت في تفاصيل هذه القصة الدرامية، إلا أن المؤكد أن راسبوتين قُتل، وأن موته جاء قبل أشهر قليلة فقط من سقوط النظام القيصري في ثورة فبراير 1917.
سادسًا: راسبوتين وسقوط القيصرية
يرى كثير من المؤرخين أن راسبوتين لم يكن سبب سقوط الإمبراطورية الروسية، لكنه كان عرضًا لمرضها العميق:
ضعف القيصر
عزلة القصر عن الشعب
هيمنة الخرافة على القرار السياسي
فقدان الثقة في الحكم
لقد جسّد راسبوتين كل ما كان خطأً في النظام القيصري، ولذلك تحوّل إلى رمز لانهياره.
خاتمة: لماذا لا يزال راسبوتين حاضرًا؟
بعد أكثر من قرن على موته، لا يزال راسبوتين حاضرًا في:
الكتب والروايات
الأفلام والمسلسلات
الأغاني الشعبية
نظريات المؤامرة
لأنه ليس مجرد شخص، بل حكاية عن السلطة حين تفقد عقلها، وعن الإيمان حين يتحوّل إلى أداة سياسية.
راسبوتين هو تذكير تاريخي بأن أخطر الرجال ليسوا دائمًا أولئك الذين يحملون السيوف، بل أولئك الذين يهمسون في آذان الحكّام.