المنطقة الرمادية داخل الانسان

المنطقة الرمادية في داخل الانسان
يتحدث الناس كثيرا عن الحزن والفرح وعن القوة والضعف وعن السقوط والنهوض
لكن نادرا ما يتحدث احد عن تلك المنطقة الرمادية التي يعيش فيها الانسان لفترات طويلة دون ان يلاحظها
منطقة لا هي حزن صريح ولا هي فرح كامل
ولا هي انهيار واضح ولا هي استقرار حقيقي
انها حالة داخلية غامضة يصعب شرحها لكنها تؤثر في كل تفاصيل الحياة
ما المقصود بالمنطقة الرمادية في حياة الانسان
المنطقة الرمادية هي تلك المساحة النفسية التي يقف فيها الانسان بين شعور و آخر
لا يشعر بالسعادة الكاملة ولا بالحزن العميق
يستمر في حياته اليومية لكنه لا يشعر بانسجام معها
كانه حاضر جسديا و غائب شعوريا
يؤدي ما عليه دون مقاومة واضحة لكنه ايضا دون شغف حقيقي
كيف تتشكل الحالة النفسية المعلقة دون وعي
هذه الحالة لا تولد فجأة
بل تتكون تدريجيا عندما تتكرر خيبات صغيرة لا يتم الاعتراف بها
وعندما يتم تاجيل الحزن بحجة الانشغال
تأجيل الفرح بحجة الخوف
تأجيل المواجهة بحجة الحكمة
حتى يصبح التاجيل عادة
وتتحول المشاعر المؤجلة الى ثقل صامت
الاعتياد كبديل خادع عن الرضا الحقيقي
في المنطقة الرمادية يفقد الانسان قدرته على التمييز بين ما يريده فعلا وما اعتاد عليه
فيظن انه راض فقط لانه لم يعد يتالم
ولا يدرك ان غياب الالم لا يعني وجود الرضا
الاعتياد قد يمنح شعورا مؤقتا بالاستقرار
لكنه في الحقيقة يسلب الحياة معناها
العلاقات والطرق التي لا تؤذي لكنها لا تمنح
يستمر الانسان في علاقات لا تؤذي لكنها لا تضيف شيئا لروحه
وفي طرق لا تضره لكنها لا توصله الى ذاته
وفي احلام لم تعد تشبهه لكنه لا يعرف كيف يتركها
لان البقاء في المألوف اسهل من مواجهة الفراغ الذي قد ياتي بعده
الراحة الزائفة وخطر البقاء في المنتصف
المنطقة الرمادية مريحة ظاهريا
لانها لا تطلب شجاعة القرار
ولا تفرض الم السقوط
لكنها تستهلك الانسان ببطء
تجعله يعيش دون حدة شعورية
ودون اندفاع
ودون احساس واضح بالانتماء لما يعيشه
الاسئلة الصادقة كبداية للخروج من الجمود
الخروج من هذه الحالة لا يكون بقرار مفاجئ
بل بسؤال صادق
هل ما أعيشه يعبر عني ام فقط اعتدت عليه
هل اختياراتي نابعة من رغبة ام من خوف
هل صمتي حكمة ام هروب
هذه الاسئلة تزعج لكنها توقظ
الاضطراب النفسي كاول علامة حياة
عندما يبدأ الانسان في طرح هذه الاسئلة يشعر بعدم ارتياح
لان المنطقة الرمادية كانت توفر له توازن زائف
لكن هذا الاضطراب هو اول علامة حياة
واول دليل على ان المشاعر بدأت تستعيد حدتها بعد طول خفوت
لماذا الوضوح مؤلم لكنه ضروري
الوضوح مؤلم لانه يكشف ما تم تجاهله
ويضع الانسان امام نفسه دون اقنعة
لكنه في المقابل يمنحه فرصة حقيقية للتغيير
الألم هنا ليس نهاية
بل بداية وعي
الفرق بين الوجود الحقيقي والعيش بالعادة
الخطر الحقيقي ليس في الالم ولا في الخسارة
بل في ان يقضي الانسان عمره كاملا عالقا في المنتصف
موجودا دون حضور
ويعيش بالعادة لا بالاختيار
العيش الحقيقي يبدا حين يخرج الانسان من المنطقة الرمادية
ويختار ان يشعر بوضوح مهما كان الثمن
الخاتمه
في النهاية لا تكون المشكلة في قسوة الحياة ولا في تعقيدها
بل في تلك اللحظة التي يعتاد فيها الانسان على ما لا يشبهه
ويقبل بما لا يرضيه خوفا من المجهول
فالمنطقة الرمادية لا تسلب الانسان فرحه فقط
بل تسلبه وعيه بذاته شيئا فشيئا
النجاة الحقيقية لا تعني الوصول السريع ولا القرار المفاجئ
بل تعني الشجاعة في الاعتراف
والصدق في المواجهة
والاستعداد لدفع ثمن الوضوح مهما كان مؤلما
لان حياة يشعر فيها الانسان بكل شيء
حتى الالم
افضل من حياة تمر عليه وهو معلق في المنتصف
لا حي تماما ولا منكسر بما يكفي ليبدأ من جديد.