الفقر في عصر التكنولوجيا: حين تخدم الآلة الأغنياء وتنهك الفقراء
الفقر في عصر التكنولوجيا: حين تخدم الآلة الأغنياء وتنهك الفقراء

يتساءل كثيرون اليوم، وربما بمرارة، لماذا يزداد فقر المجتمعات جيلًا بعد جيل، رغم كل ما تحقق من تطور في العلم والتكنولوجيا؟ كيف يمكن لعصر بلغت فيه الإنتاجية البشرية مستويات مذهلة، أن يشهد في الوقت ذاته ضيقًا اقتصاديًا ومعيشيًا متزايدًا عند غالبية الناس؟
إذا عدنا بالزمن إلى الوراء، سنجد أن الجيل السابق عاش حياة أبسط، لكنها أكثر استقرارًا، لم تكن لديهم هواتف ذكية ولا سيارات فارهة، لكنهم امتلكوا ما يكفيهم من قوت يومهم، بل ومن راحة البال أيضًا أما اليوم، ومع كل هذا التقدم الذي نفاخر به، يعيش كثير من الناس في دوامة من الديون والضغوط المالية، وكأن عجلة الحياة تدور لصالح القلة لا الكثرة.
قبل عام 1800م، كانت الثروة محصورة في يد الأنظمة الملكية والإقطاعية التي تملك الأرض وتتحكم بالزراعة ومواردها، ومع ظهور الثورة الصناعية، حلم الناس بعصر جديد من العدالة الاقتصادية، حيث يمكن للعامل أن يعيش بكرامة مقابل جهده، وأن تعود ثمرة الإنتاج لمن صنعها بيديه لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا.
فالمزارع الذي كان يعمل ليطعم أسرته فقط، أصبح اليوم – بفضل الآلات والتقنيات – قادرًا على إطعام مئات الأشخاص، ومع ذلك لم يتحسن وضعه المالي، بل ازداد هشاشة السبب بسيط: لم يعد يملك أدوات الإنتاج كما في السابق الأرض والآلة والسوق لم تعد له، بل أصبحت بيد الشركات العملاقة التي تملك التكنولوجيا وتتحكم في الأسعار والتوزيع.
في زمننا الحديث، لم تعد الثروة مرتبطة بمن يملك الأرض أو المصنع، بل بمن يملك الناس أنفسهم؛ من يملك عقولهم، واحتياجاتهم، واستهلاكهم اليومي. الغني اليوم لم يعد أغنى لأنه يعمل أكثر، بل لأنه يمتلك جمهورًا أكبر من الفقراء الذين يستهلكون منتجاته دون وعي، ويعيشون داخل دائرته الاقتصادية دون أن يشعروا.
الفقير في هذا النظام لم يعد مجرد مستهلك بسيط، بل أصبح وقود الرفاهية التي يعيشها الغني يشتري منتجاته، يشاهد إعلاناته، ويُغذّي أرباحه في كل لحظة يقضيها على هاتفه أو في متجر إلكتروني إننا أمام شكل جديد من "الاستعباد الناعم"، حيث لا تُستخدم فيه السلاسل الحديدية، بل أدوات أكثر ذكاءً: الراحة، والرغبة، والعادة.
خذ مثلًا شركة مثل "أمازون" إنها من أكبر الشركات في العالم، وتبلغ قيمتها السوقية مئات المليارات، ومع ذلك فهي لا تُنتج شيئًا بيدها إنها ببساطة تنظم عملية استهلاك ضخمة لملايين الناس حول العالم، وتربح من كل عملية شراء يقوم بها شخص يسعى لتوفير وقته أو جهده إنها معادلة معاصرة تبيع الراحة مقابل السيطرة، والسهولة مقابل التبعية.
العقلية التي تدير رأس المال اليوم تفكر بعكس عقلية المستهلك تمامًا الغني يفكر: "كيف أجعل الناس يدفعون لي مقابل راحتهم؟"، بينما الفقير يفكر: "كيف أشتري ما يريحني ولو قليلاً؟"وبهذا تنتقل الثروة من جيب الفقير إلى جيب الغني بسلاسة ودون صراع، لتتراكم الفوارق المالية جيلاً بعد جيل حتى تتحول إلى هوة سحيقة لا تُردم.
النظام الاقتصادي الحديث لا يترك مساحة حقيقية للعدالة الاجتماعية إلا عبر ما يمكن تسميته بالقوانين الدينية، من هنا تأتي أهمية فريضة الزكاة، التي شُرعت لتعيد التوازن وتكسر احتكار المال في طبقة واحدة الزكاة ليست مجرد تأدية لفريضة، بل نظام اقتصادي رباني يمنع المال من أن يتحول إلى أداة استعباد.
لكن الأنظمة الاقتصادية المعاصرة، التي قامت على أسس رأسمالية بحتة، استبدلت هذه القيم بأنظمة قائمة على الربا والفائدة وهكذا تجمّدت الأموال في المصارف والعقارات والأسهم بدل أن تدور في أيدي الناس المال اليوم لا يتحرك في السوق الحقيقي، بل يدور في حلقة مغلقة بين الأغنياء، لتزداد أرباحهم ويزداد فقر الآخرين.
ومع مرور الزمن، بدأت دائرة الفقر تتكرر وتعيد إنتاج نفسها بذكاء فالشاب الذي يدخل سوق العمل اليوم يجد نفسه محاصرًا بديون الدراسة، أو الإيجار، أو القروض البنكية ومع كل جيل جديد، يتوارث الناس ديونًا بدل الأراضي، وأحلامًا بدل المنازل، وإعلانات بدل فرص حقيقية.
لقد أصبح الفقر اليوم نظامًا قائماً بذاته، لا حالة مؤقتة يمكن علاجها نظام يربط قيمة الإنسان بقدر ما يستهلك لا بقدر ما ينتج فكلما استهلك أكثر، بدا وكأنه يعيش أفضل، بينما في الواقع هو يغرق أعمق في فخ الحاجة والاعتياد.
هذا النظام صُمم ليُشعر الإنسان بأنه حر، بينما هو في الحقيقة أسير رغباته التي صُنعت له بعناية يظن أنه يختار ما يشتري، لكن من يملك وسائل الإعلام والمنصات الرقمية يختار له مسبقًا ما يرغب فيه.
النتيجة النهائية واضحة:
ثروة العالم اليوم متركزة في يد أقل من واحد بالمئة من سكانه، بينما البقية يقتسمون ما تبقى من الفتات وإذا استمرت هذه الوتيرة، فسيأتي يوم يصبح فيه تملّك بيت أو تأمين مستقبل بسيط حلمًا بعيد المنال لمعظم الناس.
لكن رغم قتامة المشهد، يبقى الأمل قائمًا في الوعي فحين يدرك الإنسان أنه يُدار لا بسلطة السلاح بل بسلطة الحاجة، يبدأ أول خطوات التحرر والوعي الاقتصادي ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة للبقاء علينا أن نفهم كيف تُدار الثروة، وكيف نستهلك، وكيف يمكن أن نحول استهلاكنا إلى إنتاج يعيد لنا شيئًا من التوازن المفقود.
إن الفقر اليوم ليس قدَرًا، بل نتيجة خيارات اقتصادية خاطئة صنعها الإنسان ويمكنه تصحيحها. حين تعود القيم إلى الاقتصاد، والعدالة إلى الأسواق، ستعود الثروة لتدور في أيدي الناس لا حولهم، وحينها فقط سيُعاد تعريف التقدم الإنساني لا بما نملك، بل بما نشارك ونُنتج.