الموهبه الشابه بيدري جونزاليس لاعب برشلونه

الموهبه الشابه بيدري جونزاليس لاعب برشلونه

0 reviews

"بيدري غونزاليس، لأن كرة القدم، تُلعب بالعقل أولاً!"

عند الحديث عن بيدري، تظهر لنا على طاولة الحديث، بعض المقارنات ذات الطابع السطحي المحدود، تلك المُقارنات التي تحاول هدم كل شيء، إستناداً على لمستين فقط، هُنا، تُلغى مُساهمات الجميع، يُصبح فريق كرة القدم عبارة عن لاعبَين فقط، وليس أحد عشر لاعباً، هُنا، تُختزل كرة القدم بكافة تعقيداتها ومُنعرجاتها وأنماطها المُتشعِّبة، في لمستين فقط!

الصناعة، ويُقصد بها هنا صناعة الأهداف لا صناعة اللعب، فالأخيرة أكثر شمولية من الأولى، وأيضاً، التسجيل، إذا كنت محظوظاً كفاية لتنل شرف أحد تلك اللمستين الأخيرتين قبل أن تُعانق الكرة الشِباك، فقد نِلت بذلك ورقة رابحة لدى أصحاب هذه المُقارنات والآراء المُعلبة، أما غير ذلك، فلابُد 
أن تُرمى بعبارات من قبيل "نفخ، بالون، تطبيل"، أو هكذا..

حسناً، هُنا سؤال يطرح نفسه بشدة على طاولة الحديث، 
كيف للاعب غير منوط بمهمة ما، أن يُحاسب على عدم تأديته لها، تخيَّل للحظة بأنك عامل في أحد المصانع، وُكِّلت إليك مهمة صيانة الأعطال التقنية في ماكينات الإنتاج، ثم يأتي إليك مدير المصنع يسألك، لماذا لم تقُم بحساب مصروفات العاملين ؟ غير منطقي أليس كذلك ؟

نفس الأمر على البُساط الأخضر، فاللاعبون على إختلافهم وإختلاف أنواعهم وقدراتهم التقنية والبدنية والتكتيكية، 
كلٌ موكَّل بمهمة ما، لا يُمكن أن يُحاسب صانع اللعب المتأخر على عدم تسجيله للأهداف بشكلٍ دوري، وكذا لا يُمكن أن يُحاسب المهاجم على عدم مشاركته في مرحلة البناء في الثلث الأول "إلا إذا طُلِب منه ذلك"، وعلى ذكر ما يُطلب من اللاعبين، المقارنات السطحية في الكرة تلغي هذه الفكرة من جذورها، فيُحاسب اللاعب على عدم تأديته لأمر لم يَطلب منه مُدربه القيام به من الأساس..

محاولة تبسيط، ما ليس ببسيط، هو أحد أكثر الأشياء سخافة وغرابة، فكرة القدم هي عبارة عن لعبة جماعية، لا تُخلق فيها الأهداف من العدم، ولا يصل فريق ما لمرحلة الإنهاء في ثلث الخصم الأول، دون أن يمر بمرحلتي البناء والتدرج على سبيل المثال، لذا فاختزال كرة القدم في الثلث الأخير من الملعب، أو في حدث واحد من عشرات بل مئات الأحداث على أرض الملعب هو بالتأكيد من الحماقة!

لا أُهاجم أحداً هُنا، ولكن تخيَّل معي كم الأحداث التي يُرمى بها نحو أقرب صندوق مُهملات إذا كانت كرة القدم بهذه السطحية المُفرطة، ليس فقط الأحداث المُختلفة على الكرة، فمثلاً، التحرُّك بدون الكرة لفتح مسارات التمرير العمودية والقُطرية، إقتحام المساحة وطلب الكرة، مسح الملعب بشكل دائم ودون إنقطاع، الضغط ومُضايقة الخصم سواءً كان حامل للكرة أو مُستقبل مُحتمل لها، غلق مسارات التمرير والتسديد، كل هذه احداث بدون الكرة ستبدو لا قيمة لها إذا سطَّحنا الأمور بهذه الشاكلة..

لِنعُد إلى بيدري، أو لكي أكون صادقاً معك عزيزي القارىء، فنحن لم نخرُج من سياق الحديث عنه، فبيدري، هو مثال حي عن هذه المُعضلة التي أتحدث فيها منذ البِدء، ما يفعله، تُدمِّره النظرة السطحية لكرة القدم..

دعني أسألك سؤالاً، او بالأحرى عدة أسئلة سريعة، كم مرة رأيته يتسلم الكرة تحت الضغط ويمر بسهولة من اللاعب الذي يضغط عليه كما لو أنه قد رأي اللعبة مُسبقاً ؟ كم مرة رأيته يلعب كرة طولية في الجانب الأعمى خلف المُدافعين 
أو الأظهرة ؟ كم مرة رأيته يلعب تمريرة كاسرة لخطين من اللاعبين بلمح البصر بمجرَّد إستلامه للكرة والدوران بها ؟ 
كم مرة رأيته يقف بين الخطوط دون رقابة ؟

أعتقد أنها عديد المرات، هُنا، لا يعتمد بيدري فقط على موهبته الفطرية الواضحة، وقدراته التقنية التي لا غُبار عليها، الأمر ليس ببساطة ما يبدو عليه عندما يقوم بيدرو به، كما هو معلوم، فإن متوسط حيازة أي لاعب للكرة خلال مباريات كرة القدم لا يتعدَّى 5% من وقت اللعب، وكما يقول كرويف :

"ما الذي تقوم به خلال الدقائق المُتبقية عندما لا تمتلك الكرة؟ هذا، يُحدد ما إذا كنت لاعباً جيداً أم لا"..

بيدري، يُدرك تماماً هذا الأمر، بيدري بالطبع يملك موهبة صارخة، موهوب بالفطرة "Technically gifted"، لكن، 
كافة قراراته الجيدة على الكرة لا تنبُع فقط من هذه الموهبة، بل الجزء الأكبر منها يذهب إلى ما يفعله في حالة عدم الحيازة، بيدري ماسح ضوئي لا يتوقف عن النظر حوله وكشف المُحيط، تجميع المعلومات عن المساحة والخصم والزميل وكذا الكرة، المسح، يُعطيك ميزة تنافسية 
عن البقيَّة، وجودة المعلومات التي يتم تجميعها من هذا المسح بالإضافة للتحديث الدائم لها، يجعل كافة قراراتك تقترب من حد المثالية في إتقانها!

هذه الإيماءة الجسدية التي تُعتبر علامة مُسجَّلة بإسمه في وقتنا الحالي، الـ Body fient الشهير الذي يقوم به ليَمُر من خصومه تحت الضغط بسهولة، حتى هذه نابعة من مسح مميز لمكان أقرب خصم قبل إستلامه للكرة، للمساحة التي بإمكانه أن يترك الكرة تمر إليها ثم يستغلها بحمل الكرة للأمام، ليس فقط المسح، بيدري، يُدرك تماماً بأن الكرة أسرع بكثير من الأقدام، وهذا ما يُسهِّل عليه القيام بأكثر الأشياء صعوبة على غيره "شاهد الڤيديو المُرفق في أول تعليق"..

الأرقام، ليست سيئة في ذاتها، ولم تُفسد مُتعة كرة القدم كما يدَّعي البعض، بل جعلت الأمور أسهل قليلاً، لكنها بالطبع ستبدو غاية في السوء عند إستخدامها بسطحية وفي غير سياقها، إستخدام العُنصر البشري للأرقام هو من يحدد ما 
إذا كانت الأرقام يؤخذ بها أم لا، والبشر، لا يكفُّوا عن الإنحياز لقناعاتهم، وحبذَّا إن خدمتها الأرقام..

الأرقام ستقُل لك، أن بيدري في بطولة اليورو السابقة، 
لم يُسدد أي تسديدة، ولم يُسجل او يصنع أي هدف طوال البطولة، لكن، الأرقام أيضاً، ستقُل لك بأن بيدري هو أكثر 
من صنع فرص لزملائه من لعب مفتوح، أكثر من ساهم في بناء اللعب لإتمام فرصة على مرمى الخصم "xGBuildup"، أكثر من صنع فرص الفرص Secondary Chances 
أو التمريرة ما قبل الفرصة المصنوعة والتي إذا تحولت الفرصة لهدف تُصبح Pre Assist، أكثر من لعب التمريرة قبل الأسيست كذلك، أكثر لاعب في عدد الإنطلاقات التقدُّمية بالكرة، والأكثر في عدد التمريرات المُكتملة للثلث الأخير من الملعب "وفقاً لـ Opta"..

في الموسم السابق رفقة البارسا، إمتلك بيدري أرقاماً تبدو مُشابهة كثيراً لتلك التي قدَّمها رُفقة اللوتشو ومنتخب إسبانيا حتى أبريل الماضي، بيدري، تعدَّى كل لاعبي الوسط في الليجا في عدد تسلسلات التمريرات التي شارك بها وانتهت بتسديدة على مرمى الخصم "Shot Ending sequence"، ليس ذلك فحسب، بيدري أيضاً كان ثاني لاعب وسط مباشرة بعد لوكا مودريتش في عدد المرات التي شارك بها في تسلسل التمريرات وأيضاً هو من صنع الفرصة الأخيرة قبل التسديد مُباشرةً، أما في فرص الفرص، فتعداه فقط أربع لاعبين وسط آخرين..

هذا، ليس بجديد على بيدري، إطلاقاً، بيدري هكذا منذ أن كان في لاس بالماس في دوري القسم الثاني، وفقاً لمقالة نُشرت على موقع الداتا العالمي Statsbomb في يوليو من عام 2020، فبيدري كان أكثر لاعبي فريقه في عدد التمريرات البينية بين قلبي الدفاع "Through balls"،  أعلى عدد أسيستات متوقعة في كل لاعبي فريقه، ثالث أكثر من صنع فرص من لعب مفتوح في كل لاعبي الـ Liga 2، أكثر من لعب تمريرات للثلث الأخير من الملعب كذلك، الأكثر قياماً بالإنطلاقات التقدُّمية للثلث الأخير، والأكثر قياماً بالمراوغات الناجحة، كل هذا لشاب لم يتجاوز عمره وقتها 17 عام!

هكذا تبدو الأمور عندما نتحدث عن أرقام بيدري على الكرة، أما بدون الكرة، فبيدري، يفوق الجميع، هذه ليست مُبالغة إن ظننتها هكذا، بيدري يُدرك تماماً ماهية الوقت، ولا يُهدره، سواء كان حال حيازة فريقه أو حيازة الخصم، حال حيازة فريقه لا يتوقف عن المسح والتحرُّك، فكُرة القدم هي لعبة حركية وعقلية في المقام الأول، أما في حالة عدم حيازة فريقه للكرة، بيدرو، لا يتوقف عن الركض!

بالكاد تعرف تلك الإحصائية الشهيرة بأنه أكثر من قطع مسافات في بطولة اليورو السابقة، لكن يُمكنني أن أقول لك بالفم الملآن بأن هذا غيضٌ من فيض، بيدري، هو أكثر لاعب وسط في الليجا في آخر عام، ضغطاً على الخصم بمُعدل 
30 مرَّة ضغط للمباراة الواحدة، ليس الأكثر عموماً فحسب، بل هو الأكثر ضغطاً في الثلث الأول وكذا الثلث الأوسط 
من الملعب..

في موسم 19/20 مع لاس بالماس، بيدري أيضاً كان أكثر لاعبي فريقه ضغطاً على الخصم بنفس الرقم تقريباً، بل كان الثالث في كل لاعبي القسم الثاني بمختلف أنواع المراكز،
بل وكذلك كان الأكثر ضغطاً بعد فقد الكرة "ضغط عكسي"، والأكثر فوزاً بالكرات كذلك من هذا الضغط، بيدري كذلك كان أكثر لاعب في فريقه إستلاماً للتمريرات تحت الضغط وأيضاً قياماً بالتمريرات الصحيحة تحت الضغط..

تلك القُدرة التي يمتلكها في الضغط على خصومه وسلبهم الكرة، يمتلك قدرة لا تقل جمالية عنها في الحفاظ على الكرة تحت الضغط، لاعب ذو جسد نحيل ولا يبدو أنه قادر على حماية الكرة بجانب جسده أو بظهره، لكنه قادر على حمايتها بذكاءه، بتفطُّنه لحركة الخصم، وقدرته الكبيرة على تغيير إتجاه جسده في كافة المسارات من وضع الحركة أو الثبات، بيدري بالمناسبة يمتلك ثاني أعلى مُعدل في كل لاعبي الوسط في الليجا للتمريرات المُكتملة تحت الضغط في العام الآخير، بمُعدل 13 تمريرة صحيحة تحت الضغط لكل 90 دقيقة لعب..

كل هذه أرقام أيضاً، لكنها تصف حالة، لا تمحي مردود، كل ما يفعله بيدري بالكرة وبدونها، وما يمتلكه من وعي على أرض الميدان، كل هذا، وهو لم يتجاوز العشرون من عمره، ما يفعله
يصعُب على بعض اللاعبين بعد سنوات من الخبرة في الملاعب أن يفعلوه بهذا الإتقان والتمرُّس، ما يفعله، لا يُمكن أن تمحوه ورقة ساذجة عليها كم سجل وكم صنع، ما يفعله، لن يُدركه أبداً، سوى من يشاهد بعينه، قبل إطلاق الأحكام..

ما يفعله، لن يُدركه، سوى من يفهم حقيقة كرة القدم..

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة

المقالات

3

متابعين

6

متابعهم

0

مقالات مشابة