حين تركضُ لاهثاً خلف النتيجة!

حين تركضُ لاهثاً خلف النتيجة!

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about حين تركضُ لاهثاً خلف النتيجة!

حين تركضُ لاهثاً خلف النتيجة!

جلس "ياسين" أمام حاسوبه، عيناه تحمران من التحديق في الأكواد البرمجية التي ترفض العمل! كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل والشعور بالإحباط يتسلل إلى قلبه مثل ضباب كثيف أغلق الحاسوب بقوة وتوجه إلى ركن المكتبة حيث يجلس جده "إسماعيل" كعادته، يقرأ في كتابٍ قديم، ومصباحٌ صغير يضيء ما حوله بدفء.

​نظر الجد إلى حفيده المتوتر، أغلق كتابه بهدوء وقال بصوتٍ رخيم: يا ياسين يبدو أن معاركك التقنية مع هذا الجهاز قد استهلكت روحك أكثر من عقلك تعال اشرب معي هذا الشاي ونهدأ قليلاً.

​جلس ياسين بائس وقال: يا جدي انا أضع خططاً وأتعلم مهارات جديدة وأبذل جهداً مضاعفاً لكنني أشعر أنني في حلقة مفرغة 😔 كلما تقدمت خطوة اكتشفت أنني لم أتحرك من مكاني. هل هذا الفشل هو قدري؟

​ابتسم الجد، وسكب له الشاي قبل أن يقول: هل حدثتك يوماً عن السيدة هاجر؟ حين وُضعت في وادٍ غير ذي زرع لا ماء فيه ولا طعام ومعهما طفلٌ رضيع؟ هل كانت تملك خطة عمل أو استراتيجية؟

​أجاب ياسين بدهشة: لا يا جدي، كانت وحدها تماماً.

​أكمل الجد: لكنها لم تستسلم لليأس بل قامت لتسعى صعدت الصفا ثم المروة مرة ومرتين…. سبع مرات!  لم تكن تعلم أين سيأتي الفرج لكنها كانت تعلم أن الله لا يضيع سعياً صادقاً لقد كانت تهرول بين الجبلين واليقين يملأ قلبها بينما الجفاف يحيط بها.

​ثم التفت الجد إلى حفيده بجدية : ألم يقل النبي ﷺ:'لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً'؟ انظر للطير يا ياسين، تغدو (تخرج في الصباح الباكر) خماصاً (جائعة، أي أنها تخرج لتبحث عن رزقها ولا تنتظره) ثم تعود بطاناً (ممتلئة البطون). الرزق يأتي بـ 'الغدوّ'، أي بالسعي الدؤوب.”

​أخذ ياسين نفساً عميقاً وشعر بأن الضغط يخف قليلاً تابع الجد: يا بني، نحن في عصر يقدس 'النتائج' السريعة، لكن الله يبارك في 'السعي' الصادق. أنت لست في حلقة مفرغة، أنت في مرحلة 'الصفا والمروة' الخاصة بك. لا تطلب من الله النتيجة الآن، اطلب منه القوة والثبات لتكمل السعي الطير لا يضمن الرزق بمجرد الطيران، لكنه لا يضمنه أبداً إذا ظل في عشه.

​نظر ياسين إلى يديه ثم إلى حاسوبه المغلق وابتسم لأول مرة منذ ساعات أدرك أن الإحباط ليس إلا محطة للراحة وأن الأكواد التي فشلت اليوم هي مجرد "خطوة" أخرى في سعيٍ سيؤتي ثماره حتماً ليس لأن النتائج مضمونة بل لأن السعي في حد ذاته عبادة 

وان الله عز وجل لن يضيع اجر من احسن عمله.

​قبل ياسين رأس جده، وشعر أن مكتبة هذا الرجل العجوز هي المكان الوحيد في العالم الذي يمنحه الوقود الكافي لمواجهة غدٍ مجهول.

 "سأغدو غداً كطيرٍ لا يمل من السعي يا جدي،" قال ياسين ثم عاد إلى غرفته لا ليعمل تحت ضغط بل ليشرع في السعي تاركاً النتائج لمن بيده ملكوت كل شيء.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Hager Nasser تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

2

مقالات مشابة
-