وبالوالدين إحسانا 🌹🌹🌹

وبالوالدين إحسانا 🌹🌹🌹

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

وبالوالدين إحسانا 


 

 

image about وبالوالدين إحسانا 🌹🌹🌹

 

كان الجميع يظنون أن العجوز التي تجلس كل صباح على المقعد الخشبي المقابل للمستشفى لا تنتظر أحدًا.
كانت تأتي قبل شروق الشمس بقليل، تحمل حقيبة قماشية قديمة، وتضع بجوارها زجاجة ماء صغيرة، ثم تنظر إلى الباب الزجاجي الكبير في صمت طويل، وكأنها تعدُّ الخارجين واحدًا واحدًا.
كان المارة يلقون عليها السلام، فتبتسم ابتسامة خافتة، ثم تعود إلى صمتها.
همس بعضهم: "ربما فقدت عقلها."
وقال آخرون: "لا بد أنها تنتظر ابنًا لا يأتي."
لكن أحدًا لم يكن يعرف الحقيقة.
في أحد الأيام، خرجت ممرضة شابة من المستشفى بعد انتهاء نوبتها الليلية، فرأت العجوز كما اعتادت أن تراها.
اقتربت منها وقالت بلطف: "يا خالة... أراك هنا كل يوم، ألا تتعبين؟"
ابتسمت العجوز وربتت على المقعد بجوارها.
جلست الممرضة.
قالت العجوز وهي تنظر إلى الباب: "هل تعرفين... قبل خمسة عشر عامًا، دخل زوجي هذا المستشفى وهو يشتكي من ألم بسيط في صدره."
سكتت قليلًا.
"قال لي وهو يدخل: لا تقلقي... سأخرج بعد ساعة."
تنهدت.
"ومنذ تلك الساعة... لم يخرج."
خفضت الممرضة رأسها.
تابعت العجوز: "عدت إلى البيت وحدي... وكان عندي ثلاثة أطفال، أصغرهم لم يكن قد تجاوز الرابعة."
لم يكن الحزن هو أصعب ما واجهته.
بل الحياة.
فقد أصبحت الأم والأب معًا.
كانت تستيقظ قبل الفجر، تخبز الخبز بيديها، ثم تذهب لتنظيف البيوت، وبعدها تعمل في خياطة الملابس حتى منتصف الليل.
كانت يداها تنزفان من الإبر.
وقدماها تتورمان من كثرة الوقوف.
لكنها لم تسمح لأطفالها أن يشعروا يومًا بأنها متعبة.
إذا جاعوا... قالت إنها شبعانة.
وإذا اشتهوا شيئًا... باعت قطعة جديدة من ذهبها.
وإذا مرض أحدهم... سهرت عند رأسه حتى يطلع النهار.
أما إذا بكت...
فكانت تبكي بعد أن يناموا جميعًا.
مرت السنوات.
كبر الأبناء.
تخرج أكبرهم طبيبًا.
والثاني مهندسًا.
أما الصغيرة فأصبحت معلمة.
وفي يوم تخرجهم، جلست في آخر الصفوف، ترتدي عباءتها القديمة نفسها.
لم يلتفت إليها أحد.
لكنها كانت ترى الدنيا كلها في تلك اللحظة.
كانت تقول في نفسها:
"الحمد لله... لم يضع تعبي."


ومرت أعوام أخرى.
تزوج الأبناء.
وانشغل كل واحد بحياته.
في البداية كانوا يزورونها كل أسبوع.
ثم كل شهر.
ثم في الأعياد.
ثم أصبحت المكالمات هي الزيارة.
ثم أصبحت الرسائل هي المكالمة.
ثم...
أصبح الصمت.


في أحد الأيام، شعرت بدوار شديد.
أخذها الجيران إلى المستشفى نفسه.
المستشفى الذي ودعت عند بابه زوجها قبل سنوات.
أدخلها الأطباء، وبعد الفحوص قالوا:
"ستحتاج إلى البقاء عدة أيام."
كانت تنظر إلى الباب كل مساء.
تظن أن أبناءها سيدخلون.
لكن الذي دخل كان الممرض يحمل الدواء.
وفي اليوم التالي...
دخل عامل النظافة.
وفي الثالث...
دخلت الممرضة.
أما أبناؤها...
فلم يدخل منهم أحد.
قالت الممرضة يومًا: "ألم تخبريهم؟"
ابتسمت الأم.
وقالت: "أخبرتهم."
"ولماذا لم يأتوا؟"
قالت وهي تخفي دموعها: "قالوا إن العمل كثير... والطريق بعيد."
ثم أضافت بصوت مكسور:
"كنت أظن أن الطريق الذي حملتهم فيه على كتفي صغيرًا... سيقصر عليهم الطريق إليَّ عندما أكبر."
خرجت من المستشفى بعد أيام.
ولم يأت أحد ليأخذها.
استقلت سيارة أجرة.
وعادت إلى بيتها.
وفي صباح اليوم التالي...
عادت إلى ذلك المقعد الخشبي أمام المستشفى.
سألتها الممرضة:
"لماذا عدت؟"
ابتسمت.
وقالت:
"لأنني كلما جلست هنا... أتذكر آخر مكان رأيت فيه زوجي... وأتذكر أول مكان رأيت فيه أولادي يكبرون أمام عيني."
ثم أخرجت من حقيبتها ثلاث صور قديمة.
صورة لكل ابن.
كانت الصور باهتة من كثرة ما لمستها أصابعها.
قالت:
"أتعلمين؟"
"الأم لا تتوقف عن انتظار أبنائها... حتى لو تأخروا سنوات."


وفي صباح شتوي بارد...
لم تأتِ العجوز.
استغرب الجميع.
وفي اليوم الثاني أيضًا...
لم تأتِ.
سألت الممرضة الجيران عنها.
فقالوا بصوت خافت:
"رحلت البارحة."
ساد الصمت.
ثم أعطتها إحدى الجارات حقيبتها القماشية القديمة.
كان بداخلها زجاجة الماء...
والصور الثلاث...
ورسالة مطوية.
فتحتها الممرضة.
وكان فيها:
"إذا قرأ أحد رسالتي، فلا يخبر أولادي أنني كنت حزينة منهم.
قولوا لهم فقط إنني متُّ وأنا أدعو لهم.


فالأمهات لا يعرفن كيف يحملن الكراهية في قلوبهن.
وأخبروهم أنني سامحتهم...
قبل أن أرحل بسنوات."
في جنازتها...
وصل الأبناء جميعًا.
كانوا يبكون بحرقة.
يحتضنون بعضهم بعضًا.
ويقولون:
"ليتنا زرناها أكثر."
"ليتنا جلسنا معها ساعة."
"ليتنا سمعنا صوتها."
لكن كلمة "ليت"...


كانت قد جاءت بعد فوات الأوان.
فبعض الأبواب، إذا أُغلقت، لا يفتحها الندم.
وبعض القلوب ترحل وهي لا تطلب من الدنيا إلا دقائق من الاهتمام، لكنها لا تجدها إلا فوق نعشها.
لذلك، إن كان لك أب أو أم ينتظران اتصالًا، أو زيارة، أو كلمة حانية، فلا تؤجلها.
فالعمر لا يعدنا بلقاءٍ آخر، والقلوب التي أحبتنا بلا مقابل تستحق أن نرد إليها بعضًا من ذلك الحب قبل أن يصبح الدعاء هو اللغة الوحيدة التي تصل إليها.


image about وبالوالدين إحسانا 🌹🌹🌹

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
mahmoud tolan تقييم 0 من 5.
المقالات

2

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-