هل يمكن أن يتحول الحب إلى إدمان؟ التفسير العلمي وراء التعلق العاطفي

هل يمكن أن يتحول الحب إلى إدمان؟ التفسير العلمي وراء التعلق العاطفي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

هل يمكن أن يتحول الحب إلى إدمان؟ التفسير العلمي وراء التعلق العاطفي

هل سبق لك أن شعرت أنك لا تستطيع التوقف عن التفكير في شخص تحبه؟ وهل يصبح يومك مختلفًا تمامًا عندما يتحدث معك، بينما تشعر بالقلق عندما يبتعد عنك؟ أحيانًا يبدو الحب وكأنه أقوى من قدرتنا على التحكم في مشاعرنا، وهنا يظهر سؤال مثير: هل يمكن أن يتحول الحب إلى إدمان؟

تشير الأبحاث في علم الأعصاب إلى وجود بعض أوجه التشابه بين الحب الرومانسي ونظام المكافأة في الدماغ المرتبط أيضًا بالإدمان، خصوصًا في مراحل الحب الشديد أو المبكر. لكن هذا التشابه لا يعني أن الحب نفسه يُعد إدمانًا بالمعنى الطبي أو أن كل تعلق قوي يمثل اضطرابًا نفسيًا.

ومن المهم أيضًا التوضيح أن مصطلح «إدمان الحب» لا يمتلك حتى الآن تعريفًا تشخيصيًا رسميًا متفقًا عليه في التصنيفات الطبية، لذلك يجب التعامل معه باعتباره موضوعًا بحثيًا ونفسيًا قيد الدراسة، وليس تشخيصًا يمكن إطلاقه على شخص لمجرد أنه يحب بشدة.

ما الذي يحدث داخل الدماغ عندما نحب؟

image about هل يمكن أن يتحول الحب إلى إدمان؟ التفسير العلمي وراء التعلق العاطفي

الحب الرومانسي ليس مجرد إحساس عاطفي، بل يرتبط أيضًا بنشاط عدد من الأنظمة العصبية في الدماغ، ومن بينها مناطق مرتبطة بالمكافأة والتحفيز والدافع.

وأظهرت دراسات التصوير العصبي أن مشاعر الحب الشديد يمكن أن تنشط مناطق من نظام المكافأة، ومنها مناطق غنية بالدوبامين مثل المنطقة السقيفية البطنية (VTA) وبعض أجزاء النواة المذنبة. وهذه المناطق تشارك كذلك في عمليات التحفيز والتعلم المرتبط بالمكافأة.

وهذا قد يساعد في تفسير سبب شعور الشخص بالحماس والسعادة عند رؤية الشخص الذي يحبه أو تلقي رسالة منه، ولماذا يمكن أن يصبح التواصل معه أمرًا يحظى باهتمام كبير.

لكن من المهم ألا نختصر الحب في مادة كيميائية واحدة؛ فالحب تجربة معقدة تتداخل فيها عمليات عصبية وعاطفية واجتماعية متعددة.

لماذا يشبه الحب أحيانًا الإدمان؟

تشير الدراسات إلى أن هناك تشابهًا جزئيًا بين الحب الرومانسي وبعض آليات الإدمان، خصوصًا فيما يتعلق بنظام المكافأة والدافع والانتباه الشديد للمحفزات المرتبطة بالشخص المحبوب.

وفي تحليل تلوي حديث نُشر عام 2024، قارن الباحثون نتائج 21 دراسة عن الحب الرومانسي و28 دراسة عن اضطرابات الإدمان، ووجدوا وجود مناطق عصبية مشتركة وأخرى مختلفة بين الحالتين. وأكد الباحثون أن التشابه العصبي لا يعني أن الحب والإدمان متطابقان.

لذلك، يمكن أن يشعر الشخص أحيانًا بأنه يبحث باستمرار عن وجود الطرف الآخر أو اهتمامه، لكن هذا الشعور وحده لا يكفي للقول إن الشخص «مدمن على الحب».

هل الدوبامين هو المسؤول عن إدمان الحب؟

يلعب الدوبامين دورًا مهمًا في أنظمة المكافأة والتحفيز في الدماغ، ولذلك يظهر في الأبحاث المتعلقة بالحب الرومانسي وكذلك الإدمان.

لكن القول إن «الدوبامين هو هرمون الحب» أو أنه المسؤول وحده عن إدمان الحب تبسيط غير دقيق. فالدوبامين يشارك في مجموعة واسعة من وظائف الدماغ، ومنها التحفيز والتعلم المرتبط بالمكافأة.

كما تشير الأبحاث إلى مشاركة أنظمة ومواد عصبية أخرى في الارتباط الاجتماعي والحب، ولذلك فإن التجربة العاطفية لا يمكن تفسيرها بمادة كيميائية واحدة.

متى يمكن أن يصبح التعلق العاطفي مشكلة؟

ليس كل تعلق قوي أمرًا مرضيًا. فوجود رغبة في التواصل مع شخص نحبه أو التفكير فيه كثيرًا قد يكون جزءًا طبيعيًا من تجربة الحب، خصوصًا في بدايات العلاقة.

لكن المشكلة قد تظهر عندما تصبح الأفكار والسلوكيات المرتبطة بالعلاقة شديدة لدرجة تؤثر بوضوح في الحياة اليومية أو العلاقات الأخرى أو العمل والدراسة.

وقد تشمل المؤشرات التي تستحق الانتباه:

انشغال مفرط ومستمر بالشخص الآخر.

صعوبة التركيز في الأنشطة اليومية بسبب العلاقة.

الحاجة المستمرة إلى الطمأنة والاهتمام.

الاستمرار في سلوكيات مؤذية أو غير مناسبة رغم إدراك عواقبها.

الشعور بضيق شديد عندما لا يكون الطرف الآخر متاحًا.

تراجع الاهتمام بالعمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية بسبب الانشغال بالعلاقة.

هذه العلامات لا تعني تلقائيًا وجود «إدمان حب» أو اضطراب نفسي، لكنها قد تشير إلى أن العلاقة أو التعلق بها يسببان ضيقًا أو تأثيرًا ملحوظًا في الحياة، وهو أمر يستحق الاهتمام.

الفرق بين الحب الصحي والتعلق المفرط

الحب الصحي لا يعني أن تتوقف عن امتلاك حياتك الخاصة من أجل شخص آخر.

في العلاقة المتوازنة، يمكن أن يجتمع الحب والاهتمام مع الحفاظ على الأصدقاء والهوايات والعمل والأهداف الشخصية.

أما التعلق المفرط فقد يجعل الشخص يربط شعوره بقيمته أو أمانه النفسي بشكل كبير بمدى اهتمام الطرف الآخر به.

وهنا يجب الانتباه إلى أن الفرق لا يعتمد على شدة المشاعر وحدها، وإنما على تأثير هذه المشاعر في حياة الشخص وقدرته على ممارسة وظائفه اليومية بصورة طبيعية.

وتتفق هذه الفكرة مع الطريقة التي تُعرّف بها منظمة الصحة العالمية الاضطرابات المرتبطة بالسلوكيات الإدمانية؛ إذ يرتبط الاضطراب بفقدان السيطرة وتأثير السلوك بصورة واضحة في الوظائف الشخصية أو الاجتماعية أو غيرها.

لماذا يصعب أحيانًا الابتعاد عن علاقة مؤذية؟

قد يتساءل البعض: إذا كانت العلاقة تسبب الألم، فلماذا يستمر الشخص فيها؟

هناك عدة عوامل يمكن أن تلعب دورًا، منها الذكريات المشتركة، والخوف من الوحدة، والأمل في تغير العلاقة، بالإضافة إلى قوة الارتباط العاطفي.

كما أن نظام المكافأة في الدماغ قد يجعل بعض التجارب المرتبطة بالشخص المحبوب شديدة الأهمية بالنسبة للفرد، وهو أحد الأسباب التي جعلت الباحثين يهتمون بدراسة أوجه التشابه بين الحب والإدمان.

ومع ذلك، لا يمكن تفسير استمرار شخص في علاقة مؤذية بسبب عامل عصبي واحد؛ فالعوامل النفسية والاجتماعية وظروف العلاقة نفسها يمكن أن تكون مؤثرة أيضًا.

كيف يمكن التعامل مع التعلق العاطفي المفرط؟

إذا بدأ التعلق يؤثر بوضوح في الحياة اليومية، فمن المفيد أولًا ملاحظة السلوكيات التي تزيد الانشغال بالعلاقة، ومحاولة الحفاظ على جوانب الحياة الأخرى مثل العمل أو الدراسة والهوايات والعلاقات الاجتماعية.

وقد يساعد أيضًا تقليل السلوكيات التي تجعل الانشغال أكثر حضورًا، مثل التحقق المستمر من الهاتف أو مراقبة نشاط الطرف الآخر على مواقع التواصل الاجتماعي.

أما إذا كان الشخص يعاني من ضيق نفسي مستمر أو تأثير واضح في حياته أو يجد صعوبة في التعامل مع العلاقة بمفرده، فقد يكون من المناسب التحدث مع أخصائي صحة نفسية مؤهل للحصول على تقييم مهني يناسب حالته.

وهذه المعلومات عامة وتثقيفية؛ فلا يمكن تحديد ما إذا كان شخص معين يعاني من اضطراب أو يحتاج إلى علاج اعتمادًا على قائمة أعراض أو مقال على الإنترنت.

ماذا تقول الدراسات عن «إدمان الحب»؟

رغم تزايد الاهتمام العلمي بالمفهوم، لا يزال هناك جدل حول كيفية تعريف «إدمان الحب» وتصنيفه.

فقد خلصت مراجعات علمية إلى وجود أوجه تشابه بين بعض مظاهر الحب الشديد والإدمان، لكنها أشارت أيضًا إلى عدم وجود تعريف تشخيصي رسمي متفق عليه لهذا المفهوم حتى الآن. كما أن الأدلة المتاحة لا تسمح باعتبار كل حب شديد أو تعلق عاطفي اضطرابًا إدمانيًا.

وفي المقابل، أظهرت دراسة تحليلية حديثة أن الحب الرومانسي واضطرابات الإدمان يشتركان في بعض الأنماط العصبية، مع وجود اختلافات مهمة بينهما، ما يدعم فكرة أن العلاقة بين الحب والإدمان أكثر تعقيدًا من مجرد القول إن الحب «إدمان».

الخلاصة

إذن، هل يمكن أن يتحول الحب إلى إدمان؟

الإجابة العلمية الأكثر دقة هي أن الحب الرومانسي يمكن أن يشترك مع الإدمان في بعض آليات المكافأة والتحفيز داخل الدماغ، لكن الحب ليس إدمانًا بالضرورة، و«إدمان الحب» ليس تشخيصًا طبيًا رسميًا معتمدًا حتى الآن.

المشكلة ليست في قوة الحب وحدها، وإنما عندما تصبح المشاعر أو السلوكيات المرتبطة بالعلاقة مسيطرة إلى درجة تؤثر سلبًا في حياة الشخص ورفاهيته.

وفي النهاية، الحب الصحي لا يعني أن تفقد نفسك من أجل شخص آخر، بل أن تستطيع الجمع بين القرب العاطفي والاستقلال والتوازن.

المصادر العلمية

Yang Y, Wang C, Shi J, Zou Z. Joyful growth vs. compulsive hedonism: A meta-analysis of brain activation on romantic love and addictive disorders. Neuropsychologia , 2024.

Reynaud M, et al. Is love passion an addictive disorder? Substance Use & Misuse, 2010.

Fisher HE, Xu X, Aron A, Brown LL. Intense, Passionate, Romantic Love: A Natural Addiction? Frontiers in Psychology, 2016.

Earp BD, Wudarczyk OA, Foddy B, Savulescu J. Addicted to love: What is love addiction and when should it be treated? Philosophy, Psychiatry & Psychology, 2017.

منظمة الصحة العالمية (WHO)، معلومات حول السلوكيات الإدمانية واضطراباتها.

ملاحظة: هذا المقال للتثقيف العام ولا يُعد تشخيصًا طبيًا أو نفسيًا، ولا يغني عن استشارة متخصص مؤهل عند وجود أعراض أو معاناة مستمرة.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
مشورة أسرية تقييم 5 من 5.
المقالات

14

متابعهم

29

متابعهم

94

مقالات مشابة
-