لماذا نظن أن علينا أن نكون أفضل دائمًا؟

لماذا نظن أن علينا أن نكون أفضل دائمًا؟
حين تتحول الرغبة في التطور إلى حرب مع أنفسنا
من الطبيعي أن نرغب في أن نصبح أفضل.
نتعلم مهارة جديدة، نحاول التخلص من عادة سيئة، نعمل على أهدافنا، ونفكر في الشخص الذي نريد أن نصبح عليه بعد سنوات.
لكن أحيانًا يحدث شيء غريب.
نبدأ رحلة تطوير الذات بهدف أن ننمو، ثم نجد أنفسنا ننظر إلى حياتنا الحالية وكأنها **مجموعة من الأشياء التي تحتاج إلى إصلاح**.
لم أتعلم بما يكفي.
لم أنجز بما يكفي.
ما زلت متأخرًا.
هناك شخص في عمري حقق أكثر مني.
يجب أن أكون أفضل.
ثم يصبح السؤال الذي كان من المفترض أن يدفعنا للأمام:
**«كيف أصبح أفضل؟»**
سؤالًا مختلفًا تمامًا:
**«لماذا أنا لست جيدًا بما يكفي؟»**
وهنا تبدأ المشكلة.
عندما يتحول التطور إلى رفض للذات
هناك فرق كبير بين أن تقول:
**«أريد أن أتعلم وأتطور.»**
وأن تقول:
**«يجب أن أتغير لأنني لست جيدًا كما أنا.»**
الجملة الأولى تبدأ من الرغبة في النمو.
أما الثانية فتبدأ من رفض الذات.
وقد تبدو النتيجة في الحالتين متشابهة من الخارج. في كلتا الحالتين قد تتعلم، وتعمل، وتحاول أن تتغير.
لكن الدافع الداخلي مختلف تمامًا.
عندما تتطور لأنك تريد أن تنمو، يصبح الخطأ جزءًا طبيعيًا من الرحلة.
أما عندما تتطور لأنك تشعر أنك غير كافٍ، فقد يتحول كل خطأ إلى دليل جديد ضدك.
إذا لم تنجز اليوم، تشعر بالذنب.
إذا توقفت قليلًا، تشعر أنك كسول.
إذا لم تتعلم بالسرعة التي توقعتها، تشعر أنك فاشل.
وكأن قيمتك مرتبطة بمدى إنتاجيتك.
المشكلة في فكرة «النسخة المثالية»
في عالمنا اليوم، من السهل جدًا أن تشعر بأن هناك نسخة أفضل منك يجب أن تطاردها باستمرار.
هناك دائمًا شخص أكثر نجاحًا.
وشخص يتعلم أكثر.
وشخص يستيقظ أبكر.
وشخص لديه مهارات أكثر.
وشخص يبدو وكأنه يعرف تمامًا ماذا يفعل في حياته.
وكلما نظرت إلى هؤلاء، ظهر لك أن النسخة الحالية منك ليست كافية.
لكن المشكلة أن هذه النسخة المثالية لا تتوقف عن التحرك.
عندما تصل إلى هدف، يظهر هدف جديد.
عندما تتعلم مهارة، تجد عشر مهارات أخرى يجب أن تتعلمها.
عندما تنجز مشروعًا، تبدأ في التفكير في المشروع التالي.
وهكذا يمكن أن تقضي حياتك كلها وأنت تتحرك للأمام، لكنك لا تسمح لنفسك أبدًا بأن تشعر أنك قطعت مسافة.
**لأنك دائمًا تنظر إلى ما ينقصك، وليس إلى ما بنيته بالفعل.**
من مذكرتي
أفهم هذه الفكرة جيدًا.
لأنني مررت بفترات كنت أريد فيها أن أتعلم أشياء كثيرة في الوقت نفسه.
البرمجة.
اللغات.
صناعة المحتوى.
بناء المشاريع.
الكتابة.
وتطوير نفسي في مجالات مختلفة.
وفي بعض الأحيان، بدل أن أشعر بالحماس بسبب كل هذه الأشياء التي أتعلمها، كنت أنظر إلى القائمة الطويلة وأشعر أنني لا أفعل ما يكفي.
كلما تعلمت شيئًا، ظهر شيء آخر أريد أن أتعلمه.
وكلما أنجزت خطوة، بدأت أفكر مباشرة في الخطوة التالية.
وكأن الإنجاز لا يأخذ حتى دقيقة واحدة قبل أن يتحول إلى شيء عادي.
لكن مع الوقت بدأت أفهم أن بناء نفسي لا يعني أن أعيش في حرب مستمرة مع النسخة الحالية مني.
فكرة **Build My Own Self** لم تعد تعني أنني أريد التخلص من الشخص الذي أنا عليه.
بل أنني أريد أن أبني فوق ما تعلمته بالفعل.
هناك فرق بين الهدم والبناء.
الهدم يبدأ من فكرة:
**«أنا لست جيدًا بما يكفي.»**
أما البناء فيبدأ من:
**«أنا أملك أشياء يمكنني تطويرها، وما زال أمامي الكثير لأتعلمه.»**
والفرق بين الجملتين قد يبدو بسيطًا، لكنه يغير علاقتك بنفسك بالكامل.
يمكنك أن تحب نفسك وتريد أن تتغير
أحيانًا نعتقد أن قبول أنفسنا يعني أن نتوقف عن محاولة التطور.
وكأن لدينا خيارين فقط:
إما أن نكون راضين تمامًا عن أنفسنا، أو أن نرفض أنفسنا حتى نتحسن.
لكن الحقيقة ليست بهذه القسوة.
يمكنك أن تكون فخورًا بما وصلت إليه، وفي الوقت نفسه تعرف أن أمامك الكثير.
يمكنك أن تعترف بأن لديك نقاط ضعف دون أن تجعلها تعريفًا كاملًا لشخصيتك.
يمكنك أن تقول:
**«أنا لم أصل إلى ما أريده بعد، لكنني أقدّر المسافة التي قطعتها.»**
وهذا ليس غرورًا.
إنه رؤية عادلة لنفسك.
لأن الإنسان الذي يرى أخطاءه فقط لن يشعر أبدًا بأنه يتحسن، حتى لو كان يتحرك فعلًا.
التطور لا يحتاج إلى كراهية
ليس عليك أن تكره نفسك القديمة حتى تصبح نسخة أفضل.
وليس عليك أن تشعر بالذنب في كل يوم لم تكن فيه منتجًا.
وليس عليك أن تحوّل كل دقيقة إلى فرصة للإنجاز.
أحيانًا تحتاج إلى الراحة.
وأحيانًا تحتاج إلى التوقف.
وأحيانًا تمر بفترة لا ترى فيها تقدمًا واضحًا.
وهذا لا يعني أن رحلتك انتهت.
المشكلة أننا أصبحنا نتعامل مع التطور وكأنه خط مستقيم.
نتوقع أن نتحسن باستمرار، يومًا بعد يوم، دون توقف أو تراجع.
لكن الواقع أكثر فوضوية، لأن البشر، للأسف، ليسوا تطبيقات يتم تحديثها كل ليلة بإصدار أفضل.
نتقدم أحيانًا.
نتوقف أحيانًا.
نتراجع.
نتعلم.
ثم نعود.
وهذا كله جزء من الرحلة.
لا تجعل المقارنة تسرق منك ما بنيته
قد تنظر إلى شخص آخر وتجد لديه شيئًا لا تملكه.
مهارة.
نجاح.
خبرة.
جمهور.
أو فرصة كنت تتمنى أن تحصل عليها.
فتنسى فجأة كل الأشياء التي وصلت إليها أنت.
المقارنة لها طريقة غريبة في إخفاء إنجازاتك.
تجعلك تنظر إلى عشرة أشياء لا تملكها، وتنسى عشرات الأشياء التي لم تكن تستطيع فعلها من قبل وأصبحت اليوم جزءًا طبيعيًا من حياتك.
لذلك بدل أن تجعل الآخرين معيارًا ثابتًا لنجاحك، ارجع أحيانًا إلى نفسك السابقة.
اسأل:
**ما الذي أصبح بإمكاني فعله الآن ولم أكن أعرف كيف أفعله قبل عام؟**
ما الذي تغير؟
ما الذي تعلمته؟
ما الذي بنيته؟
قد تكون الإجابة أكبر مما تتوقع.
---
التطور الحقيقي يبدأ عندما تتوقف عن معاملتك لنفسك كمشكلة
أنت لست مشروعًا معيبًا يحتاج إلى إصلاح مستمر.
أنت إنسان يتعلم.
تخطئ.
يتغير.
ويكتشف أشياء جديدة عن نفسه.
وكل مرحلة تمر بها تضيف شيئًا إلى المرحلة التالية.
ربما لم تصل إلى المكان الذي تريده.
لكن هذا لا يلغي المكان الذي وصلت إليه بالفعل.
ربما لديك الكثير لتتعلمه.
لكن هذا لا يعني أن ما تعرفه الآن بلا قيمة.
وربما تكون هناك نسخة منك أكثر خبرة في المستقبل.
لكن هذا لا يعني أن النسخة الحالية لا تستحق الاحترام.
تحدي اليوم
بدل أن تكتب قائمة بكل الأشياء التي تريد تغييرها في نفسك، جرّب شيئًا مختلفًا.
اكتب ثلاثة أشياء:
**شيء تعلمته مؤخرًا.**
**شيء أصبح بإمكانك فعله الآن ولم تكن تستطيع فعله من قبل.**
**شيء تحبه في النسخة الحالية منك.**
ثم اكتب شيئًا واحدًا تريد تطويره.
ليس لأنك تكره نفسك الحالية.
بل لأنك تريد أن تستمر في النمو.
نسخة أفضل كل يوم
ربما هذا هو المعنى الذي أريد أن أحمله فعلًا في هذه السلسلة.
**«نسخة أفضل كل يوم» لا تعني أن أستيقظ كل صباح وأنا غير راضية عن الشخص الذي كنت عليه بالأمس.**
ولا تعني أن أحول حياتي إلى سباق لا ينتهي نحو نسخة مثالية لن أصل إليها أبدًا.
بل تعني أن أتعلم.
وأن أتغير.
وأن أسمح لنفسي بالخطأ.
وأن ألاحظ تقدمي.
وأن أبني نفسي خطوة بعد خطوة.
دون أن أنسى أن الشخص الذي أحاول تطويره…
**يستحق الاحترام أيضًا وهو ما زال في الطريق.**
لأنك لا تحتاج إلى أن تصبح شخصًا آخر حتى تبدأ في تقدير الشخص الذي أصبحت عليه اليوم.
**نسخة أفضل كل يوم**
*ليس المطلوب أن تكون مثاليًا... بل أن تنمو دون أن تفقد السلام مع نفسك.*
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق