حين يصبح التفضيل ظلمًا: كيف ظلم المجتمع الريفي الرجل حين جعله «فتى البيت»؟
حين يصبح التفضيل ظلمًا: كيف ظلم المجتمع الريفي الرجل حين جعله «فتى البيت»؟

ليس كل ظلم يتخذ شكل الحرمان، وليس كل امتياز يعني بالضرورة أن صاحبه محظوظ. أحيانًا يكون التفضيل نفسه نوعًا من الظلم، خصوصًا عندما يتحول من حب طبيعي للابن إلى منظومة كاملة تخبره منذ طفولته أنه مختلف عن أخواته، وأن له قيمة أعلى، وصوتًا أقوى، وحقوقًا لا تُمنح لغيره. وهذا أحد الأشكال الخفية التي يمكن أن يُظلم بها الرجل في بعض البيئات الريفية والعائلية التقليدية.
يبدأ الأمر أحيانًا من الأم. قد تكون فرحتها بولادة الابن الذكر أكبر من فرحتها بولادة بناتها، ليس لأنها لا تحبهن، وإنما لأنها تربت هي الأخرى على فكرة أن الابن هو «سند العائلة» و«رفع الرأس». وربما تحمل أكثر من مرة بحثًا عن ولد، حتى يأتي الطفل الذي تنتظره الأسرة. منذ تلك اللحظة، لا يعود الطفل مجرد ابن؛ بل يصبح مشروع فخر كامل. تنظر إليه الأم باعتباره إنجازًا، وتتحدث عنه أمام الناس بفخر، وقد يصبح اسمه مرتبطًا باسمها في الأحاديث والمجالس، وكأن مكانتها الاجتماعية أصبحت معلقة بكونها أمًا لذلك الابن.
وهنا يبدأ ظلم آخر أكثر خفاءً: الطفل الذي يُقال له باستمرار إنه مصدر فخر أمه قد يتعلم أن قيمته ليست في إنسانيته، بل في كونه «الولد». يتعلم أن عليه أن يكون مختلفًا، وأن أخواته أقل منه مكانة، وأن وجوده يمنحه امتيازًا لمجرد أنه ذكر.
ثم يأتي الأب ليكمل الصورة. يأخذ ابنه معه إلى الأماكن التي لا يصطحب إليها بناته، ويجلسه إلى جواره، ويطلعه على شؤون الرجال، ويمنحه ثقة أكبر، ويجعله شاهدًا على قرارات الأسرة، بينما تُترك الأخوات في مساحة مختلفة تمامًا. وفي نظر الأب قد يكون هذا تدريبًا للابن على المسؤولية، لكنه في نظر الطفل قد يتحول إلى رسالة أخرى: **«أنت أهم من أخواتك.»**
ومع مرور الوقت، قد يصبح الابن «فتى البيت»، ثم «رجل البيت» بعد أبيه. ويُسمح له برفع صوته، بينما يُطلب من أخواته الصمت. ويُنظر إلى اعتراضه باعتباره قوة وشخصية، بينما يُنظر إلى اعتراض الفتاة باعتباره وقاحة أو خروجًا عن الطاعة. وقد يُمنح حق التدخل في حياة أخواته، ومراقبة ملابسهن وخروجهن وعلاقاتهن، بل وقد يصل الأمر في بعض الأسر إلى اعتبار ضرب الأخوات وسيلة لتأديبهن.
وهنا نصل إلى واحدة من أخطر الأفكار التي يمكن أن يُربى عليها الرجل: أن **«شرفه خارج جسده»**، وأن سمعته وكرامته مرتبطتان بتصرفات أمه وأخته وزوجته. فيكبر وهو يشعر أن جسد المرأة في عائلته جزء من مسؤوليته الشخصية، وأن له سلطة عليه، وأن أي تصرف لا يوافق عليه ينتقص من رجولته. هذه الفكرة لا تمنحه كرامة حقيقية، بل تسجنه داخل دور لم يختره، وتجعله مسؤولًا عن مراقبة الآخرين بدلًا من بناء نفسه.
والأخطر أن هذا التفضيل قد يفسد علاقته بأخواته. بدلًا من أن يراهن رفيقات طفولة وشريكات في البيت، قد يتعلم أنه أعلى منهن منزلة، وأن من حقه إصدار الأوامر لهن. وقد تتحول الأخوة إلى علاقة سلطة؛ هو يأمر وهن ينفذن، هو يرفع صوته وهن مطالبات بالصمت، هو يخطئ فيُقال «ولد»، بينما تخطئ الفتاة فتُحاسب باعتبارها عارًا على الأسرة.
وهكذا يتحول الحب غير المتوازن إلى امتياز، ويتحول الامتياز إلى سلطة، وتتحول السلطة إلى شعور بالتفوق.
لكن المشكلة لا تتوقف عند الأخوات. فالرجل نفسه يدفع ثمن هذه التربية. عندما يُقال له طوال حياته إنه الأفضل، يصبح من الصعب عليه أن يتقبل الرفض أو النقد. وعندما يتعلم أن رفع الصوت دليل قوة، قد يعجز عن الحوار. وعندما يتعلم أن الرجولة تعني السيطرة، قد يخاف من الاعتراف بالخطأ أو الضعف أو الحاجة إلى الآخرين.
لقد ظلمه أهله عندما جعلوه يعتقد أن الرجولة تعني أن يكون فوق النساء، بدل أن يعلموه أن الرجولة الحقيقية تعني أن يكون إنسانًا عادلًا ومسؤولًا.
ولم يكن من الضروري أن يُحرم الرجل حتى يُظلم. أحيانًا يكفي أن يُعطى أكثر مما ينبغي، وأن يُقال له إنه يستحق أكثر من غيره، حتى يُحرم من فرصة أن ينشأ بصورة طبيعية ومتوازنة. فالطفل الذي تربى على أنه «أهم من أخته» لم يختر هذه الفكرة، لكنه قد يحمل نتائجها معه إلى بقية حياته.
لذلك فإن مواجهة هذه المشكلة لا تعني الانتقاص من الرجل، ولا تعني مهاجمة الأمهات أو الآباء أو الريف، وإنما تعني إعادة النظر في مفهوم التربية نفسه. الابن ليس أفضل لأنه ولد ذكرًا، والبنت ليست أقل لأنها ولدت أنثى. والابن لا يحتاج إلى أن تكون أخته أدنى منه حتى يشعر بقيمته.
يمكن للأب أن يجعل ابنه سندًا دون أن يجعله سيدًا، ويمكن للأم أن تفخر بابنها دون أن تجعل أخواته يشعرن بأنهن أقل قيمة. ويمكن للعائلة أن تعلم أبناءها المسؤولية دون أن تمنحهم حق السيطرة على الآخرين.
فالرجل الذي يحتاج إلى أن تكون المرأة تحته حتى يشعر بأنه فوقها، ليس رجلًا حرًا؛ بل شخص تربى على امتياز يخشى أن يفقده.
وربما يكون أعظم ما يمكن أن تقدمه الأسرة لابنها الذكر ألا تقول له: **«أنت أفضل من أخواتك.»**
بل أن تقول له: **«أنت مسؤول عن نفسك، ومسؤول عن احترام الآخرين، وقيمتك لا تحتاج إلى أن تكون فوق أحد.»**
عندها فقط يتوقف التفضيل عن صناعة سيد صغير داخل البيت، ويبدأ في صناعة إنسان.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق