الجهة التي يميل إليها القلب
الحب والشوق في الشعر العربي: سرّ انجذاب الأرواح

١. النداء الذي لا يسمعه سوانا
ما الحبُّ إلا ذهولٌ لا انقضاءَ لهُ
يمضي بنا الشوقُ والأيّامُ في سفرِ
نلقى الوجوهَ فتلقى الروحُ صورتَها
كأنّها عرفتْها قبلَ ذا النظرِ
وتستفيقُ بأعماقِ الفؤادِ صدىً
يمشي خفيفًا كأنفاسٍ على الوترِ
والقلبُ يسألُ: من هذا الذي سكنَتْ
فيه الملامحُ سرًّا غارقَ الفكرِ
تدنو القلوبُ، فلا عقلٌ يفسّرُها
كأنّ بينَ ضلوعِ العاشقينَ قدرِ
سبحانَ من جعلَ الأرواحَ حائرةً
تسعى إلى الحبِّ بينَ الخوفِ والحذرِ
ما كنتُ أطلبُ من دنيايَ معجزةً
ولا ظننتُ الهوى بابًا إلى الأثرِ
حتى رأيتُ ابتسامًا عابرًا فغدا
في مهجتي وطنًا ممتدَّ من صورِ
وصرتُ أحملُ في عينيكِ أغنيةً
لا تنتهي، كلما أرهقتُها سَرَتِ
وصارَ صمتُكِ في أسماعيَ أغنيةً
تأتي إليَّ من الأعماقِ كالسُّوَرِ
إن غبتِ عني تبدّى الكونُ منفردًا
كأنّ كلَّ ضياءٍ غابَ عن بصري
وإن حضرتِ تنفّسَ الصبحُ في دمي
وأورقَ القلبُ بعدَ القحطِ والمطرِ
٢. القلب يكتب حكايته سرًّا
في الحبِّ يصبحُ صوتُ المرءِ أغنيةً
ويستحيلُ السكوتُ أصدقَ الخبرِ
نخفي الحنينَ، فتفضحنا ملامحُنا
ويستبيحُ الأسى أسرارَنا الحُرُرِ
نمشي وفي كلِّ دربٍ طيفُ صاحبةٍ
تلوحُ في الضوءِ بينَ الظلِّ والشجرِ
ونستعيدُ تفاصيلًا صغيرةً
كأنها النجمةُ البيضاءُ في السحرِ
فنجانُ قهوةِ صبحٍ، ضحكةٌ عَبَرَتْ
وصوتُ حرفٍ على الأسماعِ كالوَتَرِ
أشياءُ تبدو لأهلِ الأرضِ عابرةً
وتستحيلُ لدى المحبِّ إلى عمرِ
والحبُّ ليسَ كلامًا يستريحُ على
شفتيْنِ ثم يذوبُ آخرَ السَّحَرِ
الحبُّ معنىً يعيشُ القلبُ حاملهُ
ويستمدُّ من الأيامِ معتبرِ
قد يستقرُّ بغيرِ الوعدِ في دمِنا
ويستظلُّ بغيرِ العهدِ في الفكرِ
نحبُّ روحًا فلا نحصي ملامحَها
كأننا نرتوي من نبعِها الخَفِرِ
ويصبحُ القربُ معنى لا حدودَ لهُ
ويصبحُ البعدُ بابًا واسعَ الذكرِ
فكلُّ شيءٍ لهُ في الحبِّ دلالتُهُ
حتى السكوتُ لهُ تفسيرُ مُعتذرِ
٣. ما يتركه الحب في الروح
وقد يجيءُ الفراقُ القاسي فيتركُنا
نمضي وحيدينَ بينَ الصمتِ والفكرِ
لكنَّ حبًّا أقامَ الروحَ في شغفٍ
لا يستحيلُ رمادًا عابرَ الذكرِ
تبقى الملامحُ في أعماقِ ذاكرتي
مثلَ النجومِ على ليلٍ من السُّحُرِ
تبقى الحكايةُ، لا شخصٌ نردّدُهُ
كأنّها نبضُ قلبٍ ثابتُ الأثرِ
وكلما هبَّ عطرٌ من حدائقِنا
عادَ الربيعُ إلى أعماقيَ الخضرِ
وكلما مرَّ طيفٌ من شوارعِنا
عادَتْ خطانا إلى الأيامِ في سفرِ
فالحبُّ أحيانًا حياةٌ لا نلمسُها
لكنَّها تسكنُ الأعماقَ كالقمرِ
يا من تركتَ بقلبي نافذةً أبدًا
على سماءٍ من الذكرى ومن صورِ
ما زلتُ أقرأُ في صمتِ المساءِ لنا
فصلًا من العمرِ لم يُطوَ على قدرِ
وأستعيدُ لياليَ كان يجمعُنا
فيها حديثٌ طويلٌ صادقُ السِّيَرِ
لم يكن الحبُّ وعدًا عابرًا أبدًا
كان ارتعاشَ حياةٍ داخلَ البشرِ
كان الطريقَ إلى معنىً نضيءُ بهِ
وكان مرآةَ قلبٍ صادقِ النظرِ
فإن رحلتَ، فشيءٌ منك في دمي
يبقى ويمنحُ هذا العمرَ معتبرِ
وإن مضتْ بنا الأيامُ منفصلةً
يكفي بأنّك يومًا كنتَ لي قَدَرِ
4. الفراق الذي يختبر صدق المحبة
إذا افترقنا، فقلبي لا يودِّعُهُ
ما دامَ في الصدرِ نبضٌ منهُ يذكرُهُ
قد كانَ بيني وبينهُ عهدُ معرفةٍ
والعهدُ يبقى، وإن غابتْ لنا صُوَرُهُ
ما كنتُ أملكُ منهُ غيرَ ذاكرةٍ
لكنَّها في ليالي الشوقِ أحتفظُهُ
أمشي وحيدًا، وفي الطرقاتِ أسألُهُ
عن الطريقِ الذي قد كان يجمعُنا
فتستجيبُ ليَ الذكرى، فأسمعُها
صوتًا قديمًا على أبوابِنا سَهِرُهُ
إنَّ المحبةَ لا تُقاسُ بقربِ يدٍ
فربَّ قلبينِ فرّقَ بينهما السفرُ
أحببتُهُ، فتعلمتُ الصمتَ في شغفي
وعرفتُ أنَّ الهوى أخلاقُ من يحبُّ
فليسَ من يطلبُ الإنسانَ مالكَهُ
ولا الذي يجعلُ الأرواحَ كالمِلَكِ
الحبُّ أن تتركَ الإنسانَ في سعةٍ
وأن تصونَ الذي تهواهُ إن غابَ
وأن ترى في ابتعادهِ حقَّ حُرِّيَةٍ
لا أن تحوّلَ ذكرى الودِّ إلى عتبِ
فإن بقيتَ لهُ في القلبِ منزلةٌ
فذاكَ أصدقُ ما في الحبِّ من أدبِ
وإن مضى كلُّ شيءٍ بيننا، بقيتْ
تلكَ المودّةُ لا تُمحى من القلبِ
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق