رمى أبوه في الشارع… وبعد سنين احتاج إيده

رمى أبوه في الشارع… وبعد سنين احتاج إيده

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

الدنيا دوّارة.. يومًا ما ستحتاج إلى الرحمة التي منحتها أو منعتهاimage about رمى أبوه في الشارع… وبعد سنين احتاج إيده

لم يكن أحد يعرف اسمه الحقيقي. كان الجميع ينادونه بالرجل الذي يجلس كل صباح أمام باب المسجد، يحمل كيسًا صغيرًا، ويضع رأسه بين يديه لساعات طويلة. كان يملك في الماضي بيتًا وأسرة وعمرًا من الذكريات، لكنه لم يعد يملك الآن سوى مكان صغير على الرصيف وملابس يحملها معه أينما ذهب.

كان الناس يمرون أمامه؛ بعضهم يعطيه شيئًا من المال، وبعضهم يضع في يده طعامًا، وآخرون يمرون وكأنهم لا يرونه. لكنه لم يكن يطلب كثيرًا. كان أكثر ما يؤلمه أن الناس ينظرون إليه باعتباره رجلًا بلا أهل، بينما الحقيقة أنه كان يومًا أبًا له أبناء، وكان له بيت يجتمع فيه الجميع حول مائدة واحدة.

عندما تقدم به العمر، بدأت صحته تتراجع، وأصبح يحتاج إلى من يساعده في تفاصيل حياته. في البداية تحمل أبناؤه، ثم بدأت الخلافات. كل واحد منهم كان لديه حياته ومشاكله، وكل واحد بدأ يشعر أن وجود الأب أصبح عبئًا عليه. وفي يوم لم يكن مختلفًا عن غيره، خرج الرجل من البيت ولم يعد إليه.

قالوا له إنهم سيعودون لأخذه بعد أن تهدأ الأمور.

انتظر.

ومر يوم، ثم يومان، ثم أسابيع.

ولم يأت أحد.

في البداية كان يعتقد أنهم سيعودون، ثم بدأ يفهم الحقيقة شيئًا فشيئًا. البيت الذي قضى سنوات عمره يبنيه ويحميه، لم يعد له فيه مكان. والأبناء الذين حملهم يومًا على كتفيه، لم يجدوا في حياتهم مكانًا لحمل أبيهم عندما أصبح ضعيفًا.

مرت السنوات، وتغير وجه الرجل. أصبح أكثر صمتًا، وأكثر شرودًا، وكأنه لم يعد ينتظر أحدًا.

ثم دارت الدنيا.

فقد أحد أبنائه عمله، وتراكمت عليه الديون، وانتهى به الحال في أزمة كبيرة جعلته عاجزًا عن تدبير حياته. بحث عن شخص يقف بجانبه، فاكتشف أن الناس الذين كان يظن أنهم لن يتخلوا عنه، ابتعدوا واحدًا تلو الآخر. وفي إحدى الليالي، جلس وحده أمام بيته، يفكر في حياته، وتذكر أباه.

تذكر اليوم الذي خرج فيه الرجل من المنزل.

تذكر يديه.

تذكر صوته.

وتذكر جملة قالها الأب يومها: «أنا مش عايز منكم غير إنكم ما تسبونيش لوحدي.»

لأول مرة فهم الابن معنى الجملة.

وفي صباح اليوم التالي ذهب يبحث عنه.

ظل يسأل عنه حتى أخبره أحدهم أن هناك رجلًا مسنًا يجلس أمام مسجد قريب. ذهب إلى المكان، فرآه من بعيد. توقف للحظات ولم يعرف ماذا يقول. اقترب منه، ونظر الأب إليه طويلًا.

لم يسأله أين كنت.

لم يعاتبه.

لم يرفع صوته.

فقط قال له: «إنت تعبان؟»

انهار الابن أمامه.

كان يستطيع أن يذكره بكل ما فعله، وأن يرفضه كما رُفض هو، وأن يقول له: «دلوقتي افتكرتني؟» لكنه لم يفعل. مد يده إليه، وكانت تلك اليد نفسها التي طالما أمسكت بيده وهو صغير.

عاد الرجل إلى بيته.

لكن شيئًا لم يعد كما كان.

فقد تعلم الابن درسًا لم يتعلمه طوال سنوات: أن الإنسان قد يملك القوة اليوم، لكنه لا يضمنها غدًا، وأن من نتركه ضعيفًا قد يأتي يوم نكون فيه نحن الأضعف.

الدنيا لا تسير في اتجاه واحد، ولا أحد يعرف أين ستضعه الأيام. قد تكون اليوم قادرًا على فتح الأبواب، وغدًا تبحث عن باب يفتح لك. قد تكون اليوم من يملك المال والصحة والقوة، وغدًا تحتاج إلى من يطعمك أو يأخذ بيدك أو يجلس بجوارك في لحظة خوف.

ولذلك، ليست العبرة في أن نردد «الدنيا دوارة» عندما يتألم شخص أساء إلينا، وإنما العبرة الحقيقية أن نفهم أن الرحمة التي نقدمها للآخرين ليست خسارة، وأن القسوة التي نمارسها قد تعود إلينا في صورة أخرى.

لا تتركوا آباءكم عندما يكبرون، ولا تتخلوا عن مريض لأنه أصبح عبئًا، ولا تطردوا إنسانًا من حياتكم لمجرد أنه أصبح ضعيفًا. وإذا عجزتم عن رعاية شخص يحتاج إليكم، فابحثوا له عن المساعدة بدلًا من أن تتركوه لمصير مجهول.

فالأيام لا تعطي أحدًا ضمانًا.

وقد يأتي اليوم الذي نحتاج فيه إلى نفس الرحمة التي بخلنا بها على غيرنا.

الدنيا دوّارة، نعم… لكن الأجمل من انتظار دورانها أن نترك خلفنا أثرًا طيبًا، وأن نعامل الناس بالرحمة التي نتمنى أن نجدها يومًا ما. احفظوا أهلكم، ولا تتخلوا عنهم وقت ضعفهم، وساعدوا من يحتاج إليكم؛ فالأيام تتغير، وما نقدمه اليوم من خير ورحمة قد يعود إلينا غدًا في أشد أوقات احتياجنا..

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
nour تقييم 5 من 5.
المقالات

10

متابعهم

12

متابعهم

13

مقالات مشابة
-