كنت متعودة على كده فرد عليها بكلمة غيّرت حياتها
لما الدلع يتحول إلى مسؤولية
«أنا مش فاهمة إنتَ ليه متضايق؟ أنا كنت متعودة على كده!» قالتها سارة وهي واقفة أمام زوجها، وفي صوتها عتاب أكثر من الغضب. كان الخلاف هذه المرة بسبب شيء بسيط جدًا، لكنه لم يكن أول خلاف بينهما. فمنذ زواجهما، كانت المشاكل تتكرر؛ مرة لأنها لم تعرف كيف تتصرف في موقف معين، ومرة لأنها طلبت منه أن يقوم بأشياء اعتادت أن يقوم بها أهلها عنها، ومرة لأنها شعرت أنه لا يهتم بها بالطريقة التي اعتادت عليها في بيت والدها.
كانت كلما شعرت بالضغط تقول نفس الجملة: «أنا كنت متعودة على كده.» كانت متعودة أن تجد الطعام جاهزًا، ومتعودة أن والدتها ترتب الكثير من تفاصيل حياتها، ومتعودة أن والدها يتدخل عندما تواجه مشكلة، ومتعودة أن هناك دائمًا شخصًا أكبر منها يتولى عنها القرارات الصعبة. لم يكن أهلها يقصدون أن يجعلوها عاجزة، بل كانوا يحبونها جدًا، وكانت بالنسبة لهم ابنتهم الغالية، فكانوا يحاولون إبعاد التعب عنها قدر الإمكان. لكنهم لم ينتبهوا إلى شيء مهم: أحيانًا عندما نزيل كل الصعوبات من طريق أولادنا، ننسى أن نعطيهم فرصة ليتعلموا كيف يتعاملون معها.
بعد الزواج، وجدت سارة نفسها أمام عالم مختلف؛ بيت يحتاج إلى إدارة، ومصاريف تحتاج إلى ترتيب، وقرارات تحتاج إلى تفكير، ومواقف تحتاج إلى هدوء، وزوج له احتياجاته ومسؤولياته أيضًا. لم تكن المشكلة أنها لا تعرف كل أعمال البيت، فكل مهارة يمكن تعلمها، لكن المشكلة أنها كانت تشعر أن كل مسؤولية جديدة هي عبء لا تستطيع تحمله. وفي المقابل، بدأ زوجها يشعر أنه مطالب بأن يعوضها عن كل ما اعتادت عليه في بيت أهلها، حتى أصبحت أبسط التفاصيل سببًا في خلاف جديد.
وفي إحدى الليالي، وبعد خلاف طويل، قالت له: «أنا فعلًا مش فاهمة إنت عايز مني إيه؟ أنا كنت متعودة إن أهلي يعملوا لي الحاجات دي.» سكت للحظات، ثم قال لها: «أنا مش عايزك تبقي زي أهلك… أنا عايزك تبقي أقوى من غير ما تحتاجي حد يعمل كل حاجة مكانك.»
سكتت سارة. لم تكن الجملة قاسية، لكنها كانت المرة الأولى التي تسمع فيها الأمر بهذه الطريقة. هو لم يكن يقول لها: «أنتِ فاشلة»، ولم يكن يقول: «اعملي كل حاجة لوحدك»، بل كان يقول لها شيئًا مختلفًا: «أنا عايز أساعدك، بس عايز كمان أشوفك قادرة.»
في تلك الليلة بدأت سارة تفكر: هل كانت فعلًا تفتقد زوجًا يساعدها فقط، أم أنها كانت تفتقد الحياة التي اعتادت عليها في بيت أهلها؟ وبدأت تكتشف أن المشكلة لم تكن في الدلع نفسه، فالحب والاهتمام من أجمل ما يمكن أن يمنحه الأهل لأبنائهم، لكن المشكلة كانت أنها لم تتعلم بما يكفي كيف تتحمل المسؤولية قبل أن تدخل مرحلة جديدة من حياتها.
وهنا تظهر مسؤولية الأهل. الحب لا يعني أن نفعل كل شيء بدلًا من أبنائنا. ليس معنى أن الأم تحب ابنتها أن تظل تقوم بكل شيء حتى تكبر، وليس معنى أن الأب يريد حماية ابنته أن يتدخل في كل مشكلة تواجهها. الأبناء يحتاجون إلى الحب، نعم، لكنهم يحتاجون أيضًا إلى الثقة والتدريب والمساحة التي تجعلهم يعتمدون على أنفسهم.
اتركي ابنتك تجرب، واتركيها ترتب وتخطط وتختار وتخطئ، ثم تصلح خطأها. علّميها أن البيت مسؤولية، وأن الزواج ليس حياة بلا تعب. وعلّمي ابنك أيضًا أن الزواج مسؤولية حقيقية، وأن له دورًا في رعاية بيته وزوجته، وأن الحياة الزوجية تحتاج إلى تعاون وتقدير ورحمة، وليس إلى أن يحمل طرف كل شيء بينما ينتظر الطرف الآخر أن يحصل على كل شيء.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا نحول الموضوع إلى اتهام للبنت. فليس كل بنت مدللة غير مسؤولة، وليس كل بيت دلل أبناءه أخطأ في تربيتهم. والأهم أن الإنسان يستطيع أن يتعلم حتى لو اكتشف تقصيره بعد الزواج. سارة لم تصبح فجأة شخصية مختلفة، لكنها بدأت تتعلم. تعلمت أن بعض الأشياء تستطيع فعلها بنفسها، وتعلمت أن تطلب المساعدة عندما تحتاجها بدلًا من انتظار أن يقوم الآخر بكل شيء، وتعلم زوجها أيضًا أن المساعدة لا تعني أن يحمل عنها كل المسؤوليات، وإنما أن يكون شريكًا لها عندما تحتاج إليه.
وبمرور الوقت، بدأت الخلافات تقل، ليس لأن حياتهما أصبحت مثالية، ولكن لأن كل واحد منهما بدأ يفهم دوره بشكل أفضل. وأدركت سارة أن الجملة التي قالتها في البداية: «كنت متعودة على كده»، لا يمكن أن تكون إجابة لكل موقف في الحياة. فما اعتدنا عليه في بيت أهلنا ليس بالضرورة ما سنستمر عليه طوال العمر. الحياة تتغير، والإنسان يتغير معها.
والأجمل من أن نربي أبناءنا على الراحة، أن نربيهم على القدرة على مواجهة الأيام التي لن تكون مريحة، لأننا لن نستطيع أن نكون بجانبهم في كل لحظة. وفي يوم من الأيام، سيخرجون من بيوتنا ليبنوا بيوتًا جديدة، وحينها لن يكون أهم سؤال: «هل ابنتي تعرف تعمل كل حاجة؟» بل: «هل ابنتي قادرة تعتمد على نفسها، وتتحمل مسؤوليتها، وتتعلم عندما لا تعرف؟»
فهناك فرق كبير بين أن نربي أبناءنا على الدلع، وبين أن نربيهم على أنهم أغلى من أن يعيشوا عاجزين عن مواجهة الحياة.
قبل ما تحكم على شريك حياتك، اسأل نفسك الأول: هل أنت منتظر منه يكمل نقصًا قديمًا في حياتك؟ الزواج مش فرصة نعوض فيها اللي فات، لكنه فرصة نبني فيها حياة جديدة بوعي واختيار ومسؤولية.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق