حين بكى العراق

 

image about حين بكى العراق

«تذكّر كلما صليت ليلًا… ملايين تلوك الصخر خبزًا»

كانت بغداد في تلك الليلة صامتة، لكن صمتها لم يكن هدوءًا.

كان وراء الأبواب المغلقة بكاء أمهات، وفي البيوت الصغيرة أطفال ينتظرون طعامًا قد لا يأتي، ومرضى يحتاجون إلى دواء أصبح الحصول عليه حلمًا بعيدًا.

في أحد الأحياء القديمة، كان يعيش طفل اسمه ياسين مع والدته وأخته الصغيرة.

كان ياسين في العاشرة من عمره، يحب المدرسة ويحتفظ بدفتر قديم يكتب فيه أحلامه.

وفي الصفحة الأولى كتب:

“عندما أكبر، أريد أن أصبح طبيبًا.”

لم يكن يعرف وقتها أن المرض سيصبح جزءًا من يومياته، وأن كثيرًا من الأطفال حوله لن يجدوا العلاج الذي يحتاجونه.

في صباح أحد الأيام، استيقظ ياسين على صوت أمه وهي تبحث في المطبخ.

دخل إليها وسأل:

“ماما، فيه أكل؟”

توقفت للحظة، ثم ابتسمت وقالت:

“هحاول أعمل حاجة يا حبيبي.”

عرف ياسين من نبرة صوتها أن البيت لا يملك الكثير.

جلس إلى جوار أخته الصغيرة، وأخرج من جيبه قطعة خبز صغيرة.

قسمها إلى نصفين وأعطاها الجزء الأكبر.

قالت له:

“وأنت؟”

ابتسم:

“أنا شبعت.”

كان يعرف أنه لم يشبع، لكنها كانت طريقته الصغيرة في حماية أخته.

خارج المنزل، كان الحي يعيش الظروف نفسها.

أطفال يحملون أوعية فارغة، وأمهات ينتظرن أمام أماكن توزيع الطعام، وآباء يبحثون عن فرصة عمل أو دواء.

ومع ذلك، كانت هناك مدرسة في نهاية الشارع.

كان ياسين يحب الذهاب إليها.

كانت المدرسة بالنسبة إليه أكثر من مجرد مكان للتعليم؛ كانت نافذة يرى من خلالها مستقبلًا مختلفًا.

لكن كثيرًا من المقاعد بدأت تخلو يومًا بعد يوم.

طفل غاب لأنه مريض.

وآخر لم تستطع أسرته توفير احتياجاته.

وثالث لم يعد إلى المدرسة بعدما تغيرت ظروف عائلته.

كان المعلم يحاول أن يحافظ على ابتسامة الأطفال، فيحدثهم عن المستقبل، وعن الكتب، وعن بلاد يمكن أن يعيش فيها الإنسان دون خوف.

وفي أحد الأيام، وصلت إلى المدرسة طفلة جديدة اسمها نور.

كانت هادئة جدًا، وتحمل حقيبة قديمة.

جلس ياسين بجوارها وقال:

“بتحبي الرسم؟”

أجابت:

“أيوه.”

أعطاها ورقة من دفتره.

قال:

“ارسمي حاجة نفسك تشوفيها.”

أمسكت القلم ورسمت شجرة كبيرة، وتحتها أطفال يلعبون.

نظر ياسين إلى الرسم وقال:

“بس؟”

ابتسمت:

“أيوه... نفسي الأطفال يلعبوا من غير خوف.”

احتفظ ياسين بالرسم.

مرت الأيام، واستمرت الظروف القاسية.

وفي كل ليلة، كانت أمه ترفع يديها بالدعاء.

كان ياسين ينظر إليها، ثم ينظر إلى السماء، ويسأل نفسه:

“متى تنتهي كل هذه المعاناة؟”

لم يكن يفهم لماذا يدفع الأطفال ثمن الحروب والحصار.

كان كل ما يريده هو أن يأكل، ويذهب إلى المدرسة، ويلعب مع أصدقائه، ويعود إلى البيت فيجد أمه مطمئنة.

كبر ياسين، وكبرت معه ذاكرة تلك السنوات.

مرت أعوام طويلة، وتغيرت أشياء كثيرة، لكنه لم ينسَ الأطفال الذين عرفهم، ولا المقاعد التي أصبحت فارغة، ولا الوجوه التي غاب عنها الفرح.

وعندما أصبح رجلًا، عاد إلى الحي القديم.

وجد المدرسة، لكنها لم تعد كما كانت.

وقف أمام بوابتها، وأخرج من حقيبته ورقة قديمة.

كانت رسمة نور.

الشجرة نفسها، والأطفال أنفسهم.

ظل ينظر إليها طويلًا.

ثم ابتسم بحزن.

لم يستطع أن يغير الماضي، لكنه قرر أن يفعل شيئًا للمستقبل.

بدأ يساعد الأطفال المحتاجين، ويشارك في مبادرات لتوفير الكتب والطعام والدعم للعائلات التي تعاني.

وفي كل مرة كان يرى طفلًا يحمل حقيبة مدرسية، يتذكر نفسه.

ويتذكر نور.

ويتذكر أخته الصغيرة.

ويتذكر وطنًا عاش سنوات من الألم، لكنه لم يفقد قدرته على الحلم.

فهم ياسين أخيرًا أن تذكّر المآسي لا يعني أن نبقى أسرى للحزن، بل أن نحول الذكرى إلى رحمة وعمل.

كانت أغنية «تذكّر» قد حملت صوتًا إنسانيًا يحتج على ألم الأطفال، وأصبحت كلماتها بالنسبة لكثيرين تذكيرًا بأن خلف أرقام الضحايا وجوهًا وأحلامًا وبيوتًا وأمهات.

وفي آخر صفحة من دفتره القديم، كتب ياسين:

“لا أريد أن يتذكر الناس أطفال العراق لأنهم ماتوا فقط، بل لأنهم كانوا يحلمون بالحياة.”

ثم أغلق الدفتر.

رفع عينيه إلى السماء، ومضى في طريقه.

كانت بغداد ما تزال تحمل آثار سنواتها الصعبة، لكن بين شوارعها كان هناك أطفال يذهبون إلى مدارسهم، يحملون كتبهم، ويرسمون أشجارًا جديدة.

وربما كان ذلك هو أجمل رد على كل سنوات الألم:

أن يعود الطفل إلى مدرسته، ويعود الحلم إلى الوطن.