ماذا يحدث داخل البرق لحظة حدوثه؟
ماذا يحدث داخل البرق لحظة حدوثه؟

يظهر البرق في السماء خلال جزء صغير جدًا من الثانية، لكنه يخفي وراء هذا الوميض سلسلة معقدة من العمليات الكهربائية والفيزيائية. وقد يبدو البرق كخط مضيء واحد، إلا أن ما نراه هو نتيجة تفاعل سريع بين الشحنات الكهربائية والهواء داخل العاصفة.
تبدأ القصة داخل السحب الرعدية الضخمة، حيث توجد تيارات هوائية قوية تتحرك إلى أعلى وأسفل. وتحمل هذه التيارات قطرات الماء وبلورات الجليد وحبيبات الجليد الصغيرة إلى مناطق مختلفة داخل السحابة.
ومع اصطدام هذه الجسيمات ببعضها، تحدث عمليات تؤدي إلى فصل الشحنات الكهربائية داخل السحابة. فتتجمع شحنات سالبة بدرجة أكبر في أجزاء معينة، بينما تتركز شحنات موجبة في أجزاء أخرى.
ومع استمرار العاصفة، يزداد الفرق الكهربائي بين المناطق المختلفة داخل السحابة، أو بين السحابة والأرض.
عندما يصبح المجال الكهربائي قويًا بما يكفي، يبدأ الهواء، الذي يعمل عادةً كعازل كهربائي، في فقد قدرته على منع انتقال الشحنات.
وهنا تبدأ المرحلة المثيرة.
يتشكل مسار كهربائي متدرج داخل الهواء يسمى القائد المتدرج، ويتقدم عبر الغلاف الجوي على مراحل سريعة. وعندما يقترب هذا المسار من منطقة تحمل شحنة كهربائية معاكسة، يمكن أن يتصل المساران، وينشأ طريق موصل يسمح بمرور تفريغ كهربائي قوي.
عندها يظهر الوميض الساطع الذي نعرفه باسم البرق.
لكن البرق لا يسخن الهواء فقط، بل يسخنه بسرعة هائلة. ويمكن أن تصل درجة حرارة الهواء في قناة البرق إلى نحو 30 ألف كلفن، وهي أعلى بكثير من درجة حرارة سطح الشمس.
هذا التسخين المفاجئ يجعل الهواء يتمدد بسرعة كبيرة، وينتج عن هذا التمدد اضطراب قوي في الضغط ينتشر في صورة موجة صوتية. وعندما تصل هذه الموجة إلى آذاننا، نسمعها على شكل الرعد.
إذن البرق والرعد ليسا ظاهرتين منفصلتين؛ فالرعد هو النتيجة الصوتية للتسخين والتمدد السريعين للهواء حول مسار التفريغ الكهربائي.
ومن المثير للاهتمام أن الوميض الذي نراه قد يبدو مستمرًا، لكنه في الحقيقة يتكون من عمليات تفريغ متتابعة تحدث بسرعة كبيرة جدًا. ولهذا قد يبدو البرق وكأنه يومض أكثر من مرة في المسار نفسه.
كما يمكن أن يحدث البرق داخل السحابة نفسها، أو بين سحابة وأخرى، أو بين السحابة والأرض.
أما لون البرق وشدة إضاءته، فيمكن أن يتأثرا بعدة عوامل، منها درجة حرارة القناة الكهربائية، والمسافة، والظروف الموجودة في الغلاف الجوي.
ويستفيد العلماء من دراسة البرق في فهم العواصف الرعدية والغلاف الجوي. كما تساعد شبكات رصد البرق والأقمار الصناعية على تحديد أماكن العواصف ومتابعة نشاطها.
ولا يتوقف دور البرق عند إنتاج الضوء والصوت؛ فالطاقة الموجودة في العواصف الرعدية والعمليات الكيميائية المرتبطة بها يمكن أن تؤثر في تركيب الغلاف الجوي، بما في ذلك إنتاج بعض المركبات النيتروجينية.
وعندما ننظر إلى البرق من بعيد، قد يبدو وكأنه مجرد خط مضيء يظهر ويختفي في لحظة، لكن الحقيقة أن هذا الوميض نتيجة سلسلة من العمليات الكهربائية والفيزيائية تحدث بسرعة مذهلة.
وفي النهاية، يكشف البرق عن قوة هائلة موجودة في الغلاف الجوي. فمن حركة صغيرة لجسيمات الماء والجليد داخل سحابة، يمكن أن تتراكم شحنات كهربائية ضخمة، ثم تتحول خلال لحظات إلى ومضة شديدة السطوع ورعد يصل صوته إلى مسافات بعيدة.
وهكذا، فإن كل ومضة برق هي في الحقيقة مشهد فيزيائي سريع يكشف لنا جانبًا مذهلًا من أسرار الغلاف الجوي.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق