كنا معًا... لكننا لم نكن هنا

كنا معًا... لكننا لم نكن هنا

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

أين ذهبنا ونحن جالسون؟

"ماما، استني بس... دقيقة." قالتها وهي تنظر إلى شاشة هاتفها، بينما كانت أمها واقفة عند باب الغرفة. لم تكن الأم تريد شيئًا كبيرًا؛ لم تكن تريد مالًا، ولا هدية، ولا حتى حديثًا طويلًا. كانت فقط تريد أن تحكي لها شيئًا حدث معها في يومها. انتظرت دقيقة، ثم عادت إلى المطبخ. قد يبدو الموقف عاديًا جدًا، لدرجة أننا ربما نفعله دون أن نشعر. أصبحنا نقول "دقيقة بس" وكأن الدقيقة لا قيمة لها، وكأن لدينا دائمًا وقتًا آخر يمكن أن نعطيه لمن نحب. لكن ماذا لو كانت المشكلة أننا لا نعرف قيمة بعض الدقائق إلا بعد أن تمر؟

التكنولوجيا دخلت حياتنا لتقرّب المسافات. جعلتنا نتحدث مع شخص يعيش في بلد آخر، ونرى صديقًا لم نلتقِ به منذ سنوات، ونعرف أخبار من يبعدون عنا آلاف الكيلومترات في لحظات. لكن المفارقة أن الشيء الذي قرّبنا من البعيد، بدأ أحيانًا يبعدنا عن الأقرب. أصبح بإمكاننا أن نتحدث مع العالم كله ونحن جالسون في غرفة واحدة، بينما الشخص الذي يجلس بجوارنا لا يحصل إلا على نصف انتباهنا. نجتمع حول مائدة واحدة، لكن كل واحد منا يعيش داخل شاشة مختلفة؛ واحد يشاهد مقطعًا، وآخر يرد على رسالة، وثالث يتصفح مواقع التواصل، ورابع يقول: "ثانية بس." تمر الثانية، ثم الدقيقة، ثم نصف الساعة، وينتهي اللقاء دون أن نتحدث فعلًا.

زمان، لم تكن العائلة تحتاج إلى سبب كي تجتمع. كان الغداء وحده كافيًا، وكانت هناك جلسة بعد العشاء، وحكاية من الأب، وسؤال من الأم، وضحكة من أحد الإخوة، ومشكلة صغيرة تنتهي بمزاح. كنا نتضايق أحيانًا من أسئلة أهلنا الكثيرة، ومن الحكايات التي سمعناها عشرات المرات، وربما كنا نتمنى أن تنتهي الجلسة سريعًا، لكننا لم نكن نعرف أننا، وسط هذه التفاصيل التي بدت عادية، كنا نعيش أجمل ما فيها. لم نكن نعرف أننا نصنع ذكريات... كنا فقط نعيش. أما الآن، فقد نجلس جميعًا في المكان نفسه، لكن كل واحد منا حاضر بجسده فقط. وهذه واحدة من أغرب مفارقات عصرنا: التكنولوجيا قرّبت البعيد، لكنها جعلت القريب أحيانًا يبدو بعيدًا.

لكن هل التكنولوجيا وحدها هي المشكلة؟ ربما لا، لأن هناك شيئًا يجعل الأمر أكثر غرابة: نحن نعرف كيف ننتبه عندما نريد. عندما نتحدث مع دكتور الجامعة، نضع الهاتف جانبًا، ونركز في كل كلمة، ونحاول ألا يفوتنا شيء. وعندما نتحدث مع شخص نريد أن نترك لديه انطباعًا جيدًا، ننظر إليه ونستمع إليه باهتمام. وعندما يحكي لنا شخص نحبه شيئًا مهمًا، يمكننا أن نقضي وقتًا طويلًا ونحن نسمعه دون أن نشعر بالملل. فلماذا يصبح الأمر مختلفًا عندما تتحدث أمنا؟ لماذا نسمع الدكتور من أول كلمة، بينما نقول لأمنا: "حاضر، سمعاكي." ونحن أصلًا لا نسمع؟ لماذا نستمع لصديقنا وهو يحكي تفاصيل يومه، ثم نطلب من والدنا أن يختصر حكايته لأنه "بيكررها كل مرة"؟ ربما لأننا اعتدنا وجود أهلنا؛ اعتدنا أن الأم ستظل تنادينا، وأن الأب سيظل يسأل عنا، وأن البيت سيظل مفتوحًا لنا، فأصبحنا نؤجلهم بسهولة لأننا نشعر في داخلنا أنهم سيكونون موجودين دائمًا.

وهنا يظهر معنى رضا الوالدين بطريقة مختلفة. رضا الوالدين لا يحتاج دائمًا إلى أشياء عظيمة؛ أحيانًا يكون في شيء بسيط جدًا: أن تضع هاتفك عندما تتحدث أمك، أن تنظر إلى والدك عندما يحكي لك شيئًا، أن تجلس بجوارهما دون أن يكون نصف انتباهك مع شاشة، وأن تسأل: "يومك كان عامل إيه؟" ثم تسمع الإجابة فعلًا. لأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى أن يكون محبوبًا؛ يحتاج أن يشعر بأنه مهم. وعندما تترك هاتفك من أجل أمك، فأنت لا تمنحها مجرد خمس دقائق، بل تقول لها دون كلمات: "كلامك أهم." وعندما تستمع إلى والدك، حتى لو كانت الحكاية قديمة، فأنت تقول له: "لسه عندي وقت أسمعك."

أحيانًا لا نكون مشغولين بشيء مهم أصلًا؛ مجرد تمرير، مقطع بعد مقطع، إشعار بعد إشعار، ورسالة يمكن أن تنتظر. وحين نرفع أعيننا من الشاشة، نكتشف أن الوقت مرّ، وأن الشخص الذي كان يريد الحديث معنا لم يعد يتحدث، وربما لم يكن يريد شيئًا سوى اهتمامنا. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا سؤالًا صريحًا: لماذا نعطي الغرباء على الإنترنت وقتًا وانتباهًا أكثر مما نعطيه لمن يحبوننا دون مقابل؟ نحن نضحك على قصة شخص لا نعرفه، ونتفاعل مع صور أشخاص لم نلتقِ بهم، ونقضي وقتًا في معرفة تفاصيل حياة أشخاص لا يعرفون حتى بوجودنا، ثم نؤجل جلسة مع أهلنا بحجة أننا مشغولون. والحقيقة أننا لسنا دائمًا مشغولين؛ أحيانًا نحن فقط نختار شيئًا آخر.

وليس المطلوب أن نرمي هواتفنا أو نتوقف عن استخدام التكنولوجيا. نحن نحتاجها، ونستمتع بها، وقد جعلت حياتنا أسهل في أشياء كثيرة، لكن ربما نحتاج إلى أن نتعلم شيئًا بسيطًا: متى نضعها جانبًا. استخدم هاتفك عندما تحتاج إليه، تحدث مع أصدقائك، شاهد ما تحب، واستمتع بالإنترنت، لكن عندما تجلس أمك بجوارك وتحكي لك عن يومها، اجعل لها انتباهك كاملًا. وعندما يناديك والدك، لا تجعله ينتظر بينما تنهي شيئًا لن تتذكره بعد أيام. الرسالة يمكن أن تنتظر، والإشعار سيظل موجودًا، والفيديو يمكنك مشاهدته لاحقًا، أما لحظة تجمعك بمن تحب، فلا تحتاج منك شيئًا معقدًا؛ فقط كن حاضرًا.

ربما عندما نتذكر حياتنا بعد سنوات، لن تكون أهم اللحظات هي عدد الرسائل التي أرسلناها، ولا عدد الفيديوهات التي شاهدناها، ولا عدد الإعجابات التي حصلنا عليها. سنتذكر سفرة قديمة، وضحكة خرجت من قلب البيت، وصوت أم تنادينا، وجلسة عائلية عادية، وحكاية من الأب كنا نظنها مملة، وسنكتشف أن الأشياء التي كنا نسميها "عادية" كانت في الحقيقة أكثر الأشياء قيمة.

لذلك، في المرة القادمة التي تقول فيها أمك: "تعالى اقعد معايا شوية." لا تقل: "دقيقة بس." ضع الهاتف جانبًا، اجلس بجوارها، اسمعها، واسأل والدك عن يومه. ليس لأن التكنولوجيا سيئة، ولا لأن الهاتف عدو، ولكن لأن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تكون قريبًا من شخص، وأن تكون موجودًا معه فعلًا. وربما تكون أجمل هدية تقدمها لأهلك اليوم ليست شيئًا تشتريه لهم، بل دقائق من وقتك، من غير شاشة بينكم.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
nour تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

3

متابعهم

4

مقالات مشابة
-