لماذا نشعر أن علينا إنجاز المزيد دومًا؟!
أمسك قلمي على الورقة البيضاء. تُشير الساعة إلى 3:45 من صباح يوم الخميس. والضوء الوحيد الذي ينير ظلمة تلك الساعة في الحي بأكمله يأتي من المصباح المعلق فوق رأسي.
03:46... 03:47... ولا جديد حتى الآن.
اسأل نفسي "ماذا سأكتب؟" ثم اسمع صوت ناقدي الداخلي: "توقفت عن نشر مقالاتي لأعرف مشروعي الكتابي، ولكن بعد مرور 3 سنوات، ما زلت لا تملك شيئاً في ذهنك!"
حسنًا، لأكون صادقًا..تخطر لي الكثير من الأفكار.

وتلك بالضبط المشكلة!
منذ ظهور الذكاء الصُنعي AI، ارتقى مفهوم التسويف إلى مستوى جديد. ففي السابق، كان بدء مشروع جانبي، أو قراءة كتاب، أو مجرد التمتع برفاهية التفكير في مشكلة معينة لأكثر من 5 دقائق، مرتبطًا بقوة إرادتك. فكنتَ دائمًا أمام خيارين:
- أداء المهمة التي ستحسّن حياتك.
- الانخراط في نشاط يخدّر عقلك (مثل تصفح انستغرام).
اليوم، باستثناء التصفح العشوائي للتطبيقات على هواتفنا، لدينا الذكاء الصُنعي.
هذا يعني أنني، وقبل أن أفعل أي شيء، أستشيره.
فمثلًا، أردت قراءة كتاب، فأمضيت 30 دقيقة في "البحث" عن الكتاب الذي سأقرأه، مما لم يترك لي أي وقت للقراءة فعلياً.
هل أحتاج إلى حل مشكلة؟ ها قد قضيت 60 دقيقة في الجدال مع (كلاود) حول ماهيّة مشكلتي أو عدم وجودها.
وهذا ما دفعني فعلاً لكتابة هذا...
فحين رغبت في بدء مشروع؛ بهدف التخلص من توتري الداخلي من خلال توجيه طاقتي نحو مشروع خارجي، إذ بيّ أقضي أسابيع في "العصف الذهني" مع شريك اصطناعي وظيفته إطراء جميع أفكاري. ولأكون صريحًا، لا يمكنني إحصاء عدد الأفكار المختلفة التي ولّدها لي الذكاء الصُنعي خلال الشهرين الماضيين.
بعضها مثير للاهتمام للغاية، والبعض الآخر .. غبي تمامًا!
مع ذلك، فإن امتلاك مجموعة أفكار يغدو عديم الفائدة عملياً إن لم يُوظَّف. ولنكن واقعيين، فقليلون مَن يملكون رفاهية الالتزام بفكرة واحدة فقط، فضلاً عن أكثر من فكرة.
إن التكنولوجيا التي يُفترض بها مساعدتنا في حل المشكلات قد زادت مما يُدعوه علم النفس مفارقة الاختيار “Paradox of choice”.
لدي فكرة معينة، لكن الذكاء الصُنعي يجعل من المغري للغاية بالنسبة لي التشكيك في منطقي الأصلي ويدفعني لاستكشاف المزيد من المفاهيم التي لم أكن لأفكر فيها أبدًا.
من المثير للدهشة والجنون كيف أن أداة كان من المفترض أن تحل مشكلة الإنتاجية لدينا قد زادت المشكلة سوءًا.
نعم، بالتأكيد، هناك بضعة حالات تساعدنا فيها هذه التقنية الجديدة على توفير دقائق ثمينة من أوقاتنا. لكن بالنسبة للمواضيع التي تتجاوز مجرد البحث وفهم البيانات الضخمة وإنتاج نصوص غير أصلية، فإن الأمور أكثر تعقيدًا.
أعتقد أن المشكلة تكمن في عدم وجود نهاية محددة. هناك دائمًا المزيد مما يمكنني طلبه، والمزيد مما يمكنني البحث عنه. وبما أن الذكاء الاصطناعي واسع الإطلاع، فإن ذلك يفتح آفاقًا لا حصر لها.
هذه الاحتمالات اللانهائية، إلى أين تقود؟ إلى عدم وجود مفهوم حقيقي لـ "الانتهاء". إنه يشبه إلى حد ما التمرير اللانهائي على وسائل التواصل الاجتماعي.
لنأخذ مثالاً: إنشاء موقع ويب
قبل ظهور هذه التقنية الجبارة، إذا أراد شخص ما إنشاء موقع، فإنه سيختار منصة مثل ووردبريس، أو إذا كان الهدف هو إنشاء متجر إلكتروني، فربما يختار منصة مثل شوبفاي.
وعلى هذه المنصات، كانت هناك أشياء محددة عليك تأديتها:
- أضف شعارك هنا.
- اكتب اسم علامتك التجارية هناك.
- أضف المقالات والمنتجات بهذه الطريقة الدقيقة.
- صمّم صفحاتك بناءً على المساحة المتاحة.
لكن الآن، بما أنك تستطيع استخدام التكنولوجيا التي وهبها الله لك كيفما تشاء، فإنك تبدأ بالتساؤل.
هل هذا جيد بما فيه الكفاية؟ ما الذي يمكن تحسينه؟ كيف يمكننا أن نفعل أفضل؟ في النهاية، يمكنني "تغيير كل شيء".
هل يجب أن تكون هذه الفقرة محاذية للوسط مثل بقية الموقع الإلكتروني، أم يجب أن أختار شيئًا غير تقليدي تمامًا لأميز نفسي عن الآخرين وأُعتبر صانع محتوى مبدع بدلاً من مجرد مالك موقع إلكتروني عادي؟
في السابق، كانت الأمور تُقرر نيابةً عنا. أما الآن، فلدينا القدرة على تصميم كل شيء حسب رغبتنا. موقع إلكتروني، رسالة تسويقية، عرض تقديمي، غلاف كتاب، لعبة رياضيات لطفلي ليقضي الصيف في تعلمها - كل شيء يمكن تخصيصه وفقًا لتفضيلاتنا الفريدة.
تبدو الأمور ساحرة حتى تبدأ في الظهور بشكل مرعب.
إحدى الميزات التي تم تجاهلها بشكل مؤسف في الوضع الراهن هي أننا نمتلك الآن القدرة على فعل المزيد. تغيير المزيد. تعديل المزيد.
وهذا الأمر أكثر إشكالية مما نعتقد بسبب صفة واحدة مخصصة للبشر... الشك.
كل يوم، تُسيطر عليّ مشاعر القلق وعدم اليقين. وللأسف، فإن الأدوات التي تحاول محاكاة العقل البشري لا تُجدي نفعاً. والسبب؟ يوجد دائماً مجالٌ للتحسين.

خاتمة (لإثبات أنه يمكننا اختتام الأشياء)
عوض أن أترك شكوكي الداخلية تمنعني من التعبير عن نفسي لأن هذه المقالة -أيضاً- كان من الممكن أن تكون أفضل، قررت نشرها فحسب.
مجرد مشاركة لأفكاري. استكشافاتي الداخلية حول الجانب السلبي لما يحدث عندما نتمتع بالوفرة. ماذا يحدث عندما نشعر باستمرار أنه يجب علينا بذل المزيد؟
ما هي الخلاصة حتى الآن؟
نحن البشر كائنات غريبة. تدور في رؤوسنا أفكار كثيرة، لكننا نتركها “تتعفن”. ندع أفكارنا حبيسة الأدراج، لا نستكشفها بالكامل. إذا كنتَ أنت أيضًا غير متأكد مما يخفيه مستقبل الذكاء الصُنعي، فأود أن أسمع منك؛ فقط اترك تعليقًا أدناه.
إلى اللقاء قريباً!