المأساة والدراما في حياتك

المأساة والدراما في حياتك

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

التراجيديا في االعصر االحديث: 


المأساة والدراما في حياتك االيومية: 

image about المأساة والدراما في حياتك

        إن التراجيديا هي مصطلح معروف للجميع، والإنسان التراجيدي هو الشخص الذي يرى قصة حياته وكأنها سلسلة متواصلة من المآسي والعذابات والدراما المحبوكة بعناية، حتى وإن كانت حياته في الحقيقة لا تستحق كل هذا القدر من التهويل المبالغ فيه .

      فإذا دخل هذا الإنسان في علاقة حب، أو في أي نوع آخر من العلاقات الإنسانية، فهو لا يدخلها بشكل سلس وطبيعي وعفوي ومرح، بل يدخلها منذ اللحظة الأولى بدور الفارس النبيل والمحطم، الذي يحمل جراحًا قديمة، وينتظر من الطرف الآخر أن يفهم عمق مأساته، ثم يقحمه معه في قصة حب صعبة مليئة بالعذاب والتعقيد الذي لا ضرورة له.

    لطالما كانت التراجيديا والمآسي تطيب للكثيرين، وعلى وجه الخصوص للكثير من أفراد الشعوب العربية. فتراهم تارة يتغنون بالأحزان والخيبات، وتارة أخرى يتحسرون على ما فات، ويلقون أشعار الفقد والتعب على المحبوب، حتى أصبح الحزن في بعض الأحيان نوعًا من الهوية العاطفية التي يفتخر الإنسان العربي بامتلاكها.

    أغانٍ لا تنتهي، وروايات لا تنتهي، ومسلسلات وأفلام عربية جعلت من التراجيديا أسلوب حياة، وجمّلتها بطريقة تجعل الإنسان يرى أن التراجيديا هي النبل الحقيقي في الحياة، وأن الإنسان العميق لابد له من المعاناة والألم، وإلا سيكون سطحيًا تافهًا. وهذه نظرة مشوهة للحياة؛ لأن الألم لا يجعل الإنسان عميقًا بالضرورة، كما أن الراحة لا تجعله سطحيًا كذلك. 

    قد يتألم شخص دون أن يتعلم شيئًا، وقد يعيش آخر حياة هادئة ومستقرة ويكون أكثر وعيًا ونضجًا من شخص آخر قد قضى عمره في مطاردة المآسي. الألم مجرد تجربة، وليس شهادة معترفا بها على العمق.

     ومن المنظور العملي، الألم والراحة وجهان لعملة واحدة، ألا وهي التجربة الإنسانية. فلا يستقيم أحدهما دون وجود الآخر. نحن لا نستطيع أن نعيش حياة خالية من الألم، لكننا لسنا مطالبين أيضًا بتحويل الألم إلى دين نعبده، أو إلى شخصية نرتديها أمام الآخرين.

   وأعتقد أنك لمحت من كلامي أن التراجيديا هي سبب كثير من التعقيدات التي تعيشها في حياتك، تلك الحياة التي تحب أن تصورها كمسرحية من مسرحيات شكسبير، وتنجح في ذلك أيضًا. ويا ليتك لم تنجح في كونك تراجيديًا.

    المشكلةهنا  أن الإنسان التراجيدي لا يكتفي بأن يتألم، بل يبدأ في البحث عن معنى لمأساته، ثم يتمسك بهذا المعنى حتى يصبح التخلي عن الألم بالنسبة إليه أشبه بالتخلي عن جزء من شخصيته.

    قد تكون لديه علاقة جيدة، لكنه يفسدها لأنه اعتاد أن يربط الحب بالغيرة والانتظار والخوف والفراق. وقد يجد شخصًا يحبه بصدق، لكنه يشك في هذا الحب لأنه لم يتعود على العلاقات الهادئة. بالنسبة إليه، الحب الذي لا يؤلم ليس حبًا عميقًا، والعلاقة التي لا تحتوي على صراعات ليست علاقة حقيقية.

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.

فالإنسان قد يعتاد الألم إلى درجة أنه يشعر بالملل عندما تصبح حياته مستقرة.

     حتى الغنى والفقر، الخط الرفيع بينهما قد يكون أحيانًا هو الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى كل منهما. فالإنسان الذي يرى في فقره معنى مهمًا، ويرى الغنى شيئًا يختص به الأوغاد، ويكبر أمر المال ويراه مطلبًا بعيدًا أو شيئًا لا يستحق السعي إليه، سيبقى فقيرًا، ليس لأنه عاجز بالضرورة، وإنما لأنه صنع من فقره فلسفة يدافع عنها.

     سيستلذ بألم فقره، ثم يطلق على ذلك قناعة. وهذا نمط حياة سام وغير صحي البتة. فالإنسان مطالب بالجد والسعي لتحصيل رزقه، وقد تختلف الأسباب والظروف والنتائج من شخص إلى آخر، لكن القاعدة العامة تبقى واحدة: لا يمكنك أن تنتظر تغيير حياتك وأنت ترفض تغيير طريقة تعاملك معها.

      أما الإنسان الغني، سواء من الناحية النفسية أو المادية، فهو غالبًا لا يكون مأساويًا في مقاربته للأمور. يتعامل مع لعبة المال بطريقة براغماتية؛ أي بطريقة عملية وواقعية تهتم بالنتيجة المتحصلة أكثر من المبادئ والنظريات المجردة. لا يجلس طويلًا أمام مشكلة مالية ليتساءل عن مدى عدالة الحياة تجاهه، بل يسأل نفسه: ما الذي يمكنني فعله الآن؟

وهنا يكمن مربط الفرس بينهما .

الفرق ليس دائمًا في كمية المال، وإنما في طريقة التفكير تجاهه. هناك فقير يفكر بعقلية عملية، وهناك غني يعيش بعقلية مأساوية تجعله خائفًا دائمًا من خسارة ما يملك. لذلك فالغنى الحقيقي ليس مجرد امتلاك المال، وإنما القدرة على التعامل معه دون خوف مرضي ودون تقديس ودون احتقار.

والأمر نفسه ينطبق على الحب.

لا تجعل الحب اختبارًا مستمرًا للألم. لا تحتاج إلى أن تختفي حتى يشتاق إليك الطرف الآخر، ولا تحتاج إلى أن تعذبه حتى تتأكد من حبه، ولا تحتاج إلى تحويل كل خلاف صغير إلى معركة وجودية. العلاقات الإنسانية ليست مسرحيات، والطرف الآخر ليس جمهورًا جاء ليصفق لمعاناتك.

الحب الطبيعي قد يكون هادئًا، وهذا لا يعني بالضرورة أنه سطحي.

قد تكون لديك علاقة لا تحتوي على الخيانات الكبرى، ولا الفراق الأبدي، ولا الرسائل المليئة بالدموع، ولا المشاهد الدرامية التي تصلح لمسلسل طويل. ومع ذلك قد تكون تلك العلاقة أكثر صدقًا ونضجًا من علاقة مليئة بالصراخ والغيرة والانفصال والعودة.

  تخلّص من فكرة أن كل شيء يجب أن يكون عظيمًا حتى يكون مهمًا. أحيانًا أعظم ما يمكن أن يحدث لك هو أن تعيش يومًا عاديًا دون كارثة، وأن تحب شخصًا دون أن تخاف من فقدانه في كل لحظة، وأن تكسب مالًا دون أن تشعر بالذنب، وأن تخسر شيئًا دون أن تعتبر نفسك ضحية للكون.

الحياة ليست مطالبة بأن تكون قصة عظيمة طوال الوقت.

ولست مضطرًا لأن تكون بطلًا معذبًا حتى تكون شخصًا عميقًا.

    لذا، نصيحتي لك أيها القارئ: تخلّص من تراجيديتك قريبًا. لا تجعل ماضيك سجنًا، ولا تجعل أحزانك هوية، ولا تجعل معاناتك معيارًا لقيمتك. تعلّم أن ترى الأشياء بحجمها الحقيقي؛ فإذا كان هناك ألم، تعامل معه، وإذا كانت هناك مشكلة، حاول حلها، وإذا انتهت علاقة، اقبل نهايتها، وإذا ضاق بك المال، ابحث عن طريقة لتحسين وضعك، وإذا جاءك الفرح فلا تشك فيه لمجرد أنك اعتدت الحزن.

السعادة ليست سذاجة، والراحة ليست ضعفًا، والهدوء ليس فراغًا، والواقعية ليست برودًا.

ربما حان الوقت لكي تتوقف عن كتابة المأساة في رأسك، وتبدأ أخيرًا في عيش حياتك كما هي، لا كما تتخيل أنها يجب أن تكون.

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Haitem Laissani تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

4

متابعهم

3

مقالات مشابة
-