ليه العالم مبقاش ملون زي زمان

ليه العالم مبقاش ملون زي زمان ؟
ليه كل حاجة حوالينا بقت بنفس الألوان المحايدة؟
لو بصيت على الموبايل اللي في إيدك دلوقتي، أو اللابتوب اللي قدامك، أو بصيت على العربيات وانت ماشي في الشارع، أو حتى المباني الجديدة اللي بتتبني—واجهات محلات، كافيهات، عماير سكنية—هتلاحظ إن في لون واحد بقى مسيطر على كل حاجة تقريبًا: أبيض، أسود، رمادي. وكأن العالم دخل في اتفاق سري كده إنه يبطّل يستخدم الألوان ويطفي ألوان العالم واحد ورا التاني. مع إننا لو رجعنا بالزمن لورا شوية، أو فتحنا ألبوم صور قديم، أو حتى شفنا إعلانات من الستينات والسبعينات، هنحس إن إحنا دخلنا في عالم خيالي: عربيات بالأحمر الفاقع والأخضر النعناعي، ثلاجات ومراوح لونها تركوازي، وحتى البيوت نفسها من جوه ما فيش أوضة لون الأوضة اللي جنبها، والعفش كله ملون بكل ألوان الطيف. والموضوع مش مجرد ذوق شخصي اتغير مع الوقت أو موضة؛ إحنا بنتكلم في ظاهرة عالمية الباحثين بيسموها "هروب الألوان".
إيه الدليل العلمي على إن الألوان فعلًا اختفت من المنتجات؟
في دراسة عملها متحف العلوم البريطاني استخدموا فيها الذكاء الاصطناعي علشان يحللوا أكتر من 7000 قطعة من المقتنيات اليومية اللي كانت موجودة من سنة 1800 لحد النهاردة. حاجات زي أدوات المطبخ، معدات التصوير، الألعاب، أو حتى الحاجات الاحترافية زي الأدوات الطبية. الباحثين صوروا القطع كلها وحللوا ألوانها، والنتيجة كانت غريبة: اكتشفوا إن في القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20 ألوان الأدوات كانت متنوعة بشكل رهيب، وكان اللون الأسود والرمادي واخدين مساحة ضيقة جدًا. لكن مع مرور الوقت، بدأت نسبة الرمادي والأسود يزيدوا بشكل ملحوظ: من حوالي 15% في بداية القرن الـ19 لأكتر من 60% في السنين الأخيرة. في حين إن الألوان الدافية اللي زي البرتقاني والأحمر والأصفر اللي كانت مسيطرة زمان، بدأت تختفي وتنكمش بالتدريج.
هل الأجهزة الكهربائية كانت فعلًا ملونة زمان؟
كان عادي زمان إنك تدخل معرض أجهزة كهربائية فتلاقي عنده ثلاجة خضرا وثلاجة زرقا وثلاجة حمرا، وممكن تلاقي ثلاجة سودا. إنما دلوقتي: يا أسود، يا أبيض، يا رمادي. وقيس على كده كل حاجة.
ليه الشركات بقت تفضل الألوان المحايدة تحديدًا؟
واحد من أهم الأسباب في الموضوع ده هو العولمة وانتشار المنتجات عالميًا. مع سيطرة الشركات الكبيرة على سوق التجارة العالمي، بقى نفس المنتج بيتباع للمستهلكين من أماكن مختلفة في العالم. بيتباع في أمريكا، وفي نفس الوقت في مصر، وفي نفس الوقت في الهند. فلو شركة عايزة تبيع للعالم كله، اختيار الألوان هيكون حاجة صعبة جدًا، لأنك عايز لون يرضي كل الناس. والألوان المحايدة هي أضمن طريق علشان يرضي كل الأذواق: البيج، الرمادي، الأسود، الأبيض. قليل لما تلاقي حد بيكرههم. لكن الأحمر، الأصفر، البنفسجي... هتلاقي ناس بيحبوهم جدًا وناس بيتضايقوا منهم. وعليه، الشركات اختارت الطريق الآمن، والنتيجة إن كل المنتجات بقت نفس الشكل.
إيه دور شركة زي أبل في ترسيخ الألوان المحايدة؟
وطبعًا شركات كبيرة زي أبل كان ليها دور ضخم في ترسيخ المفهوم ده. لما أبل بدأت تطلع منتجاتها باللون الأبيض والألومنيوم، العالم كله انبهر بشكلها اللي جاي من المستقبل. والنجاح الساحق لأبل خلى شركات تانية كتير في مجالات مختلفة تعمل زيهم. وفجأة، بقت كل التليفونات واللابتوبات، وحتى مكن القهوة وساعات الإيد والكاميرات والبلاي ستيشن، كلهم بيتصمموا بنفس الروح المينيمال والألوان المحايدة. وبقى الأبيض والأسود هم رمز التكنولوجيا والتقدم، وأي ألوان تانية بقت تتشاف إنها "لعب أطفال".
هل تغيير الخامات المستخدمة في التصنيع له علاقة بالموضوع؟
طبعًا مش ده السبب الواحد. في سبب تاني مهم، وهو المواد والخامات اللي إحنا بقينا نصنع منها الأدوات. زمان الخامات كانت طبيعية أكتر: خشب، نحاس، جلد، وغيرهم. والحاجات دي لوحدها كده كانت بتعمل تنوع في الألوان. لكن مع الوقت، المواد الطبيعية بدأت تتراجع، ودخل مكانها البلاستيك والأزاز والستانلس ستيل. مواد أرخص، أسهل في التصنيع، أنسب للإنتاج الضخم. لكن في نفس الوقت، ما فيهاش تنوع طبيعي في الألوان. وعليه، انتشرت في العالم كله بنفس اللون.
طيب وإيه حكاية العربيات؟ ليه كلها بقت نفس الألوان؟
حاجة تانية برضه هنلاحظها في مسألة الألوان وهي العربيات. لو بصينا على أي طريق سريع دلوقتي، هنلاقي نفسنا قدام جيش من العربيات السودا والبيضا والرمادي. الإحصائيات بتقول إن حوالي 80% من العربيات اللي بيتم إنتاجها عالميًا بتكون من الألوان المحايدة اللي إحنا قلناهم. والشركات بطلت تعمل الألوان اللي كانت بتعملها زمان: الأصفر الفسفوري، والأخضر الزرعي، والبرتقاني الفاقع. في الخمسينات والستينات مثلًا، شركات العربيات كانت بتتنافس في اللي يجيب درجة لون غريبة ومبهجة، لدرجة إن العربية الواحدة كان ممكن ينزل منها 15 أو 20 لون مختلف. فكنت تقدر تميز عربية صاحبك من آخر الشارع من لونها بس. دلوقتي انت لو راكن عربيتك شخصيًا في جراج واسع، ممكن تتوه وانت بتدور عليها. ومن الأسباب المهمة اللي خلت الشركة تتجه للموضوع ده هي القيمة الإيجارية أو سعر إعادة البيع.