وباء النصائح : لماذا نعظ الآخرين ولا نطبق على أنفسنا؟
وباء النصائح : لماذا نعظ الآخرين ولا نطبق على أنفسنا؟

* غياب النقد الذاتي
تربيتنا في المجتمعات العربية جعلتنا أساتذة في تشخيص أمراض الآخرين، ومبتدئين في تشخيص أمراضنا. منذ الصغر نسمع "فلان غلطان"، "علّموا أولادكم"، "الناس بقت وحشة"، وكأننا نحن خارج دائرة المسؤولية. نفتقد تمامًا أدوات النقد الذاتي، فهي ثقافة غير مستوردة ولا مطبقة في مدارسنا أو بيوتنا. نتيجة لذلك، نكبر ونحن نملك قاموسًا كاملاً من العيوب لمن حولنا، وقاموسًا فارغًا لعيوبنا. نظن أننا نصلح المجتمع بكثرة النصح، بينما المجتمع يزداد فسادًا لأن نصائحنا لم تجد من يطبقها حتى نحن.
* الوعظ الرقمي
في عصر السوشيال ميديا، تحول الوعظ إلى رياضة إلكترونية جماعية. كل منشورات "الوعي" و"الأخلاق" و"نصائح الحياة" التي نشاركها هي في الحقيقة بوسترات دعائية لشخصياتنا المزيفة. نكتب عن الصدق ونحن نكذب في أصل المنشور، ننشر عن التسامح ونحن نغلق حسابات من يختلف معنا، نكتب عن الأخلاق ونحن نتلذذ بالشتائم في التعليقات. أكثر ما يثير السخرية هو أننا نؤمن بأن منشورًا يغير الناس، بينما نحن نفسنا لم يتغير بنا منشور واحد منذ عشر سنوات. الوعظ الرقمي أصبح غطاءً مثاليًا لتزييف الوعي، وإيهام الآخرين بأننا نملك الحل، بينما نحن أولى به من غيرهم.

* النفاق الاجتماعي
هذا الوباء الخفي زرع في مجتمعنا النفاق كقيمة. لأنني أعظك دون أن أطبق، فأنا أكسب صورتين: صورة ظاهرية أمامك كـ"ناصح أمين"، وصورة باطنية أعرفها وحدي وأخفيها عنك. ومع تكرار هذا المشهد بين الجميع، أصبحنا مجتمعًا يصدق الأقوال ولا يهتم بالأفعال. أصبحت النصيحة عملة متداولة نشتري بها راحتنا النفسية، وندفع ثمنها على حساب مصداقيتنا. الأغرب أننا إذا رأينا شخصًا يطبق فعلاً ما ينصح به، نعتبره "مغرورًا" أو "مثاليًا زائدًا"، لأننا اعتدنا على الفصل المريح بين القول والفعل.
* أسئلة محرجة
بدلاً من أن نختم بوعظ جديد عن "كيف تتوقف عن الوعظ"، سأتركك مع أسئلة تحرق: متى كانت آخر مرة طبقت فيها نصيحة قلتها لأحدهم حرفيًا؟ لماذا إذا نصحك أحدهم بحسن نية تغضب، بينما تنصح غيرك بكل ثقة وكأنك لا تخطئ أبدًا؟ هل أنت متأكد أنك تقدم النصيحة لأنك تحب الآخر، أم لأنك تريد أن تشعر بأنك "أعلى منه" للحظات؟ لو كتبت كل النصائح التي قدمتها في العام الماضي على ورقة، ثم قيمت نفسك بناءً عليها، هل ستنجح أم تسقط؟ هذه الأسئلة لا تحتاج إجابة على فيسبوك، بل تحتاج وقفة صادقة أمام المرآة.

* الخاتمة
لن نختم بدعوة مبتذلة للتوقف عن النصح، فهذا مستحيل. لكن الخلاصة الأكثر إزعاجًا هي: لا أحد يهتم بنصائحك بقدر اهتمامك أنت بها. كل ما تظنه إصلاحًا للآخرين هو في حقيقة أمرك إعلان فشلك في إصلاح نفسك. المجتمع لا يحتاج إلى وعاظ جدد، المجتمع يحتاج إلى قدوة حية واحدة، قدوة تصمت عن العيوب وتشغل نفسها بفعل الصواب، قدوة تدرك أن ورقة واحدة مطبقة خير من ألف كتاب غير مقروء. توقف عن كونك "مفتي الدنيا"، وابدأ بأن تكون "طالب نجاح" في صف نفسك. لأن من لا يعظ نفسه أولاً، ليس من حقه أن يعظ غيره أبدًا.