جائحة الوعي الزائف : كيف تحول المصري من حارس التقاليد إلى مستورد الهويات؟

جائحة الوعي الزائف : كيف تحول المصري من حارس التقاليد إلى مستورد الهويات؟
مدخل :
لنبدأ بشيء صادم : لم يتحول المصري إلى شخص آخر. المصري القديم نفسه، لكن الظروف تغيرت، فظهرت طبقات من شخصيته كانت مدفونة تحت وطأة الخوف الاجتماعي والضغط الجماعي. ما نراه اليوم ليس "انهيار أخلاقي" كما يروج البعض، بل انفجار مكبوت لأسئلة كان المصري يخاف أن يطرحها على نفسه منذ عقود. هل جرؤ أحد قبل عشر سنوات أن يسأل بصوت عالٍ: "لماذا نحرّم هذا الشيء؟" أو "من قال إن هذه القاعدة أخلاقية وليست مجرد عادة قبلية؟" لا. كان السؤال كفرًا. اليوم أصبح مسموحًا. وهذا هو الفرق الجوهري.
إفلاس النموذج القديم :
ما نسميه "تغير الثقافة" هو في الحقيقة إفلاس النموذج القديم في الإقناع. لم يعد المصري مقتنعًا بجملة "احنا عملنا كده من زمان" كحجة كافية لفعل شيء أو تركه. الثوابت التي اهتزت لم تكن ثوابت دينية بالضرورة، بل كانت ثوابت سلطوية: سلطة الأب، سلطة الكبير، سلطة التقاليد العمياء، سلطة "العيب". المصري اليوم يجرؤ على أن يقول: "أنا لا أرى العيب الذي تراه أنت". وهذا ليس علمانية أو إلحادًا، بل هو تمرين غير مدرب على النقد. والكارثة أن المصري يمارس هذا النقد بآليات بدائية، لأنه لم يتعلم كيف ينقد. فانقلب إلى هدم شامل بدلاً من غربلة واعية.

غياب الترجمة الثقافية :
دعنا نتوقف عن لوم "السوشيال ميديا" ككبش فداء. الإنترنت ليس سببًا، بل مرآة مكبرة لخلل سابق. الخلل الحقيقي يكمن في غياب "الترجمة الثقافية". المصري اليوم يستهلك محتوى أجنبي ( تركي ، أمريكي ، كوري ) دون وجود مترجم ثقافي يشرح له : هذا المشهد يعبر عن قيمهم هم، ليس بالضرورة قيمنا. المحتوى يأتي نيئًا، فيبتلعه العقل المصري كما هو. أضف إلى ذلك فراغ القدوة الحية: من هو النموذج المصري المعاصر الذي يجمع بين الأصالة والحداثة؟ بصراحة: لا أحد. القدوات إما متحجرون غير قادرين على فهم لغة الشباب، أو منسلخون يبثون تقليدًا مكشوفًا للغرب.

الانفصام بين الخاص والعام :
ما تغير جذريًا أيضًا هو أن المصري فصل بين قناعاته الخاصة وسلوكه العام. الأغلبية لا تزال محافظة في الظاهر (في الشارع، في العمل، أمام الأسرة)، لكنها في الخفاء تعيش تجارب فكرية وسلوكية مختلفة تمامًا. هذا الانفصام أتعب النفس المصرية أكثر من أي تغير مباشر. المصري الذي كان يخاف من "كلام الناس" صار اليوم يخاف من شيء واحد فقط: أن يكون غير متوافق مع "الترند". وهنا المفارقة القاتلة: انتقل من خوف مجتمعي إلى خوف رقمي، من استبداد الجار إلى استبداد الخوارزميات. الثابت الوحيد الذي لم يتغير هو وجود الخوف نفسه، لكنه غير عنوانه.

العقيدة الاجتماعية التي اهتزت :
الدين لم يهتز عند الأغلبية. الذي اهتز هو العقيدة الاجتماعية القديمة: "المجتمع كله عيلة واحدة"، "الراجل هو اللي بياكل عيش"، "الست المصرية أخلاقها عالية"، "الغريب وحش". تفككت هذه المعتقدات دون أن يحل محلها بديل متماسك، فدخلت البدائل من كل حدب وصوب: فردية متطرفة، نفعية باردة، أخلاق نسبية بلا ضوابط. المشكلة ليست في وجود البدائل، بل في سرعة دخولها دون غربلة. المصري اليوم يشبه بيتًا فُتحت نوافذه كلها في عاصفة ترابية: دخل الهواء النقي مع الغبار، ولا يعرف كيف يفصل بينهما بعد الآن.
أسئلة بدلاً من الحلول الجاهزة :
لن نختم بدعوات عاطفية عن العودة للجذور. بدلاً من ذلك، أترك القارئ مع أسئلة تؤرقه: هل أنت متأكد أن ما تسميه "ثوابت" هو دين أو أخلاق أم مجرد عادات ورثتها ولم تجرؤ على اختبارها بالعقل؟ لو عاد بك الزمن 50 سنة، هل كنت ستعتبر تغيرات مثل تعليم البنات أو عمل المرأة "انهيارًا للثوابت" أيضًا؟ لو اختفى الإنترنت غدًا، هل سيعود المصري إلى "صوابه" أم أن القناعات الجديدة أصبحت جزءًا منه بالفعل؟ هذه الأسئلة لا تحتاج إجابات فورية، لكنها تحتاج جرأة لم نتعود عليها: جرأة الاعتراف بأننا لا نعرف كل شيء، وأن أبناءنا ربما كانوا أكثر صدقًا مع أنفسنا منا.

خاتمة :
المصري لم يتغير. المصري انكشف. انكشف هشاشة النموذج القديم الذي كان قائمًا على الخوف لا على الاقتناع. الحل ليس في "العودة" لأن الزمن لا يعود للخلف. الحل في بناء جديد معترفًا بأن القديم لم يعد صالحًا كما هو، وأن المستورد لن يصلح كما هو. إذا أردت حقًا استعادة التماسك، فابدأ بقتل جملة "احنا عملنا كده من زمان" من قاموسك أولاً. عندها فقط ستبدأ المفاوضة الحقيقية بين الأصالة والمعاصرة. أما غير ذلك، فما نراه اليوم هو مجرد البداية.