حين تصبح مصر محطةً لا وطناً .. لماذا يهرب أبناؤها ومن يتبقى ؟!!

المقدمة
───────
في شقة صغيرة بمدينة نصر، يجلس طبيب ثلاثيني أمام شاشة حاسوبه في منتصف الليل، يملأ استمارة هجرة إلى كندا. في الغرفة المجاورة، تنام أمه التي تعتقد أنه يذاكر. هو لا يكذب عليها تماماً — هو بالفعل يدرس؛ يدرس كيف يرحل. على بُعد بضعة أحياء، مهندسة شابة تعيد تدوين سيرتها الذاتية للمرة السابعة هذا الشهر، لا لتقدم بها لوظيفة محلية، بل لترسلها إلى شركة في دبي لن تعرف عنها شيئاً سوى أنها "خارج مصر". هذا ليس مشهداً استثنائياً؛ هذا هو مشهد جيل كامل يحزم حقائبه بصمت، وهو ما يجعلنا نتوقف ونسأل السؤال الحقيقي: ماذا يحدث لبلد حين يصبح الرحيل حلماً وطنياً؟
أولاً : الأرقام التي لا تكذب - وجه الهجرة المصرية الجديد
───────────────────────────────────────────────────────────────
لم تعد الهجرة المصرية ما كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي؛ حين كان العامل البسيط يحمل حقيبة جلدية قديمة ويتجه إلى الخليج بحثاً عن "فلوس كتير وإجازة كل سنة". الهجرة اليوم لها وجه مختلف تماماً: إنها هجرة الطبيب والمهندس والمبرمج والمعلم وصاحب الشهادات العليا. تشير التقديرات إلى أن مصر فقدت في السنوات الأخيرة ما بين خمسة وسبعة آلاف طبيب سنوياً — أي طبيب كل ساعة وربع تقريباً على مدار السنة. وإذا أضفت إليهم المهندسين والأكاديميين ومطوري البرمجيات، يصبح الرقم صادماً بما يكفي لأن يجعلك تتساءل: هل نحن نصدّر البشر بدلاً من البترول؟ والفارق الجوهري أن البترول مورد ناضب يُستخرج من باطن الأرض، أما العقول فهي مورد يصنعه المجتمع على مدى عقدين من التعليم والتربية والاستثمار، ثم يهبه مجاناً لدول أخرى في لحظة واحدة.
───────────────────────────────────────────────────────────────
ثانياً : ليس الفقر وحده - سيكولوجية القرار بالرحيل
───────────────────────────────────────────────────────────────

يخطئ كثيرون حين يختزلون قرار الهجرة في معادلة بسيطة: "الأجر هناك أعلى، إذن الرحيل منطقي". الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. إن المهاجر المصري اليوم لا يفر من الفقر وحده؛ هو في الغالب لم يعرف الفقر الحقيقي. إنه يفر من شيء أشد إيلاماً من الجوع — يفر من الشعور بأن جهده لن يُكافأ، وأن الكفاءة وحدها لا تكفي، وأن ثمة سقفاً زجاجياً غير مرئي يحول دون أن يرى حلمه يتحقق على أرضه. يفر من طابور لا نهاية له في مستشفى مكتظ، ومن استمارة إدارية يحتاج للحصول عليها إلى خمس وسائط و ثلاثة أسابيع. يفر، ببساطة، من الشعور بأن لا كرامة في التفاصيل اليومية. وهذا النوع من الحوافز للرحيل أخطر بكثير من الحوافز الاقتصادية لأنه لا يعالجه راتب أعلى أو مشروع قومي؛ يعالجه إصلاح منظومة القيم الاجتماعية بأكملها.
───────────────────────────────────────────────────────────────
ثالثاً : الأسرة المصرية في مواجهة السؤال المستحيل
───────────────────────────────────────────────────────────────
على طاولة عشاء في أي بيت مصري متوسط اليوم، ثمة سؤال معلق في الهواء بين الأب والابن: "تسافر ولا تفضل؟" وهو سؤال يبدو بسيطاً لكنه في الواقع سؤال وجودي ومأساوي لأن لا إجابة صحيحة عنه. إذا أجاب الابن بـ"أسافر"، غرق الأب في حزن مكتوم يخلطه بفخر غريب — الفخر بنجاح الابن والحزن على خسارة القُرب. وإذا أجاب بـ"أفضل"، تجرّع كلاهما مرارة سؤال مؤجل: "وبعدين؟". الأسرة المصرية وجدت نفسها في مواجهة معادلة لم تعرفها أجيال قبلها بهذه الحدة: إما الاجتماع في الضيق، وإما الافتراق في الرخاء النسبي. وقد اختارت معظم الأسر، تدريجياً وبألم، الخيار الثاني؛ حتى بات من النادر أن تجد عائلة مصرية من الطبقة المتعلمة لا يوجد فيها ابن أو ابنة أو أخ في بلد آخر. تحوّلت مصر بهذا المعنى من وطن تجتمع فيه الأسرة إلى "مقر الوالدين" تزوره الأبناء في الأعياد.
───────────────────────────────────────────────────────────────
رابعاً : من يتبقى - وهل البقاء فضيلة أم عجز؟
───────────────────────────────────────────────────────────────

السؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه بصراحة: هل من يتبقى في مصر هو من اختار البقاء، أم من لم تُتَح له فرصة المغادرة؟ والإجابة الصادقة هي: كلاهما. ثمة فئة اختارت البقاء عن قناعة — إما لأنها لا تتخيل وطناً آخر، أو لأنها رأت في التحدي معنىً لا تجده في الاستسهال. وثمة فئة أخرى — ربما هي الأكبر — تتمنى الرحيل لكنها محاصرة بالتزامات الأسرة والمرض والعمر والإمكانات المحدودة. المأساة الحقيقية أننا حين نفقد الفئة الأولى — المختارة للبقاء عن قوة لا عن ضعف — نفقد بها وقود المجتمع الذي يصنع التغيير من الداخل. ما يبقى هو إما من لا يريد أن يغادر لأسباب ذاتية بحتة، أو من يريد ولا يستطيع. وبين هؤلاء وأولئك، يتآكل ذلك الوسط المحرك الذي صنع نهضات الأمم عبر التاريخ.
───────────────────────────────────────────────────────────────
خامساً : المهاجر الجديد لا يرسل تحويلات - بل يرسل فكرة
───────────────────────────────────────────────────────────────
كانت الحجة التقليدية لصالح الهجرة دائماً اقتصادية: المهاجرون يرسلون التحويلات المالية فتصبح رافداً حيوياً لاقتصاد بلادهم. وهذا صحيح جزئياً — فتحويلات المصريين في الخارج تُمثل رقماً ضخماً يُعادل مداخيل السياحة أو يفوقها في بعض السنوات. لكن المهاجر الجديد — الطبيب والمبرمج والأستاذ الجامعي — لا يرسل فقط دولارات أو يوروهات؛ هو يرسل بشكل غير مباشر "نموذجاً للحياة" لشباب لم يغادروا بعد. يرسل صور الشوارع النظيفة والمستشفيات المحترمة والنظام الذي يعمل. يرسل، بلا قصد، رسالة قوية مفادها: "الحياة الكريمة ممكنة، فقط ليست هنا". وهذه الرسالة أقوى بملايين المرات من أي خطاب رسمي يدعو الشباب للصبر وانتظار التحسن.
───────────────────────────────────────────────────────────────
سادساً : الهجرة العكسية - الوهم الجميل الذي لم يكتمل
───────────────────────────────────────────────────────────────

تتحدث الحكومات عن "استقطاب الكفاءات المهاجرة"، ويتحدث المهاجرون أنفسهم أحياناً عن "العودة يوماً ما" — وكلا الحديثين حقيقي في نواياه، غير مكتمل في وقائعه. قصص العودة موجودة؛ ثمة من بنى شركته في الغربة ثم قرر نقلها إلى القاهرة، وثمة من اشتاق لأهله فعاد ليرى أن الحنين أوسع من الواقع. لكن العودة الجماعية المنظمة بقيت حلماً مؤجلاً، لأن شروطها لم تتحقق بعد: المهاجر الناجح يريد أن يعود إلى بيئة تحترم نجاحه، لا إلى بيروقراطية تحاصر مشروعه وضرائب تلتهم ربحه وطريق يفسد سيارته. العودة الحقيقية لن تكون بالنداء العاطفي ولا بالمؤتمرات الرسمية — ستكون حين تصبح الأرض المصرية أرضاً تحترم من يزرعها.
───────────────────────────────────────────────────────────────
الخاتمة :
وطنٌ لا يفقد ( يهجُرهُ ) أبناءه - هو فقط من يستحق الحنين !
───────────────────────────────────────────────────────────────
ليست مصر أول بلد يعاني من هجرة كفاءاته، وليست الأخيرة. كوريا الجنوبية ذاقت هذا في الخمسينيات والستينيات وأعادت من غادر حين بنت ما يستحق البقاء. إيرلندا التي طالما كانت مصدراً للمهاجرين باتت اليوم وجهة لهم. الدرس ليس في قوانين الهجرة ولا في الخطب الوطنية الحماسية؛ الدرس في أن الوطن يُبنى كل يوم في التفاصيل الصغيرة — في محطة مترو تعمل في موعدها، وفي مستشفى يحترم المريض، وفي موظف يؤدي عمله دون أن ينتظر شيئاً في المقابل. المصري الذي يحلم بالرحيل لا يكره مصر — هو يكره بالضبط المسافة الشاسعة بين مصر التي يحبها في مخيلته وبين مصر التي يعيشها كل صباح. ومهمة هذا الجيل — من غادر ومن بقي — أن تضيق تلك المسافة، قبل أن لا يبقى أحد ليحلم بها.