حين نصبح غرباء عن ذواتنا ونحن ننجح في كل شيء

حين نصبح غرباء عن ذواتنا ونحن ننجح في كل شيء
في زحام الأيام، وبين محاولاتنا المستمرة للحاق بكل شيء، قد ننسى أهم شخص يحتاج منا إلى الاهتمام… أنفسنا.
نركض طوال الوقت؛ من مسؤولية إلى أخرى، من ضغط إلى تفكير، وكأن الحياة لا تمنحنا فرصة حقيقية لالتقاط أنفاسنا. ومع الوقت، يتحول التعب إلى أمر معتاد، وتصبح الراحة شيئًا نشعر تجاهه بالذنب، حتى نصل إلى مرحلة نفقد فيها شغفنا وقدرتنا على الاستمتاع بأي شيء، دون أن نفهم السبب الحقيقي وراء ذلك.
أصبحنا نعيش داخل عجلة لا تتوقف، لدرجة أننا نسينا معنى أن يجلس الإنسان مع نفسه بهدوء، دون ضغط أو خوف أو محاولة مستمرة لإثبات شيء.
صرنا نقيس قيمتنا بما ننجزه، بعدد المهام التي ننهيها، وبقدرتنا على الاستمرار حتى ونحن منهكون.
لكن الحقيقة التي نتجاهلها كثيرًا هي أن الإنسان لا يستطيع أن يستمر للأبد وهو يهمل نفسه من الداخل.
أحيانًا نظن أن الرعاية الذاتية شيء ثانوي، أو نوع من الرفاهية التي يمكن تأجيلها، بينما هي في الواقع ضرورة نفسية حتى نستطيع الاستمرار بشكل صحي ومتوازن.
فالاهتمام بالنفس لا يعني الأنانية، ولا يعني الهروب من المسؤوليات، بل يعني أن تمنح روحك فرصة للتنفس قبل أن تنهار بصمت.
قد يمر الإنسان بفترة يفقد فيها شغفه بكل شيء، حتى الأشياء التي كان يحبها يومًا ما.
لا لأنه تغيّر فجأة، بل لأنه استنزف نفسه طويلًا دون راحة حقيقية، ودون أن ينتبه لاحتياجاته النفسية أو لمشاعره المتراكمة.
وأحيانًا، كل ما نحتاجه ليس حلولًا معقدة… بل وقفة صادقة مع أنفسنا.
أن نسأل أنفسنا بهدوء:
هل ما زلت بخير فعلًا؟
هل أعيش حياتي… أم فقط أحاول النجاة من أيامها؟
متى كانت آخر مرة شعرت فيها بالراحة دون تأنيب ضمير؟
مع الوقت، أدركت أن الإنسان لا يستطيع أن يبدع أو يحب عمله أو حتى يستمتع بشغفه إذا كان منهكًا من الداخل.
فالنجاح الحقيقي لا يعتمد فقط على الاستمرار، بل يعتمد أيضًا على قدرتنا على الحفاظ على مرونتنا النفسية وسط كل الضغوط.
ربما لن تتوقف عجلة الحياة أبدًا، وربما لن تخف المسؤوليات يومًا، لكن يمكننا على الأقل ألا ننسى أنفسنا ونحن نحاول اللحاق بكل شيء.
لأن أسوأ خسارة قد يعيشها الإنسان… أن يفقد نفسه تدريجيًا وهو يظن أنه فقط يحاول النجاح.
لكن ربما البداية الحقيقية للتغيير ليست في تغيير الحياة نفسها، بل في تغيير نظرتنا لأنفسنا داخلها.
أن نتعلم كيف نتوقف قليلًا دون شعور بالذنب، وكيف نعيد ترتيب أولوياتنا بحيث لا يكون الإنجاز على حساب راحتنا النفسية.
فالحياة لن تمنحنا دائمًا الوقت الكافي لنرتاح، لكننا نستطيع أن نصنع نحن هذا التوقف بأنفسنا.
أن نختار أحيانًا أن نبطئ، أن نهدأ، أن نعيد شحن أنفسنا قبل أن نكمل الطريق.
لأننا حين نُهمل أنفسنا طويلًا، لن نستطيع الاستمرار مهما حاولنا… أما حين نعتني بها، يصبح الطريق نفسه أخفّ وأقرب إلى السلام.