ديوان: مِحْرابُ الوَجْد

ديوان: مِحْرابُ الوَجْد
بقلم / علي عيسى
مقدمة الديوان
بسم الله، وباسم الحب الذي خلق الجمال..
إلى كل روحٍ ذاقت لوعة الشوق، وإلى كل قلبٍ اعتزل الدنيا ليعتكف في محراب من يحب. أضع بين أيديكم هذه القوافي، لم تكن مجرد كلمات، بل كانت نبضاً أبى أن يظل سجيناً في الصدر. هي اعترافات عاشق، وتراتيل مريد، وصرخة كبرياء في وجه الغدر.

مِحْرابُ العِشْق
يَا مَنْ أَخَذْتَ قَلْبِي عُنْوَانَا ... وَاسْتَوْطَنَ فِيهِ العِشْقُ مَكَانَا
وَزَرَعْتَ فِيهِ كُلَّ مَحَبَّةٍ ... رِضًا وَدِفْئًا وَحَنَانَا
غُصْتَ العُمْرَ بِمُقْلَتَيَّ ... فَصَارَ أَحْسَنَ مَا كَانَا
وَرَأَيْتُ فِيكَ البَدْرَ نُورًا ... كَأَنَّ البَدْرَ جَاءَ أَوَانَا
فَإِذَا نَطَقْتَ، فَكُلُّ حَرْفٍ ... يَصُبُّ فِي رُوحِي أَلْحَانَا
وَإِذَا صَمَتَّ، سَمِعْتُ نَبْضِي ... بِاسْمِكَ يَشْدُو هَيْمَانَا
يَا فِتْنَةً سَبَتِ العُقُولَ ... وَمَالَتْ بِالقَلْبِ غُصْنًا بَانَا
مَا كُنْتُ قَبْلَ هَوَاكَ حَيًّا ... بَلْ كُنْتُ طَيْفًا حَيْرَانَا
حَتَّى أَتَيْتَ، فَأَوْرَقَ جَدْبِي ... وَصَارَ كَوْنِيَ بُسْتَانَا
أُحسِنُ حُسْنَكَ مِنِ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ ... فَأَنْتَ لِلقَلْبِ قَيْدٌ وَسُجَّانَا
أَذَلَّنِي الوَجْدُ فصِرْتُ مَمْلُوكًا... وَصَارَ حُبُّكَ فِي شَرَايِينِي طُوفَانَا
فَلَا تَسَلْ عَنِ النَّبْضِ كَيْفَ لَهِيْبُهُ... إِنَّ الغَرَامَ إِذَا اسْتَشْرَى صَارَ بُرْكَانَا
لَوْ بَرَزْتَ لِلصَّخْرِ يَوْمًا ...لَانَ الصَّخْرُ وَانْفَجَرَ مِنْ شَوْقِهِ لَكَ أَلْحَانَا
أَنْتَ المَلَاذُ، وَأَنْتَ العِيدُ ... وَأَنْتَ لِي أَهْلي وَأَوْطَانَا

تَراتيلُ العِشقِ المُريد
خَضعتُ لِحُسنِكِ والطَّـوفانُ مَمْدودُ ... وقَلبيَ في حُكـمِ الهَوى باتَ مَجْهودُ
يا آيَةً صاغَها الرحـمـنُ مِـن بَـرَدٍ ... كأنَّ نُـورَكِ في الآفـاقِ مَـعـبـودُ
عَيناكِ لَيلٌ يَضيعُ العَقلُ في مَداهُ ... وسِحرُ جَفنِكِ لِلأرواحِ أُخـدودُ
تَميسُ رُوحُكِ في خَطوٍ لَهُ نَغَمٌ ... كأنَّ خَصـرَكِ بالأوزانِ مَعـقـودُ
إني رأيتُ بَياضَ الثَّـغـرِ في بَـسَمٍ ... فَخِلتُ أنَّ جُـمال الـكَـونِ مَنـضـودُ
لا تَسألي عَن لَهيبِ الشَّوقِ في كَبِدي ... فالنارُ تَأكُلُني.. والصَّبرُ مَفـقـودُ
سُلطانةَ الوجدِ، هـذا القَلـبُ مَمـلَكَةٌ ... وأنتِ فيها، وعَرشُ الحُسنِ مَشهـودُ
لو شِئتِ مَوتي، فَمَوتي فيكِ مَكرُمَةٌ ... أو شِئتِ حُبّي، فذاكَ الوَعدُ مَعهـودُ

. مَمْلَكَةُ الوجْد
أَبْحَرْتُ فيكِ.. وَمَوْجُ العِشْقِ طُوفانِي ... وَأَنْتِ أَرْضِي، وَأَوْطَانِي، وَإِيمَانِي
يا جَـنَّةً صـاغَـها الرَّحـمـنُ مِنْ شَغَفٍ ... فَـذَابَ مِـنْ سِـحْرِها قَلـبي وَكِياني
اذا مَسَّ كَفُّكِ كَفِّي، رَقَصَتْ الـدُّنـيا... وَصَـارَ نَبْـضي بِحُبِّـكِ، عَـزْفَ أَلْحانِي
أَنَا الذي صُـغْتُ مِـنْ عَيْنَيْـكِ مَلْحَمَةً ... تُـرْوَى لِـمَنْ عَـرَفوا الأشـواقَ مِنْ ثَانِي
سُلْطانَـةَ الحُسْنِ.. هَلْ لِلرُّوحِ مِنْ سَكَنٍ؟ ... إِلا بِمِحْـرابِكِ القُـدْسِيِّ.. رَبَّـانِي!
أَرَى بَـيـاضَـكِ في الأحْـلامِ نُـورَ هُـدًى ... وَفي سَـوادِ الَّليـالي.. كُنْـتِ عِنْوانِي
لا تَحْسَبي أَنَّني في الحُبِّ ذُو لَعِبٍ ... أَنـا القَـتيلُ.. وَلـكِـنْ حُـبُّـكِ أحْياني
قَسَمْتُ قَلبي، فَصَـارَ النِّصْفُ مَسْكَنَـكِ ... وَالنِّصْفُ يَبْـكي.. لِأنَّ الـوَصْلَ أعْياني
خُذِي حَياتِي، وَخُذِي الرُّوحَ، وَانْتَزِعِي ... كُلَّ القَـوافِي.. فَأَنْتِ الشِّـعْرُ وَالجَانِي


قَد مَاتَ قَلبُكِ
أَسْرَجْتُ لَيْلَكِ مِنْ رُوحِي وَمِنْ جَسَدِي ... وَصُغْتُ حُبَّكِ قُرْبَاناً لِمُعْتَقَدِي
وَكُنْتِ كَوْنِي، وَمِيحْرَابِي، وَأَدْعِيَتِي ... وَكُنْتِ أَمْنِي إِذَا مَا خِفْتُ مِنْ غَدِي
سَقَيْتُ غُصْنَكِ مِنْ عَيْنِي وَمِنْ دَمِهَا ... حَتَّىٰ ارْتَوَىٰ الحُسْنُ مِنْ طِيبِي وَمِنْ مَدَدِي
نَثَرْتُ عُمْرِيَ فِي كَفَّيْكِ قَافِيَةً ... مِـنَ الغَرَامِ، فَلَمْ تَهْدِي وَلَمْ تَجِدِي
أَسْكَنْتُكِ الرُّوحَ، هَلْ لِلرُّوحِ مِنْ ثَمَنٍ؟ ... أَعْطَيْتُ جَاهِي وَإِخْلَاصِي وَمُعْتَمَدِي
أَعْطَيْتُكِ الحُبَّ طُهْراً لا دَنَسَ بِهِ ... وَصُنْتُ عَهْدَكِ صَوْنَ الدِّينِ لِلْعَبَدِي
وَقُـلـتُ أَنـتِ مَـلَاذِي، بَـل قِـيَـامَـتُـنَـا ... وَقُـلـتُ أَنـتِ امْـتِـدَادُ الـوَجـدِ لِلأَبَـدِ
فَمَا جَنَيْتُ سِوَىٰ خِذْلَانِ خَائِنَةٍ ... بَاعَتْ كِيَانِي بِلَا سُوقٍ وَلَا عَدَدِي
وَمَا بَخِلْتُ بِدَمْعٍ أَوْ بِعَاطِفَةٍ ... وَلا حَبَسْتُ شُعُوراً ثَارَ فِي الخَلَدِي
فَآنَ لِي أَنْ أُوَارِي حُبَّنَا عَدَماً ... بَعْدَ الصُّعُودِ لِقَاعِ اليَأْسِ وَالنَّكَدِي
وَصَفْتُ حُسْنَكِ بِالأَشْعَارِ فِي شَغَفٍ ... فَكُنْتِ سَيِّدَةَ القِرْطَاسِ وَالرَّصَدِي
جَحَدْتِ طِيبِي، وَنَكَّرْتِ الَّذِي سَلَفَا ... وَدُسْتِ قَلْباً رَقِيقاً كَانَ كَالسَّنَدِي
و بِـعـتِ الـذِي كَـانَ صَـرحـاً فِـي نَـزَاهَـتِـهِ ... وَخُـنـتِ عَـهـداً رَضَـعـنَـاهُ مِـنَ الـكَـبَـدِ
وَاليَوْمَ أَبْصَرْتُ فِي عَيْنَيْكِ مَقْبَرَةً ... وَصِرْتِ طَيْفاً بَلَا رُوحٍ وَلَا رَشَدِي
فَـلَا نَـدَامَـةَ تَـشـفِـي مَـا اقْـتَـرَفـتِ بِـنَـا ... وَلَا حَـنِـيـنَ يُـعِـيـدُ الـقَـلـبَ لِلـجَـسَـدِ
قَـلـبٌ جَـحُـودٌ أَذَاقَ الـنَّـفـسَ ذِلَّـتَـهَـا ... قَـد مَـاتَ حُـبُّـكِ، فَارْتَـاحِي بِـلَا بَـلَـدِ
قَد مَاتَ قَلْبُكِ، لَا نَبْضٌ يُحَرِّكُهُ ... وَصَارَ صَدْرُكِ مَأْوًى لِلْجَفَا الصَّلِدِي
مُوتِي بِغَدْرِكِ، إِنَّ الغَدْرَ مَقْبَرَةٌ ... لِكُلِّ مَنْ بَاعَ رُوحاً صَانَتِ الأَمَدِي
فَلَا رُجُوعٌ، وَبَابُ الوَصْلِ أَقْفَلَهُ ... جُرْحِي العَمِيقُ، وَأَوْصَدْتُ الرَّجَا بِيَدِي
رَحَلْتِ عَنِّي، وَمَا لِي مَنْ يُعَزِّيَنِي ... فِيكِ، السَّلامُ عَلَىٰ مَيْتٍ بِلا لَحَدِي

التَّحَدِّي
أنتِ في عيني موجاً تتلألأُ فيه الأنوارُ . . . . . أنتِ في أُذني رنينٌ تعشقُهُ الأوتارُ
أنتِ في قلبي عشقاً تطولُ به الأعمارُ . . . . . كوني لي ملاكاً وقمراً يلفتُ الأنظارُ
أنتِ في الأفقِ غايتي ترقدين في قلبي . . . . . تنامين بين أعظمي فهي لكِ كالأسوارُ
مَنْ يأخذكِ مني سيكونُ حطاماً . . . . . فإن كان حبُّكِ لهيباً فحبي أقوى من النارُ
لا تأسي على قلبٍ كان فيكِ مغرماً . . . . . ولا تلوميني على حبٍّ الآن ماذا صار؟
فَمَا كَانَ عِشْقِي لَحْظَةً تَمْضِي بِهَا الأَقْدَارُ . . . . . بَلْ كَانَ قَيْداً تَلَاشَتْ دُونَهُ الأَسْرَارُ
أَنَا الَّذِي جَعَلْتُ مِنْ شَوْقِي لَكِ مِدَارُ . . . . . وَمِنْ صَمْتِ عَيْنَيْكِ تُرْتَلُ الأَشْعَارُ
فَلا تَسْأَلِي الرِّيحَ عَنْ شَجَرٍ بَاتَ يَنْهَارُ . . . . . وَاسْأَلِي القَلْبَ كَيْفَ بَاتَتْ بِهِ الآثَارُ
إنْ كَانَ لِلْجَمَالِ فِي هَذَا الكَوْنِ دَارُ . . . . . فَأَنْتِ المَكَانُ وَأَنْتِ لِلرُّوحِ الِاسْتِقْرَارُ
فَخُذِي فُؤَادِي.. وَلَا تَرُدِّي لَهُ اعْتِذَارُ . . . . . فَمَوْتِي فِي حُبِّكِ هُوَ أَعْظَمُ الانْتِصَارُ!
خاتمة الديوان
وهنا، تنتهي القوافي ولا ينتهي الوجد. رحلنا عبر الكلمات من فيض المحبة إلى قسوة الرحيل، ليبقى الشعر هو الملاذ الأخير والوطن الذي لا يخون. شكراً لكل من مرّ من هنا وقرأ بقلبه قبل عينيه.