الغمازات .. جمال ام تشوه خلقي
الغمازات .. جمال ام تشوه خلقي

منذ القدم والإنسان مفتون بتفاصيل الجمال الصغيرة التي تمنح الوجه سحرًا خاصًا. ومن بين هذه التفاصيل تأتي الغمازات؛ تلك النقرة الصغيرة التي تظهر في الخد أو في أماكن أخرى من الجسم لتضيف للابتسامة لمسة من اللطف والجاذبية. ورغم صغر حجمها، فقد حظيت الغمازات باهتمام كبير في الثقافات المختلفة، وتغنى بها الشعراء، ودرسها العلماء، بل إن بعض الناس يسعون اليوم لصناعتها جراحيًا.
فما قصة الغمازات؟ ولماذا اعتبرتها الشعوب علامة جمال؟ وما سر اختفائها عند بعض الأطفال؟ ولماذا يلجأ البعض إلى صنعها؟ هذا ما سنكتشفه في هذا المقال.
ما هي الغمازات؟
الغمازات هي انخفاضات صغيرة تظهر في الجلد، وغالبًا ما تظهر في الخدين عند الابتسام. ويحدث ذلك بسبب اختلاف بسيط في شكل عضلة من عضلات الوجه تسمى العضلة الوجنية الكبرى.
عند بعض الأشخاص تكون هذه العضلة منقسمة إلى جزأين بدل أن تكون عضلة واحدة متصلة. وعندما يبتسم الشخص، يشد أحد جزئي العضلة الجلد إلى الداخل، فيظهر الانخفاض الصغير الذي نسميه غمازة.
ولذلك فالغمازات ليست مرضًا ولا تشوهًا، بل مجرد اختلاف طبيعي في تركيب العضلات.
التفسير الطبي
الغمازات تنتج عن اختلاف بسيط في تركيب عضلة الخد المعروفة باسم العضلة الوجنية الكبرى.
في بعض الأشخاص تكون هذه العضلة:
منقسمة إلى جزأين أو
أقصر قليلاً من المعتاد
وعند الابتسام تشد العضلة الجلد نحو الداخل، فيظهر الانبعاج الذي نراه كـغمازة.
لماذا تُسمى تشوهاً خلقياً؟
في الطب يُستخدم مصطلح تشوه خلقي لأي اختلاف يولد به الإنسان في تركيب الجسم، حتى لو كان بسيطًا أو جماليًا. لذلك تُعد الغمازات:
اختلافًا خلقيًا في العضلات
لكنها ليست مرضًا ولا تسبب أي مشكلة صحية.
أصل كلمة الغمازات
كلمة غمازة في اللغة العربية مشتقة من الفعل غمز، أي ضغط أو أحدث انخفاضًا صغيرًا. وقد استعمل العرب هذه الكلمة لوصف النقرة الصغيرة التي تظهر في الخد عند الابتسام.
وقد وردت الكلمة في معاجم اللغة القديمة مثل لسان العرب الذي ألفه اللغوي الشهير ابن منظور، حيث ذُكر أن الغمازة هي النقرة التي تظهر في الخد.
أما في اللغة الإنجليزية فتسمى Dimple، وهي تعني أيضًا انخفاضًا صغيرًا في الجلد.
وهكذا يتفق المعنى اللغوي والعلمي: الغمازة ليست إلا انخفاضًا بسيطًا في الجلد.
الغمازات في نظر الثقافات المختلفة
الثقافة العربية
في الثقافة العربية كانت الغمازات دائمًا جزءًا من وصف الجمال في الشعر والغزل. فقد اعتاد الشعراء العرب وصف تفاصيل الوجه الدقيقة مثل العيون والخدود والابتسامة.
وكانت الغمازة تُعد علامة تزيد الابتسامة جمالًا، حتى أن بعض الشعراء وصفوها بأنها سر الجاذبية في الوجه.
ومن الصور الشعرية التي قيلت في وصفها:
ولما ابتسمت لاح في الخد غمزة
كأن بها سرّ الجمال تجمّعا
فالغمازة في المخيلة العربية ليست مجرد نقرة في الخد، بل علامة على اللطف والرقة والأنوثة.
الثقافة الفارسية
في الأدب الفارسي، وخاصة شعر الغزل، كانت الغمازة تُشبَّه أحيانًا بالبئر الصغيرة التي يقع فيها قلب العاشق.
وقد استخدم شعراء كبار مثل حافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي صورًا شعرية تصف الخدود والابتسامة بطريقة شاعرية عميقة.
ومن الصور المجازية المشهورة في الغزل الفارسي:
في خدّه بئرٌ صغير من الحسن
يسقط فيه قلب العاشق دون نجاة
وهكذا أصبحت الغمازة في الشعر الفارسي رمزًا لجاذبية لا يستطيع العاشق مقاومتها.
الثقافة الهندية
في الهند تُعد الغمازات من علامات الجمال المرغوبة، وتظهر كثيرًا في الأغاني والأفلام الرومانسية.
وقد ساهمت أفلام بوليوود في تعزيز هذه الصورة، حيث تظهر شخصيات كثيرة تتميز بابتسامة ذات غمازات.
وفي الأدب الشعبي الهندي توصف الغمازة بأنها تضيف للوجه براءة ومرحًا يشبهان ابتسامة الأطفال.
الثقافة الأوروبية
في أوروبا ارتبطت الغمازات غالبًا بفكرة البراءة والجاذبية الطبيعية.
وفي الأدب الإنجليزي الرومانسي ظهرت كثيرًا في وصف الابتسامة الجميلة، وقد وردت صور مشابهة في الأدب الذي تأثر بأسلوب الشاعر والمسرحي الكبير ويليام شكسبير.
فالغمازة في التصور الأوروبي تضفي على الوجه مزيجًا من الجمال والمرح.
ثقافات شرق آسيا
في دول مثل كوريا الجنوبية واليابان تُعد الغمازات علامة على الوجه اللطيف والابتسامة الجذابة.
ولهذا السبب يلجأ بعض الناس هناك إلى عمليات تجميل صغيرة لصنع غمازات صناعية.
أنواع الغمازات
رغم أن معظم الناس يفكرون في غمازات الخد فقط، فإن هناك عدة أنواع من الغمازات.
غمازات الخد
وهي الأكثر انتشارًا، وتظهر عند الابتسام على أحد الخدين أو كليهما.
غمازة الذقن
وهي انقسام صغير في منتصف الذقن يعرف علميًا باسم Cleft Chin.
الغمازة الواحدة
بعض الأشخاص لديهم غمازة في خد واحد فقط، وهو أمر أقل شيوعًا.
غمازات أسفل الظهر
تظهر كنقرتين صغيرتين فوق الحوض مباشرة وتعرف باسم Dimples of Venus.
وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى إلهة الجمال في الأساطير الرومانية فينوس.
لماذا تختفي الغمازات عند بعض الأطفال؟
كثير من الأطفال يولدون بغمازات، لكن هذه الغمازات قد تختفي عندما يكبرون.
ويرجع ذلك إلى عدة أسباب:
تغير شكل عضلات الوجه مع النمو.
نقص دهون الخدود التي تكون ممتلئة في الطفولة.
تغير شكل عظام الوجه مع التقدم في العمر.
عندما تتغير هذه العوامل قد يختفي الانخفاض الصغير الذي كان يسبب الغمازة.
أندر أنواع الغمازات
بعض الغمازات نادرة الظهور مقارنة بغيرها، مثل:
الغمازة الواحدة في الخد.
الغمازات العميقة التي تظهر حتى بدون ابتسامة.
الغمازات الممتدة التي تكون على شكل خط صغير.
غمازات أسفل الظهر.
ولهذا تعتبر الغمازات عمومًا سمة مميزة لأن عددًا كبيرًا من الناس لا يمتلكها.
لماذا يسعى بعض الناس لصنع غمازات؟
مع ازدياد الاهتمام بالجمال في العصر الحديث، بدأ بعض الناس يرغبون في الحصول على غمازات حتى لو لم يولدوا بها.
وقد أدى ذلك إلى انتشار عملية تجميلية تسمى Dimpleplasty.
في هذه العملية يقوم الطبيب بعمل غرزة صغيرة داخل الخد تربط الجلد بالعضلة، فيتشكل انخفاض يشبه الغمازة الطبيعية.
وتعد هذه العملية من العمليات التجميلية البسيطة نسبيًا.
حجم الإقبال على صنع الغمازات
شهدت عمليات صنع الغمازات زيادة ملحوظة في السنوات الأخيرة.
تشير بعض التقديرات إلى أن سوق هذه العمليات قد تجاوز مئات الملايين من الدولارات عالميًا، ويتوقع أن يواصل النمو خلال السنوات القادمة.
وتظهر الإحصاءات أن:
النساء يشكلن معظم من يجرون هذه العملية.
الفئة العمرية الأكثر طلبًا لها بين 18 و35 عامًا.
كثير من الناس يفضلون صنع غمازة واحدة فقط لأنها تبدو أكثر طبيعية.
وتنتشر هذه العمليات خصوصًا في دول مثل كوريا الجنوبية والولايات المتحدة وبعض الدول العربية.
سر الجاذبية في الغمازات
يبقى السؤال الأهم: لماذا يراها الناس جميلة؟
يعتقد بعض علماء النفس أن الغمازات تضيف للوجه تعبيرًا طفوليًا ولطيفًا، لأن الأطفال غالبًا يمتلكون خدودًا ممتلئة تظهر فيها الانخفاضات بسهولة.
كما أن الغمازة تظهر عادة عند الابتسام فقط، ولذلك ترتبط في ذهن الناس بالفرح والبهجة.
ولهذا ربما أحبها الشعراء، واعتبرتها الثقافات المختلفة رمزًا من رموز الجمال.
وفي الختام
الغمازات مثال رائع على كيف يمكن لتفصيل صغير في الوجه أن يحمل كل هذا الاهتمام عبر التاريخ. فهي ليست سوى اختلاف بسيط في تركيب العضلات أو العظام، لكنها تحولت في نظر البشر إلى علامة جمال ألهمت الشعراء وأثارت فضول العلماء.
وقد ربطتها الثقافات المختلفة بالجاذبية والمرح، حتى إن بعض الناس يسعون اليوم إلى صنعها جراحيًا ليحصلوا على ذلك الأثر الساحر الذي تمنحه الابتسامة.
وهكذا تبقى الغمازات دليلاً على أن الجمال أحيانًا يكمن في التفاصيل الصغيرة التي تمنح الوجه شخصية فريدة لا تشبه غيرها.