مستر بين طفل في جسد رجل

مستر بين طفل في جسد رجل

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

عبقرية الفوضى: لماذا يظل مستر بين واحداً من أكثر الشخصيات الكوميدية إضحاكاً في العالم؟

منذ ظهوره الأول على شاشات التلفزيون في الأول من يناير عام 1990، استطاع رجل غريب الأطوار يرتدي سترة تويد بنية وربطة عنق حمراء ضيقة أن يقتحم قلوب الملايين في جميع أنحاء العالم. إنه "مستر بين" (Mr. Bean)، ذلك المخلوق الكوميدي الذي ابتكره الممثل البريطاني روبن أتكينسون. على الرغم من أن حلقات المسلسل الأصلي لم تتجاوز الـ 15 حلقة، إلا أن شخصية مستر بين تحولت إلى ظاهرة عالمية، حيث بيع المسلسل إلى أكثر من 245 منطقة حول العالم ولا يزال يحصد الملايين من المشاهدات على منصات التواصل .

ما سر هذه العبقرية الكوميدية؟ كيف يمكن لرجل بالغ يكاد لا ينطق بكلمة واحدة أن يكون مضحكاً إلى هذا الحد، متجاوزاً كل حواجز اللغة والثقافة؟ تكمن إجابة هذا السؤال في مزيج فريد من العبسردية الطفولية، والعبقرية الجسدية، وتلك الازدواجية الغريبة التي تجعلنا نضحك على شخصية قال عنها مبتكرها نفسه: "أنا أكره مستر بين كشخص، بالتأكيد لن أرغب أبداً في تناول العشاء معه" .

١. "طفل في جسد رجل": سحر الشخصية المتناقضة

يقدم لنا مستر بين مفارقة كوميدية أساسية: إنه رجل بالغ يعيش ويتصرف كطفل في الخامسة من عمره. هذا الوصف الذي أطلقه روبن أتكينسون على شخصيته ("طفل في جسد رجل") هو مفتاح فهم الكوميديا فيه .

بين غير قادر على فهم التعقيدات الاجتماعية البسيطة التي يعتبرها الآخرون بديهية. إنه أناني، لا يكترث بمشاعر الآخرين أو حتى بوجودهم، ومصمم على تحقيق رغباته اللحظية مهما كانت النتائج كارثية على من حوله. هذا المزيج من البراءة الأنانية هو مصدر لا ينضب للمواقف المحرجة. على سبيل المثال، عندما يحاول تزيين شقته للعام الجديد، لا يتردد في لف كل محتوياتها، حتى حبات العنب الفردية، في صحف قديمة لحمايتها من الطلاء، أو عندما يعامل دميته الدب "تيدي" ككائن حي، فيشتري له هدية عيد الميلاد ويحاول إيقاظه بلطف في الصباح، ليستخدمه في اللحظة التالية كقطعة قماش أو فرشاة طلاء عند الضرورة .

هذا السلوك الطفولي يتجلى أيضاً في فضوله الجامح وردود أفعاله المبالغ فيها. ضحكته المكبوتة، وطريقة ركضه الغريبة، وتعبيرات وجهه المطاطية، كلها عناصر تعيدنا إلى عالم الطفل الذي يكتشف العالم للمرة الأولى، بنفس الدهشة ونفس القدرة على التسبب بالفوضى. في مشهد دخوله إلى المسابقة في أولمبياد لندن 2012، جسد هذه الفكرة بشكل مثالي وهو يعزف نغمة واحدة على آلة المفاتيح الكهربائية بينما عقله تائه في أحلام اليقظة، ليكمل بعدها المشهد بأناقة كوميدية لا تُضاهى .

٢. لغة الجسد العالمية: الكوميديا الصامتة في عصر الكلام

في عصر تعج فيه الأعمال الكوميدية بالحوار الساخر والإيحاءات الجنسية واللغة المبتذلة، يشكل مستر بين استثناءً فريداً . إنه يعود بنا إلى أصول الكوميديا السينمائية الصامتة، حيث كان على الممثل أن يعتمد كلياً على جسده وتعبيرات وجهه ليحكي قصة كاملة. وقد صرح أتكينسون بأنه استلهم شخصيته بشكل كبير من الممثل الكوميدي الفرنسي جاك تاتي وشخصيته الشهيرة "السيد هولو" (Monsieur Hulot)، إضافة إلى نجوم السينما الصامتة مثل تشارلي شابلن .

هذا الاعتماد على الكوميديا الجسدية (Slapstick) هو ما جعل من مستر بين ظاهرة عالمية بامتياز. يمكن لأي طفل في الصين، أو رجل مسن في البرازيل، أو سيدة في مصر أن تفهم ما يحدث دون الحاجة إلى ترجمة. فعندما يحاول مستر بين ارتداء سروال السباحة على الشاطئ وهو خجول من رجل يجلس بجانبه، فيقرر ارتداءه فوق سرواله العادي ثم خلع السروال العادي من تحته بطريقة بهلوانية، فإن أي مشاهد في العالم سينفجر ضاحكاً من عبقرية هذا الحل وفظاعته في نفس الوقت .

يتحرك مستر بين بطريقة ميكانيكية غريبة، فهو لا يمشي بل يتمايل، ويدير رأسه بفضول حاد وكأنه يرى العالم لأول مرة، وكرات عينيه تدور في محاجرها لتعبر عن دهشة أو حيرة لا نهائية. هذه الحركات المتكررة، وفقاً لتحليل أكاديمي من جامعة سانت أندروز، تشبه إلى حد كبير آليات عمل الممثلين الكوميديين القدامى، حيث يصبح التكرار نفسه مصدراً للكوميديا لأن الجمهور ينتظر اللحظة التي سينفجر فيها الموقف .

٣. بين العبقرية والغباء: سحر الحلول غير المتوقعة

جزء كبير من متعة مشاهدة مستر بين يأتي من الطريقة التي "يبتكر" بها حلولاً لمشاكله اليومية البسيطة. هو ليس غبياً بالمعنى التقليدي، بل على العكس، هو عبقري في ابتكار أساليب معقدة وغير تقليدية للوصول إلى أهدافه. وكما يصفه موقع TV Tropes، فهو يجسد المقولة الشهيرة: "لا يمكنك صنع شيء في مأمن من الحمقى، لأن الحمقى عباقرة في ابتكار وسائل لتخريب الأشياء" .

خذ مثلاً مشهده في امتحان الرياضيات: عندما يعجز عن حل المسائل، لا ييأس، بل يقلب نظره إلى جاره، ثم يبدأ في الغش بأساليب تتفوق في تعقيدها على أي وسيلة تقليدية، مستخدماً ممحاة ومبراة ومطاطاً لسرقة إجابات زميله. أو عندما يريد مشاهدة التلفاز وفي نفس الوقت تحضير الطعام، فيقوم بتعقيد الأمور بشكل لا يصدق. هذه الحلول العبقرية بشكل غير متوقع هي ما يصنع الكوميديا. نحن لا نضحك لأنه فشل، بل لأنه نجح في النهاية، ولكن بطريقة لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يفكر فيها أبداً.

٤. كاريزما الأشياء: السيارة والدب كشخصيات مساندة

لا تقتصر عبقرية مستر بين على شخصيته فحسب، بل تمتد لتشمل أغراضه التي تتحول إلى شخصيات ثانوية لها كاريزما خاصة. دبدوب "تيدي" هو الصديق الوفي والمتلقي الصامت لكل أفعال بين. هذه الدمية القماشية البنية ذات الأزرار بدلاً من العينين، تمثل الضمير أو البراءة التي يفتقدها بين، لكنه في نفس الوقت لا يتردد في إيذائها أو استخدامها كأداة .

أما سيارة الميني (Mini) الخضراء ذات غطاء المحرك الأسود، فهي بطلة أخرى من أبطال المسلسل. هي ليست مجرد وسيلة نقل، بل امتداد لشخصية بين نفسه. قفلها بمزلاج حظيرة، ونزع عجلة القيادة بدلاً من المفتاح لمنع السرقة، وطريقة ركنها الفوضوية، كلها عناصر تحول السيارة إلى كائن حي يتفاعل مع صاحبها. والصراع الأزلي مع سيارة "ريليانت ريجال" (Reliant Regal) ذات الثلاث عجلات، التي يتم قلبها أو دهسها أو إخراجها من موقف السيارات في كل حلقة تقريباً، هو مثال رائع على الكوميديا المتكررة التي تتحول إلى "جري" كلاسيكي ينتظره الجمهور بشغف .

٥. كائن فضائي في عالم البشر: عنصر العزلة والغموض

منذ الحلقة الثانية، يبدأ المسلسل بمشهد سقوط مستر بين من السماء في شعاع من النور، وسط جوقة تغني باللاتينية: "Ecce homo qui est faba" ("هذا هو الرجل الذي هو حبة فول") . هذا المشهد الافتتاحي يضفي غموضاً على الشخصية ويشير إلى أنها ليست من هذا العالم. سواء كان ملاكاً ساقطاً، أو كائناً فضائياً، أو مجرد إنسان عادي تم اختطافه من قبل كائنات فضائية، فإن هذه الهالة الغامضة تعزز من عزلته عن المجتمع .

هذه العزلة هي ما يسمح له بالتصرف بهذه الطريقة. هو ليس جزءاً من النسيج الاجتماعي، لذلك فهو ليس مقيداً بقوانينه. إنه مراقب من الخارج، يدخل إلى عالم البشر ليعيث فيه فوضى بريئة، ثم يعود أدراجه. هذه الفكرة تصل ذروتها في المسلسل الكرتوني حيث يتم اختطافه بالفعل من قبل كائنات تشبهه تماماً .

٦. لماذا نضحك على مستر بين؟ من نظريات التفوق إلى التعاطف

ربما يكون السؤال الأكثر عمقاً هو: لماذا نجد متعة في مشاهدة رجل بالغ يفشل في أبسط المهام ويتسبب في كارثة لكل من حوله؟ هناك عدة نظريات تفسر ذلك.

منذ أيام أرسطو، عُرفت "نظرية التفوق" في الكوميديا، والتي تقول إننا نضحك على من هم أقل منا لأن ذلك يعزز شعورنا بتفوقنا وقيمتنا . في عالم معقد ومليء بالضغوط، حيث نسعى جاهدين لإثبات كفاءتنا، يأتي مستر بين ليكون تذكيراً بأنه يوجد من هو أسوأ حالاً منا. نحن نضحك لأنه لا يستطيع التعامل مع أشياء نتقنها نحن بسهولة، وهذا يمنحنا شعوراً بالارتياح. هذه النظرة تفسر جزئياً لماذا يحب الأطفال مستر بين كثيراً؛ فبالنسبة لهم، رؤية شخص بالغ يتصرف بطريقة أقل كفاءة منهم هي مصدر بهجة لا يوصف .

ولكن هناك طبقة أعمق من الفهم. في مراجعة عميقة على موقع Douban، يطرح كاتب صيني فكرة مفادها أننا جميعاً نشبه مستر بين. نحن لسنا أبطالاً خارقين ولا عباقرة استثنائيين. نحن أناس عاديون، نتخذ قرارات خاطئة، ونتعرض للإحراج، ونسعى جاهدين لنبدو "أروع" مما نحن عليه، وغالباً ما نفشل. لكن الفرق بيننا وبين مستر بين هو أننا عندما نفشل، ننهزم. مستر بين، بطفولته وعناده، لا ينهزم. في الثانية التالية بعد كارثة كبرى، تجده يستقيم، ويرتب ربطة عنقه، ويمضي قدماً بثقة وكأن شيئاً لم يحدث . نحن نضحك عليه، ولكننا في الحقيقة نتمنى لو possessed جزءاً من صموده وسذاجته السعيدة في وجه عالم قاسٍ. هو ليس مجرد أحمق، بل هو حالم لا يستسلم.

هذا المزيج من التفوق والتعاطف هو سر استمراره. نحن نضحك عليه أحياناً، ونحن نبكي من الضحك عندما نرى أنفسنا فيه أحياناً أخرى.

الخاتمة

يبقى مستر بين ظاهرة فريدة في تاريخ الكوميديا. إنه شخصية أنانية وغير اجتماعية، لكنه في نفس الوقت محبوب عالمياً. هو رجل بالغ يتصرف كطفل، ورجل نادراً ما يتكلم لكنه يتواصل مع مليارات البشر. من خلال كوميديا جسدية تعود بجذورها إلى عصر السينما الصامتة، ومن خلال شخصية تحمل في طياتها تناقضات عميقة بين العبقرية والغباء والأنانية والبراءة، استطاع روبن أتكينسون أن يخلق عملاً خالداً يتجاوز حدود الزمان والمكان. قد يكون مستر بين شخصاً لا نرغب في دعوته لتناول العشاء، لكننا بكل تأكيد لا نستطيع أن نرفض دعوته لنكون جزءاً من فوضاه المرحة على الشاشة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Romal Khallouf تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

2

متابعهم

6

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.