صواعقُ وحُتوفٌ.. على أَسِنَّةِ الكلامِ والحُروف

صواعقُ وحُتوفٌ.. على أَسِنَّةِ الكلامِ والحُروف

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

صواعقُ وحُتُوفٌ.. على أَسِنَّةِ الكَلامِ والحروف

لماذا الكلمات كالأسنة والرماح؟ 

هذا مقالٌ أدبي عن قوة الكلمة حين تكون في موضعها، وشؤمِها حين تكون في غير موضعها. نعم ثمةَ كلماتٌ ساقطةٌ لا قيمةَ لها، وإن كانت - بادي الرأي- تَتَهَيَّعُ تَهَيُّعَ السراب فوق القيعان، ثم لا تروي غَليلًا من ظمأِ الهواجر! فهذه لا تعنينا في المقال، وإنما نخص بالذكر منها ما يبلغ من الأثر مبلغَ السيفِ البتار، والسيل المِهدَار، أو الصاعقة التي تنزل من السماء نارًا مطويةً في هزيمٍ من الرعود. عن أثر الحروف حين تصاغ من هيكلها المعاني؛ فتكونُ جنودا مجندةً، تعملُ في الأنفس عمل الأسنة في الجوارح، والنبل في الأعضاء، فإن كان هؤلاء جنودا يصدرونَ عن الحق؛ فإنهم يثبتون قدمَ الحق، ويزلزلونَ قدم الباطل، وإلا فلا مانعَ لديهم من قتل الأبرياء، وأن يَعيثوا في الأرض فسادًا! ولِمَ لا تكونُ الكلمات بهذه المثابة؛ وقد قال النبي صلى الله لحسان بن ثابت لَمَّا همَّ بإنشاء شعرٍ يهجو فيه المشركين: (اُهجُهُم، فوالذي نفسي بيده إنه لأشد عليهم من وقع النبل). فإن كنت في ريبٍ من هذا؛ فانظر إلى هذه الألقاب: (رب السيف والقلم)، (الشاعر الفارس)، (أمير البيان) هي ألقابٌ لأشخاصٍ جمعوا بين قوة الكلمة، وقوة الفروسية، فهم (محمود سامي البارودي) و (أبو فراس الحمداني)، و (شكيب أرسلان) على التوالي. بيد أن الثالثَ لم يَكن فارسًا في الحروب، ومع ذلك فهو فارس في ميدان الكلمة. وهذا هو محل الشاهد؛ أن للكلام أيضا حضورًا لا يقل في كثافته ووقعه عن حضور آلات القتال. فكلاهما (أي سيف البيان وسيف القتال) ينبعثُ عن قصدٍ واحد؛ وهو إحداث التغيير وتغيير القناعات، بيدَ أن واحدا يخترقُ القلوبَ والأرواحَ، والآخرَ يخترمُ الأجسادَ والجوارح. 

لماذا الكلمات كالصواعق أحيانا؟ 

وأما كون الكلمات تشبه الصواعق؛ فذلك أن الصاعقةَ تُزهِقُ النفوسَ المتعرضةَ لها، وبعض الكلمات تُزهق الأفكارَ التي تحملها النفس المتعرضة لصواعق الكلام! ألم ترَ أن ابنَ تيميةَ رحمه الله لما أرادَ أن يؤسس منهاجا لنسف بعض الأفكار المنحرفة؛ لم يجد أبلغَ من وسمه بِـ (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)؟ ولا يُخاطرك أنه أرسلَ عليهم صواعق على الحقيقة، بل مجازا بالتأكيد، فإن أحدا لا يستطيع ذلك إلا الله القائل: (وَيُرسِلُ الصواعِقَ فَيُصِيبُ بها مَن يشاء)! 

 

وثم تنبيه آخر؛ وهو أن الصواعقَ لا تخرجُ مخرجَ العقوبة بإطرادٍ، فربما كانت - فحسبُ- تهذيبا وتربية، كما كان من أمر موسى عليه السلام حين سألَ ربه أن ينظرَ إليه، فلما تجلى ربه للجبل خر موسى صَعِقًا. إذن فوسم الكلام بالصاعقة يقتصر - فيما أعنيه- على معنى القوة فحسب. فَهلُمَّ نصطلحُ بيننا على أننا نعني بالكلام الصاعق؛ القويَّ المؤثِّر سلبًا أو إيجابا، الكلامَ الذي يُغير مَجرَى النفوس كما تُغير الصاعقةُ وجه السماء، والذي يقتلع المعاني من القلوب كما تقتلع الأسنة النحور، فلا تُفَرِّقُ بين نَحرٍ صالحٍ وطالح! أو يُثبتها كما تُتبتُ المطرقة الدِّسَارَ، في أركان الجدار! 

فالكلماتُ على مستوى الفيزياء هي ذبذباتٌ هوائية تتأرجح بين الشفتين، لا تزيد في قوتها المادية على قوةٍ نفثةٍ في كوب الشاي الساخن لتعطيه شيئا من البرودة، فهي ليست كقوة الصاعقة بالمعنى الفيزيائي، لكنها في القوة المعنوية؛ تعكس قناعاتٍ، وتؤسس غيرَها، وتهدم أفكارا وتنشئ أخرى، وتُؤثِّلُ أمجادا وتنقضُ مفاخرَ وفضائل. وقد تحدثنا في المقال السابق عن تأثير الفكرة على المصير كله. وهذا يعني أن بعضَ الكلمات قد تسهم أيضا في صناعة المصير؛لأن الكلمةَ ربما غَيَّرَت الفكرة، والفكرةُ هي الباعثُ على السلوك، ومجموع السلوكيات يؤدي إلى النتائج، والنتائجُ هي المصير! 

فليس يقتصر مفعولُ الكلام على تخلخلات هوائية تحدث في الأحبال الصوتية، والحلق والشفاه، ثم يخترق الأُذنَ المتلقيةَ لُيحدثَ فيها تغييراتٍ عصبية، ولكنَّ المفعولَ الحقيقي هو ما يترتب على ذلك من المعاني، التي يبلورها العقل كائناتٍ حية؛ قادرةً على الأخذ والرد، والفعل والكَفِّ. كائناتٍ لا تني أن تكونَ أحيانا كالقضاء المبرم، لا تستطيع النفسُ أن تتفلَّتَ من قبضته، أو جُرحًا يثعب في القلب دما، أو فكرةً تُهيمنُ على عقل صاحبها؛ فتحيل حياتَه جحيما وشقاء. هذا ما تفعله بعض الكلمات الهدامة، أو الصواعق المدمرة. لكنَّ أخرى تُشعل في النفس شرارةَ الحياة، فتشتعلُ فيما يشبه الرفات، فتتلبس بالعافية بعدَ بُرحاء الوَهَن، وتتلبس بالروح بعد أن كانت - فحسب- جسما متحركا! 

تأثير الكلمات ليس في مبناها، أو ترتيب حروفها وألفاظها، بل فيما تحمله من شُحنةٍ خفية من المعاني، تنبثق عن نية موجهة في التأثير، فربَّ كلمة إزدراء لا يلقي المتكلم لها بالا؛ وَأَدَت شجاعةً كانت حديثةَ عهد بالمهد، وكلمةٍ جائرةٍ اغتصبَت حقا، وكلمةٍ متهكمةٍ نحرت ثقة المرء بنفسه.. وربَّ كلمةٍ بعثت من مرقد الخمول نفسا، وشعشَت في الفؤاد أملا، أو دَمَلَت فيه جرحا. كلمةُ تقديرٍ وإطراء قد تُنجي نفسًا من الانطفاء، وكلمة تشجيع قد تُهيِّجُ الكَسولَ على العمل. 

ولا عجبَ إذن أن توصف الكلمة بالسهم في أدبيات العربية، وبينما قد يُخطئ السهم وجهتَه؛ فإن الكلماتِ نادرا ما تتحيفُ عن القلب، فهي تُؤلمه أو تقتله، أو هي تُضمد جراحَه وتُعيد إليه الحياةَ من جديد. فأما واحدةٌ فهي كلمة السوء التي ضربَ الله لها مثلا بالشجرة الخبيثة اجتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار. وأما الثانية فهي كالشجرةِ الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكُلَهَا كل حين، فهذه الأخيرة تارةً تشير إلى الطريق، وأخرى تقشَعُ الضبابَ عن الوجهة، وثالثةً تحدو النفس للمسير إليها. 

ربما تقتلُ الكلمةُ تماما كما يقتل السيف. فالقاضي يشنق المتهم بكلمة يلقيها، والمفتي يحكم بالإعدام على إنسانٍ برؤية شرعية، والفُتيا حين لا تنبعث عن علم راسخ قد تُهلك إنسانا، كما كانَ من أمر الرجل الذي قتل تسعةً وتسعينَ نفسًا ثم استفتَى راهبا في أمر التوبة، فقال له: لا توبَةَ لك. فقتله فأتم به المائة، فكانت فتوى هذا الراهب سببا في هلاكه هو لا هلاك المُستَفتَى. وكما كانَ في إحدى غزوات النبي صلى الله، فأحدثَ رجلٌ حَدَثًا أكبرَ وكانَ جريحا، فاستفتى بعض الصحابة في الاغتسال بالماء أو التيمم، فأخبروه - عن جهالةٍ لا علمَ فيها-  أنه يلزمه الاغتسال، فلما فعلَ، اشتدَّ عليه المرض حتى مات! فلما أُخبرَ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، غضبَ غضبا شديدا، وقالَ: قَتَلوه قَتَلَهُم الله. هَلَّا سَألوا إذ لم يَعلَموا! فإنما دواء العِيِّ السؤال. فالكلمة بهذا التمثيل تقتل قتلا حقيقيا لا مجازيا، بمعنى أنها وسيلةٌ مؤكدة لإزهاق روح. 

وأحيانًا يكون السيفُ أبلغَ من الكلام! 

وبالرغم من أنني وسمتُ مقالي بما يجعلُ وقعَ الكلام أمضى من وقع السيف والسنان؛ إلا أنني أقول أن هذا الوصف إنما هو من قبيل المبالغات المحمودة، والتي لا تُحمَل على ظاهرها، وإنما يراد بها تحقيقَ المعنى وتثبيتَه في نفس السامع أو القارئ (وإن كان لها نصيبٌ من الحقيقة كما بيناه في الأمثلة الماضية). بيدَ أن أكثرَ الناس لا يُذعِنونَ للمقال إذعانَهم لقوة السيف (النفوس الحية فقط هي مَن تفعل ذلك)، فقوة السلاح تعني خطرا مسلطا على نحورهم، يهدد بقاءَهم، وليسَ بالضرورة أن تقومُ الكلماتُ هذا المقام؛ إلا بشرطين: أن تحمل تهديدا حقيقيا، وأن يُصدِّقَ المتلقي ما يُتلَى عليه. 

ولعله لا يخفى عليك ما كانَ من أمر عُتبة المشرك حين تلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم صدرَ سورة فصلت، حتى بلغَ قولَه تعالى: فإن أَعرَضُوا فَقُل أنذرتُكم صَاعقةً مثلَ صاعقةِ عادٍ وثمود. في هذه اللحظة قامَ عتبة إلى النبي، ووضعَ يَدَه على فِي النبي، وقالَ له: ناشدتك اللهَ والرحم. فكان وقع الكلام عليه؛ كوقع الصاعقة على عادٍ وثمود، لأنه كان يعلم أن النبي صلى الله لا يقول إلا حقا. فهذا هو ما نعنيه؛ تكونُ بعضُ الكلماتِ كالصواعق المرسلة؛ فقط إذا وَجَدَت مَحِلًّا قَابلا، وإلا فهي مجرد مِدادٍ يُغيُّر لَونَ الصحيفة، ولكنه لا يغير من الواقع شيئا! وإليكَ مثالٌ من التاريخ على أن وقعَ السيوف على النفوس أشد من وقع السلاح عليها:

في عهد المعتصم؛ أَوعَزَ المنجمونُ إلى الناس وإلى المعتصم نفسَه، أنَّ عَموريةَ لَن تُفتَح، وزعموا أن قراءَة النجوم أطلعتهم على ذلك، ولكن المعتصم ضربَ بنبوءتِهم عُرضَ الحائط، ومضى لا يَلوي على تخذيلهم حتى فَتَحَ الله عليه. هُنالِك أثبتَ الواقع - وليس كهانةُ المُتَكَهنين- أن حَدَّ السيف كانَ أمضى من حد كلام المنجمين وكتبهم! فَأنشَأ أبو تمام قصيدته في الحماسة، يقول في مطلعها: 

السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ            في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ

بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ في      مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ

وَالعِلمُ في شُهُبِ الأَرماحِ لامِعَةً           بَينَ الخَميسَينِ لا في السَبعَةِ الشُهُبِ

فقوضَ صرحَ المنجمين، وأتى بُنيان تخرصاتِهم من القواعد؛ فَخَرَّ عليهم السقف من فوقهم. وقالَ لهم فيما قال: السيفُ أصدق خبرا من كتبكم، والحقُّ لا يجري لمجرد تسطيره مدادا أسودَ في الصحائف، ولكنه يلمعُ في بارقة السيوف، وبيض الصفائح. وأما نجومكم والشهب السبعة التي تُحيلونَ عليها؛ فإنها لا تكتب علما، بل تَكهنا وتخمينا، وكأنكم - قبحكم الله- تقذفونَ بالغيب من مكان بعيد! والذي يكتب العلم ويسطر الواقع رماحٌ تتبرج في ساحة الوغى، ومُهنَّدَاتٌ يلمعنَ إذا حمي الوَطيس. 

على كل حالٍ؛ فلسنا بصدد المفاضلة بين لسان المنطق ولسان الحرب. ما نعنيه أن من الكلام ما يبلغ من قوة التأثير مبلغَ السيف أو قريبا من هذا، ومبلغَ الصاعقة أو بعضَ ذلك. هناك أدواء لا تستأصلها الكلمات، بل البتر والقطع، وقد وُضِعَ السيفُ لهذه الأدواء. وهناك خبث في النفوس لا يداويه إلا النار، وقد جُعلت جهنم لهذا الغرض. هذا هو المَعنِيُّ بقول عثمان رضي الله عنه: (إن اللهَ لَيَزعُ بالسلطان؛ ما لا يَزع بالقرآن). وإلا فقد أغنى اللبيبَ قوارعُ البلاغ عن معالجة العذاب، {ولقد جاءَهم من الأنباء ما فيه مُزْدَجَرٌ}.   

نماذج من صواعق الكلام وأسنة العبارات

الكلمات التي تعمل عملَ الصواعق في التأثير؛ ليست بالضرورة طويلةً أو مُعقَّدَةً، بل أغلبها مختصرٌ جدا، تنبع قوته من إيجازه. فهو كلام لطيف جدا ولكنه يتخلل من بين الثنايا، ليؤدي وظيفته في حرية تامة. وفي رأيي أن ثلاثةَ أركانٍ متى اجتمعت في كلامٍ؛ أضفَت عليه معنى الصاعقة البلاغية، وهي: كثافة المعنى وغزارته (دونَ غزارة الألفاظ)، ودقة الصورة (بصرف النظر عن موافقة الواقع!)، وجرأةِ الفكرة (بعرضها مجردةً من المداراةِ والتمييع). وفيما يلي سأعرضُ لك أمثلةً لهذه الصواعق:

(١) أسنة من التهديد 

هذا هو الحجاج بن يوسف الثقفي قتلَ الناس بتهديده ووعيده، قبل أن يقتلهم بحدِّه وحديده، وأزهقَ أرواحَهم وهي بعد في أجسامهم بما بثَّ فيها من الرعب، فقال يومَ توليه العراق: (إني لأرى رؤوسا قد أينَعت وحانَ قطافُها، وإني لصاحِبُهَا. والله لَكَأني انظر إلى الدماء بينَ العَمائِمِ واللِّحَى). ألَم تَرَ أن الرعب هو أحد الجنود التي سخرها الله لنصر بعض العباد على البعض، كما وردَ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ونُصِرتُ بالرعب مسيرةَ شهر. ولا غروَ أنَّ أناسا يستعملونَ الآلةَ في غير موضعها، كمن يستعمل السكين في تقطيع لحوم البشر دون لحوم الإبل والغنم!

 فجعلَ هذا السفاحُ يرسل بالرعب -عبر أثير الكلمات- صواعقَ تقتل الأنفسَ، دونَ أن تغادرَ مواضعها من الأجساد! تهديدٌ مكثَّف لا يحتاجُ بعده إلى مزيد كلام. فاستعارَ الثمارَ للرؤوس، حتى لَيُخَيَّل للسامع أنه يَرَى رؤوسًا متهدلةً فوق أغصان الشجر، قد نضجت وأينعت وصارَت دانيةً، تنتظر فقط يدًا تقطفها، فجاء الحجاجُ ليؤديَ هذا الدور! وقد اعتُبِرَ من أبلغ تعابير الوعيد السياسي. فهذا مثالٌ على الكلام المدمر. 

(٢) صواعق من التبيان والبلاغة

وقد تتأتى الصاعقة من الكلام؛ في كونه بليغا جدا، إلى حد الاستغناء به عن الكثير. فكل ما جاءَ منه كذلك؛ فهو من جوامع الكلم. وقد كان النبي صلى الله صاحب القدح المُعَلَّى في هذا الشأن، واختُصِرَ له الكلامُ اختصارا يحولُ دونَ بلوغِ غايته؛ إلا بالشروح الوافرة، والتفصيل الكثير. فتستطيعُ أن تستخرجَ من الجملة الواحدة فوائد لا تُحصَى، وفوقَ ذلك فهي لا تَخلَقُ بالتقادم، ولا تبلى بكثرة التعرض، بل على العكس، كلما مرَّ الزمان؛ بانَ لكَ من الفوائد ما لم يكن ظاهرا، فهو كالبحر الهادر غيرَ أن كل قومٍ لا يغترفونَ منه إلا على قدر آنيتِهم! انظر مثلا إلى قوله صلى الله عليه: لا ضررَ ولا ضِرَارَ. أو قوله: إنما الأعمال بالنيات. أو قوله: الدين النصيحة.. إلى غيرها. وحتى يتبينَ لك شيئا من بلاغتها؛ فحسبك أن تبحث في بعض كتب شرح الحديث؛ لتعلم أن كل واحد منها يقوم مقامَ السفر الكامل، وهو بضعُ كلماتٍ فقط! 

فمثلا؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: مَن أبطَأَ به عملُه لَم يُسرع به نسبه. فيا لله من بلاغة هذه الكلمة، والتي فهمها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فصاغَها بتعبيرٍ آخرَ لا يخلو من الحكمة، فقال: قيمةُ كل امرئ ما يُحسن. 

ومن هذا الجنس؛ ما يُعيدُ المعاني إلى نصابها الحقيقي، أو بعبارة أخرى؛ يعيد تعريف الأشياء بما يتفق مع حقيقتها. فبينا يخيل إلينا مثلا أن الإحسانَ مع الناس بصورة مطلقة لا استثناء فيها؛ من الحكمة وصواب الرأي، يأتي المتنبي ليلقي علينا قذيفةً أو صاعقةً بلاغيةً تقلب هذا التصور، وتحد المطلق ليكونَ من جنس الحكمة لا من جنس اللامبالاة أو قبول الدنية والهوان، فيقول:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته      وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدَا

فجعلَ إكرامَ اللئيم ضربًا من السذاجة، لأنه يبعثه على التمرد ومزيد من اللؤم. ونظيره أيضا قولُ الفِند الزِّماني:

وفي الشَرِّ نَجَاةٌ حينَ     لا يُنْجِيكَ إِحْسَانُ

وبَعْضُ الحِلْمِ عندَ الجَهْلِ     لِلذَّلَّةِ إِذْعَانُ

فكأنَّ الأبياتِ الخاليةَ تضع شَرطًا أخلاقيا في التعامل مع الناس، شَرطًا يعني الافتقارُ إليه قَدحًا لا في مَن نتعامل معه، ولكن في المُحسِن نفسه، لأنه لن يكونَ مقسطا حين يعطي اللئيمَ فُسحةً للتمرد! 

ومِمَّن لَانت له عَرائكُ البيان، وطُوِّعَت له الألفاظ تَطويعًا؛ سحبانُ وائلٍ الباهلي رضي الله عنه، حتى ضُرِبَ المَثلُ ببلاغته، فيقال: أفصح من سحبان وائل! ومن أقواله الجامعة في تعريف البلاغة: «الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل.» فأتى هذا التعريفُ على قلة ألفاظه؛ كثيرا في معناه، يعمل عملَ القاعدة، فهو مثمر أعلاه مغدق أسفله، يصنع ما يشبه الميزانَ اللغوي من كِفَّتَين متقابلتين. 

(٣) قذائف من الهجاء

أما إن ذهبنا إلى الهجاء؛ فهو بابٌ كبيرٌ لا نقدر على إحصاء الصواعق التي تتقاذف بين مِصراعَيه، وليسَ شيءٌ أدلَّ على معنى الصاعقةِ الكلاميةِ منه! فلا تفتأ تنظر إلى فريقين يتراشقانِ لا بالحجارة ولكن بالقنابل والصواعق! فكلاهما حريصٌ على إسقاط صاحبه، وتشويه صورته بما فيه وبما ليسَ فيه! كلاهما يسعى من خلال الهجاء إلى إيقاع الألَم النفسي والمعنوي في الطرف الآخر. وحسبك من صاعقةٍ؛ ما خرجَ من صاحبه وهو لا يروم من ورائه إلا صعق مَن أرسل الكلامَ إليه! ودعنا نستعرض طرفًا من ذلك:

(أ) كانَ الحطيئةُ رجلا هَجَّاءً سبابا

وبلغَ من رَهِق لسانه في ذلك؛ أنه لما لم يجد مَن يهجوه؛ هَجَا نفسَه! 

أبت شفتاي اليوم إلا تكلُّمًا           بشرٍّ فما أدري لمن أنا قائله

أرى لي وجهًا قبّح الله خلقه        فقُبِّح من وجهٍ وقُبِّح حامله

فكأنك بهذه الصاعقة الكلامية، تطالع تَنُّورا يغلي؛ فيأبى إلا أن يَنبَجِسَ كالبحرِ المَسجور وإن كانَ في وجه صانعه، طالمَا عُدِمَ المحلَّ القابلَ للانفجار! فهذا الرجلُ بلغَ من سوء الخُلق مبلغا عجيبا، لم يستحي أن يصفه وصفا بليغا! فكان كَمَن تعمل فيه قوة خفية تبعثه على التكلم بِشَرٍّ وسوء، ولعمري لستُ أراها إلا قوة الشيطان في نفسه أو قوةَ النفس في شيطانه! فجعلَ يسب وجههُ ويسمه بالقبح والدمامة، ولو أنصفَ لعزَى تلك الخِلالَ إلى نفسه التي بين جنبيه لا إلى شكله ومَلامحه!  وذاتَ مرةٍ تَمَيَّزَ به غيظُه؛ فأنفذَه صاعقةً كلاميةً بحق أحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الزبرقان بن بدر؛ فقالَ فيه: 

دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها        واقعدْ فإنك أنتَ الطاعمُ الكاسي

فَرَمَاه بسيفٍ لا بسهم، ولكن مودوعٍ في غِمدٍ يبدو محايدا، ومع ذلك فقد جرده من كل فضيلة؛ فكأنه قالَ له: أنت لستَ أهلا للمكارم أصلا! فدعكَ من طلب ما لستَ أهلا له، وحسبك أن تطلب طعامَك وشرابك كما تفعل الأنعام! ولما شكى الزبرقان ذلك لأمير المؤمنين عُمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، قامَ بحبسه. ومن داخل قضبان السجن بعثَ الحطيئةُ صاعقةً كلامية أخرى إلى عمر بن الخطاب، ولكنها صاعقة غير مدمرة، بل مستجدية مستعطفة، يتوسل إليه فيها بشميلةِ الرحمةِ التي كان يجمعها عمر على شميلة العدل. فلما بلغت قصيدته عمر، وكان مطلعها: 

ماذا تقولُ لأفراخٍ بذِي مَرَخٍ      زُغْبِ الحَواصِلِ لا ماءٌ ولا شَجَرُ

رَقَّ له عمر، وأمرَ بإطلاق سراحه ولكن بعد شرطين: أن يتجنب هذا الهجاءَ المقذعَ الفاحش، والثاني: أن يشتريَ منه أعراضَ المسلمين بِجُعلٍ من المال. 

(ب) وهذا هو الرافعي رحمه الله يرد على عباس العقاد رحمه الله بكتابٍ كامل؛ أودَعَه من العباراتِ ما لو قيلَ إنه سَلَخَ جلده وتركَه عظاما نخرة؛ لكانَ أقلَّ مما فعلَ به في الحقيقة! وإن كان هذا الوصف الذي ذكرناه هو بالضبط ما استعمله الرافعي نفسه، فوسَم كتابَه: (على السفود!). ورتَّبَ كتابَه فصولا، جعلَ على قارعة كل منها بيتين من الشعر، يقول فيهما:

وللسفود نارٌ لَو تَلَقَّتْ             بِجَاحِمِهَا حَديدًا ظُنَّ شَحمًا 

ويَشوِي الصخرَ يتركه رَمادًا       فكيفَ وقد رَميتُكَ فيه لَحمًا

(ج) أَمَّا الأخطلُ فإنه هَجَا جَريرًا وقومَه بذكر صفة البخل كأقبحِ ما تكونُ في قوم؛ فقال:

قومٌ إذا استنبحَ الأضيافُ كلبَهُم       قالوا لأمِّهمُ بولي على النارِ

فتُمْسِكُ البَوْلَ بُخْلاً أنْ تجودَ بهِ        وما تبولُ لهم إلا بمقدار 

فبينما كانَ الكرماءُ في القديم يشعلونَ النارَ في بيوتهم لتدلَّ الضيوفَ عليهم؛ فإن قومَ جريرٍ كانوا يربون الكلاب  لتنبحَ فتمنع الزوار، أو على الأقل تكون كجرس الإنذار يخبرهم أن قوما بالخارج يريدونَ الزيارة! وإذا اتفق أن كان في بيتهم نارٌ، ونبحت كلابهم على الأضياف؛ فإنهم يطلبون من أمهم أن تبولَ على النار لتطفئها، مخافةَ ألا تمنعهم الكلاب، ويتقدموا للزيارة! ولكن الأنكَى من ذلك؛ أن أمهم كانت أشدَّ بخلا منهم؛ فتضنّ حتى بالبول أن تخرجه إلا بمقدار! 

(د) واحتدمَ الهجاء بين قبيلتي الفرزدق وجرير، ولجَّ بينهما نحوا من أربعين عاما! ومن بين هذه الهجاءاتِ الكثيرة؛ قال جرير للفرزدق ذات مرة:

فَغُضَّ الطرفَ إنكَ من نُمَيرٍ     فلا كَعبًا بلغتَ ولا كِلابًا

فجعلَ غايةَ السُّبَّة؛ أن ينتسبَ امرؤ إلى قبيلةِ نُمَيرٍ! وهو سبٌّ صريحٌ دون أن يحملَ كلمةً واحدة تخرج عن حد الأدب! ولا تحسبنَّ الهجاء في مقولة جرير متوجها إلى اسم قبيلة الفرزدق، والتي تنسب إلى نُمَير بن عامر، فالمشكلة ليست في كونها اسما لحيوان النمر الذي صُغِّرَ فأصبح نُميرًا؛ فإن جريرا ينسب إلى قبيلة تدعى: قبيلة كُلَيب بن يَربوع؛ إلا أن يكونَ الكلب المصغر ابن اليربوع أفضلَ من النمر المصغر! ولكن جريرا جعلَ العارَ موكولا إلى أن تكونَ نُميريا، فالقبح فيها ذاتي، وحسبك من المذمة أن تكونَ منهم!  

(هـ) أما دعبل الخُزَاعي فقد أفرطَ في الهجاء، وطغى فيه حتى ألحَقَه بكل الناس عدا حفنةٍ يسيرةٍ هو منها! فأنشأ ذاتَ مرة: 

إنّي لأفتح عيني حين أفتحها      على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا

ولا يُخاطِرَنَّكَ أن الرجلَ كانَ أعمى فيفتح عينيه ولا يرى بهما! ولكن ربما استطردَه الغرورُ فبلغَ به أن يجعلَ الناسَ ليسوا في عداد البشر! 

(٤) صواعق من الردود المفحمة

وأحيانًا تخرج الصاعقة البلاغية في هيئة ردودٍ مفحمة، كأنها قذائفُ من الحق، لا يملك المُتلقي حيالها إلا الإذعان والتسليم، وإلا فالذوبانُ والتحطم! فترى طرفين يعتدي الأول على الثاني، فلا يلبث الثاني أن يرميه بصاعقةٍ تجعلُه يبدو أمامَ نفسه أصغَرَ من الذرِّ، وأحطَّ ممن اعتدى عليه في القدر، فيستحيلُ أحدهما في الآخر كما قالَ القائل: 

وَابنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزّ في قَرَنٍ    لمْ يستطعْ صولةَ البزلِ القناعيسِ

ومن أمثلة هذه الردود المفحمة:

(أ) ما كان من أمر إبراهيم عليه السلام مع النمرود، حين قالَ له الأخير: {أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب فبُهِتَ الذي كفر}. فالرد المفحم هنا هو ما لا قبل للمرء بالرد عليه، فكأنه يقطع سلسلةَ الأخذ والرد عند نقطة تتوقف عندها السلسلة. 

(ب) في إحدى حوانيت بغداد؛ رأى الجاحظ سيدةً دميمة، فكأنه اشمأز من شكلها، فقرأ قولَ الله تعالى: وإذا الوحوش حشرت! ولكن المرأةَ كانت سريعة البديهة مشبوبةَ القريحة؛ فأجابَته بآيةٍ من القرآن أيضا: وضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلقَه! فكأنما ألقَمَته حجرا! 

(ج) وحكي عن أستاذ جامعي دخل المدرج في أول يوم دراسي، فقال للطلبة: من أي الأعوام أنتم، إن البقر تشابَه علينا! فما راعَه إلا جواب واحد من الطلبة يقول له: كذلك كنتم من قبل فَمَنَّ الله عليكم! 

(د) وقيل إن برناردشو الكاتب قال له كاتب مشهور آخر: أنا أفضل منك، لأنك تكتب بحثا عن المال، بينما أنا اكتب بحثا عن الشرف. فقال له جورج: صدقت، كل منا يبحث عما ينقصه! 

إن محاولةَ استقصاء أهمية الكلمة، وتخير ما هو منها كالصواعق في تأثيره؛ قريبٌ من الاستحالة، وقد طالَ المقالُ جدا ونحن بَعدُ أمامَ الباب! وما ولَجنا قيدَ شبرٍ في فناء هذا الدار. وحسبنا ما ذكرناه حتى اللحظة، ولعلنا نستأنف الحديثَ في مقالٍ لاحق إن شاء الله. 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Abdelhameed Moustafa تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

2

متابعهم

3

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.