أصنام المجتمع: كيف تتحول الأفكار إلى سلطة داخل عقولنا
إعادة قراءة نفسية واجتماعية لكتاب عبد الجليل الطاهر عن التعصب والنفاق وصناعة الوعي
«لا يمكن أن يتكون صنم اجتماعي عن طريق حرية الرأي والتعبير،
والمناقشة، والجدل، والإقناع، والاعتقاد،
وإنما باستعمال القوة والزجر،
والدعاية الكاذبة والتزكية،
والسلوك الحرباوي الرعراعي
يضع عبد الجليل الطاهر في كتابه «أصنام المجتمع» يده على واحدة من أكثر المشكلات تعقيدًا في حياة الجماعات: كيف تتحول بعض الأفكار والأشخاص والقيم إلى سلطات ذهنية تفرض حضورها على الإنسان، حتى يصبح نقدها أمرًا شديد الكلفة اجتماعيًا ونفسيًا.
الصنم عند الطاهر مفهوم اجتماعي واسع؛ يدخل فيه التعصب، والنفاق، والتقاليد الجامدة، والأفكار الموروثة، والسلطات التي تستمد قوتها من قبول الناس بها.
وتزداد أهمية هذه الفكرة عندما ننظر إليها من علم النفس الاجتماعي. فالإنسان يتعلم منذ طفولته ما الذي ينبغي احترامه، وما الذي يستحق الرفض، ومن الذي يجوز نقده، وما الرأي الذي يضع صاحبه في مواجهة الجماعة. تتراكم هذه الأحكام داخل الوعي ، حتى يصعب أحيانًا التمييز بين القناعة التي تشكلت بالبحث والقناعة التي تشكلت بالتكرار.
الطاهر يلفت النظر كذلك إلى شبكة الحماية التي تحيط بالأصنام الاجتماعية. فالصنم يحتاج إلى أتباع يروجون صورته، وسدنة يبررون وجوده، وخطاب يضخم مكانته، وإشاعات تظهر خصوصًا في لحظات الأزمات عندما تتعرض مكانته للاهتزاز. هنا تتحول الإشاعة إلى أداة نفسية لضبط الجمهور، لأنها تمنح الناس تفسيرًا سريعًا للأحداث وتعيد توجيه انتباههم بعيدًا عن الأسئلة الأكثر إزعاجًا.
1. الصنم الاجتماعي يبدأ حين تتوقف الفكرة عن قبول
أظهرت تجارب سولومون آش أن الفرد قد يساير رأي الأغلبية حتى عندما تكون الإجابة الصحيحة واضحة أمامه. ضغط المجموعة يستطيع التأثير في الحكم، خصوصًا عندما يشعر الفرد أن الاختلاف سيجعله معزولًا عن محيطه.

هذا الجانب يساعد على فهم استمرار بعض الأفكار القديمة. الإنسان يحتاج إلى الانتماء، ولذلك قد يفضل الاحتفاظ بعلاقة مستقرة مع الجماعة على الدخول في مواجهة مستمرة معها. ومع تكرار المسايرة، يتحول السلوك إلى عادة، وتتحول العادة إلى قناعة تبدو لصاحبها طبيعية.
2. الإشاعة حين تصبح وسيلة لحماية السلطة
يربط الطاهر بين الأزمات وازدياد حضور الإشاعات، وهي ملاحظة تجد سندًا في علم النفس الاجتماعي. درس غوردون ألبورت وليو بوستمان انتشار الإشاعة، وربطا قوتها بأهمية الموضوع ودرجة الغموض المحيط به. كلما كان الحدث مهمًا والمعلومات المتاحة قليلة، ازدادت مساحة الروايات غير الموثقة.
تستفيد الأصنام الاجتماعية من هذه البيئة. عند اهتزاز صورة شخص أو مؤسسة أو فكرة، تبدأ الروايات البديلة في الظهور، وقد تحمل اتهامات أو مبالغات أو قصصًا عاطفية تستهدف المشاعر أكثر مما تستهدف العقل. سرعة انتشار الرواية تمنحها مظهر الحقيقة، رغم أن كثرة الترديد لا تضيف شيئًا إلى قيمة الدليل.
وتؤدي الإشاعة وظيفة أخرى أكثر خطورة: تشتيت الانتباه. بدل أن يبقى السؤال موجهًا إلى أصل المشكلة، يتحول النقاش إلى تفاصيل جانبية وأشخاص فرعيين وتفسيرات مثيرة. هكذا يمكن للرواية المتداولة أن تحمي مركز السلطة حتى من
دون تعليمات مباشرة من أصحابها.
3. المؤسسات التي تعيد تشكيل الوعي
تتسع دائرة الصنم عندما تدخل المؤسسات في إنتاج صورته. المدرسة تنقل المعرفة والقيم، والإعلام يحدد مساحة الاهتمام العام، والمؤسسات الثقافية تمنح بعض الأفكار شرعية رمزية، والخطاب السياسي يعيد ترتيب المفاهيم وفق مصالحه.
تتصل هذه الفكرة بمفهوم السلطة الرمزية عند بيير بورديو. بعض أشكال السلطة تعمل من خلال اللغة والتصنيفات الاجتماعية، فتجعل رؤية معينة للعالم تبدو طبيعية. عندما يعتاد الناس استعمال المفردات نفسها، قد يتبنون معها الأحكام الموجودة داخلها دون وعي كامل.
4. حدود الموضوعية وإمكانية التحرر
يصل الكتاب إلى سؤال أكثر عمقًا: هل يستطيع الإنسان التخلص من الأصنام والتحيزات والوصول إلى معرفة موضوعية كاملة؟
المشكلة أن الإنسان يولد داخل بيئة اجتماعية تسبقه. اللغة جاهزة، والعادات موجودة، والتصنيفات الثقافية مستقرة، والأسرة تقدم له تفسيرًا مبكرًا للعالم. يدخل الفرد مرحلة التفكير النقدي بعد سنوات طويلة من اكتساب هذه المؤثرات.
لهذا تصبح الموضوعية ممارسة مستمرة أكثر من كونها حالة نهائية. يستطيع الإنسان فحص مصادر أفكاره، ومراجعة انحيازاته، والبحث عن الأدلة المخالفة لرأيه، ومقارنة الروايات المتنافسة. يستطيع أيضًا أن يسأل سؤالًا بالغ الأهمية: من الذي يستفيد من بقاء هذه الفكرة، ومن الذي يدفع ثمنها؟
خاتمة
إعادة قراءة الكتاب اليوم تكشف أن المسألة ما زالت حاضرة بأشكال جديدة. تغيرت وسائل التأثير، وتغيرت سرعة انتشار الأفكار، وظهرت منصات قادرة على صناعة الشهرة والنبذ خلال ساعات، بينما بقي السؤال القديم حاضرًا: هل نختار أفكارنا بعد فحصها، أم نعيش داخل أفكار اختارتها لنا الجماعة قبل أن نمتلك القدرة على مساءلتها؟