منهك لكن بلا سبب واضح: حين يكون الإرهاق ذهنيًا لا جسديًا

الحالة: منهك لكنني أحاول فعل الأفضل.هكذا يمكن وصف حال معظم البالغين، ومن هم في طور البلوغ، في أيامنا الحالية. الجميع يشعر بالتعب، ومع ذلك تبدو صحتهم الجسدية جيدة إلى حدٍّ ما.قد يلقي البعض باللوم على نقص فيتامين د باعتباره السبب المباشر لهذا الإرهاق المستمر، وبعد زيارة الطبيب وإجراء التحاليل اللازمة، يكتشف أن هذا الفيتامين بريء من كل الاتهامات، لتبدأ رحلة البحث عن متهم آخر نعلّق عليه أسباب التعب.
لماذا لا نجد سببًا جسديًا للإرهاق؟
تكمن المشكلة غالبًا في الضبابية؛ فعندما لا نفهم السبب، يزداد القلق.حين نقول إن شخصًا ما مريض، يتبادر إلى أذهاننا المرض الجسدي: آلام العظام، ارتفاع ضغط الدم، السكري، وغيرها من الأمراض التي يمكن تشخيصها بسهولة عبر الفحوصات الطبية وفهم الأعراض.لكن حين لا يظهر أي سبب جسدي واضح، تتجه أنظارنا إلى الأسباب النفسية.
بين الحزن العابر والاضطرابات النفسية
وللأسف، ما زالت مجتمعاتنا في طور التعلّم والتأقلم مع الفهم الصحيح للاضطرابات النفسية، فنجد صعوبة في التفرقة بين الاكتئاب والحزن العابر، أو بين القلق الطبيعي والإرهاق المزمن.وفي خضم هذا الالتباس، قد نلجأ إلى أي نصيحة عشوائية نجدها في مقطع مصوّر على الإنترنت، وهو ما قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج غير محمودة.
ما هو الإرهاق الذهني؟
هنا يظهر جانب آخر لا يقل أهمية، وهو الإرهاق الذهني.
الإرهاق الذهني ليس مرضًا بالمعنى التقليدي، بل هو حالة يصل فيها العقل إلى درجة من الإنهاك تجعله عاجزًا عن اتخاذ القرارات أو الاستمرار في التفكير بوضوح.
تنشأ هذه الحالة غالبًا بسبب ضغوط اجتماعية، أو عاطفية، أو تراكم مشكلات لم تجد مساحة كافية للفهم أو التفريغ، فيشعر العقل وكأنه يطالب بالراحة، حتى وإن بدا الجسد بخير.
التفريغ الذهني: حين تساعدنا الكتابة على الفهم
قد يساعد أحيانًا أن يمسك الشخص قلمًا وورقة، ويبدأ بسرد كل ما يدور في ذهنه دون ترتيب أو تجميل.هذا النوع من التفريغ الذهني، أو ما يشبه العصف الذهني، يساهم في ترتيب الأفكار ورؤية المشكلات بشكل أوضح.وعندما نرى المشكلة مكتوبة أمامنا على ورق، ندرك في كثير من الأحيان أنها ليست بالحجم الذي صوّره لنا عقلنا المرهق.

لماذا لا يهدأ العقل أثناء الراحة؟
ربما حاولت الجلوس في صمت لبضع دقائق، أو حتى لساعات، بهدف إراحة عقلك، لكنك وجدت نفسك فجأة في دوامة من الذكريات، وأحلام اليقظة، أو تخطيط مشاريع مؤجلة، رغم أن الوقت مخصص للراحة.
شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ (DMN)
يطلق العلم على هذه الحالة اسم شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ (Default Mode Network – DMN).تنشط هذه الشبكة عندما يكون الجسد في وضع الراحة، فيقل التركيز على المهام الجسدية، بينما يبدأ العقل في العمل المكثف: استرجاع الماضي، تخيّل المستقبل، وتحليل ما لم يُحل بعد.ولهذا قد نشعر بأننا متعبون ذهنيًا، حتى في أوقات يفترض أنها مخصصة للاسترخاء.
هل يمكن تهدئة التفكير المفرط؟
إلى جانب التدوين، يمكن أن تساعد تمارين اليقظة الذهنية في تهدئة هذا النشاط العقلي المتواصل، ليس بهدف إيقاف التفكير تمامًا، بل لمراقبته دون الانجراف معه.
الرأفة بالنفس ليست ضعفًا
أعلم أن التوقف عن التفكير المفرط ليس أمرًا سهلًا، وأن طريق التعافي قد يكون بطيئًا ومتعرجًا.لكن ما تمرّ به طبيعي، حتى وإن كان مرهقًا.وبما أنه صعب، فأنت بحاجة إلى الرأفة بنفسك قبل أي شيء، وتجربة ما قد يخفف عنك ولو قليلًا من حدة قلقك.ودمتم بخير.
للمزيد من المصادر
بحث عن شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ (DMN):
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC10524518/
عن متلازمة الإرهاق الذهني
https://www.healthline.com/health/mental-exhaustion#What-is-mental-exhaustion
فيديو جابور ماتيه: