الشعر الجاهلي كله غنائي، يتمثل في وجدان الشاعر وما يجيش فيه من انفعالات متنوعة

الشعر الجاهلي كله غنائي، يتمثل في وجدان الشاعر وما يجيش فيه من انفعالات متنوعة

Rating 5 out of 5.
1 reviews

الشعر الغنائي

من المعروف أن الشعر العربي في الجاهلية اختلف عن ضروب الشعر الغربية وما تمثل فيها من جوانب قصصية، وتعليمية، وتمثيلية، ولكنه اقترب من الشعر الغنائي الذي يعبر عن ذات الشاعر وأهوائه وعواطفه، وما يجول بنفسه من أفراح وأحزان، هادفاً إلى إثارة أحاسيس ومشاعر مماثلة عند القراء.

image about الشعر الجاهلي كله غنائي، يتمثل في وجدان الشاعر وما يجيش فيه من انفعالات متنوعة

والشعر الجاهلي كله غنائي، يتمثل في وجدان الشاعر وما يجيش فيه من انفعالات متنوعة، أسهمت إلى مدى بعيد في تنوع ألوانه، تبعا للعاطفة التي بعثت عليه، فالمديح مثلاً صدى للإعجاب، والهجاء تعبير عن السخط، والرثاء تنفيس مستمرة بشكلها التقليدي في إطار واحد، حتى عند الشعراء المحدثين، وإن حاول بعضهم التجديد والبحث عن أطر أخرى تظهر واضحة في الزجل والشعرالعامي، مغيرين بذلك فلسفتهم الفنية تغييرا جوهرياً، لينتقلوا من جماليات الشعر العربي الغنائي القديم، إلى جماليات التجربة والفكر الفعال.

نحن لا نغالط أنفسنا إذا قلنا أن الشعر العربي في الجاهلية كان كله شعراً غنائياً، وكان الشعراء يغنون أشعارهم، فالمهلهل بن ربيععة عنى شعره، ومنه قصيدته:

طفلة ما ابنة المحلل بيضا *** ءُ لعوب لذيذة في العناق

كما تغنى امرؤ القيس وعبر عن إعجاب النسوة بصوته في قوله:

يرعن إلى صوتي إذا ما سمعنه *** كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسا

وقد صحب غناء الشعراء لأشعارهم استعمال بعض الآلات الموسيقية المعروفة باسم الصنج أو المزهر أو الدف، كما كانت تنشده القيان أحياناً، وقد ورد ذكر بعضها في الأشعار، كقول الأعشى في معلقته:"

ومستجيب تخال الصنع يسمعه *** إذا ترجع فيه القينة الفضل

ومعنى ذلك أن الشعر الجاهي ارتبط بالغناء والموسيقى اللذين عدا أساساً لتعليمه، يقول حسان بن ثابت:

تغن بالشعر إما كنت قائله *** إن الغناء لهذا الشعر مضمار

مؤكداً اعتماد الشعر على الغناء والألحان والترنيمات، وذكر أن الأعشى أكثر من تغني بشعره حتى لقب بصناجة العرب، وربما يرجع ذلك إلى استعمال الصنج.

وإذا حاولنا دراسة الشعر الجاهلي دراسة تحليلية نلحظ ظهور أثر الغناء والموسيقى واضحا في القافية، وصور الأوزان المتنوعة، تلك التي تميز بها الشعر الجاهلي. كما نلحظ أن هذا الغناء كان له أسسه وتقاليده فقد عرف الشعراء منه ألواناً مختلفة (النصب – السناد – الهزج) " فأما النصب فغناء الركبان والقينات وهو الذي يستعمل في لمراثي، وكله يخرج من أصل الطويل في العروض، وأما السناد فالثقيل ذو الترجيع الكثير النغمات والنبرات، وأما الهزج فالخفيف الذي يرقص عليه ويمشي بالدف والمزمار فيطرب ويستخف الحليم".

وقد ظل الشعر مرتبطا بالغناء حتى أواخر العصر الجاهلي، حيث أخذ بعض الشعراء في الاكتفاء بإنشاده عوضا عن التغني به.

ومن تتبعنا للشعر الغنائي نجد أنه أخذ في النمو في العصر الأموي وبخاصة في بيئة الحجاز، وتطورت موسيقاه فقل النظم على الأوزان الطويلة من مثل الكامل والبسيط والطويل، وكثرت أوزان أخرى من مثل المديد والوافر والسريع والخفيف والرمل والهزج والمتقارب من ذلك صوت ابن سريج.

قل لهند وتربها            ***  قبل شحط النوى غدا

أن تجودي فطالما  *** بت ليلي مسهدا

ومنه أيضا صوت من مجزوء الوافر:

أليست بالتالي قالت ***  لمولاة لها ظهرا

أشيري بالسلام له   ***  إذا هو نحونا خطرا

وإذا كان الشعر قد ارتبط بالغناء فإن الشعراء وجدوا حاجتهم ملحة لتعلمه، وكذلك رأى المغنون الحاجة ماسة ليس فقط لتعلمه بل لاتخاذه صناعة، ومنهم سلامة القس التي غنت في مرثية لها تنعي بها يزيد بن عبدالملك:

قد لعمري بت ليلي  *** كأخي الداء الوجيع

ونجي الهم مني        *** بات أدنى من ضجيعي

وقد حاول البعض في العصر العباسي التجديد في أوزانه وقصر الطويل منها على الشعر التقليدي، واستحداث أوزان جديدة من مثل المتدارك الذي نلمسه في قول أبي العتاهية:

هم القاضي بيت يطرب *** قال القاضي لما طولب

ما في الدنيا إلا مذنب     *** هذا عذر القاضي واقلب

وقد كان ولوعا بهذه الأوزان القصيرة التي ارتبطت بالغناء العباسي وما يتطلبه من أوزان جديدة.

وظل الشعر الغنائي يتطور في أوزانه ليلائم الغناء وروح العصر الذي يوجد فيه، حتى يصل إلى عصرنا الحديث فنجد القصيدة الطويلة تعد حلقة التطور التي ينتهي إلى عندها الشعر الغنائي، بعد أن ترك بدايته الغنائية العاطفية وتطور وفقاً لتطور الحضارة، ودخل فيه العنصر الفكري كما تجمعت فيه صفات القصيدة الغنائية الفكرية (الأنشودة).

وقد أحس الشعراء في العصر الحديث بحاجتهم إلى هذا النوع الشعري ليغيروا (فلسفتهم الفنية تغيييرا جوهريا، حتى ينتقلوا من جماليات الشعر العربي الغنائي القديم، إلى جماليات التجربة و(الفكر الفعال)، وما يصحب ذلك من تغيرات جوهرية في الإطار والتكوين).

وإن كان بعض الشعراء قد احتفظ بالجانب التقليدي. إلا أن بعضهم قد أحدث تغييرات في الوزن والقافية، وهما العنصران التقليديان في الشعر القديم.

ومن الشعراء الذين احتفظوا بالجانب التقليدي شوقي وحافظ وكلاهما احتفظ بالجوانب الشكلية، وعمد إلى تكوين الأبيات ذات الوقع الموسيقي الرنان، ويظهر ذلك في قصيدة شوقي::

دستورهم عجب الدنيا وشاعرهم  ***     يد على خلقه لله بيضاء

ما أنجبت مثل شكسبير حاضرة        ***    ولا نمت من كريم الطير غناء

نالت به وحده إنجلترا شرفاً             ***     ما لم تنل بالنجوم الكثر جوزاء

لم تكشف النفس لولاه ولا بليت     ***    لها سرائر لا تحصى وأهواء

شعر من النسق الأعلى يؤيده     ***   من جانب الله إلهام وإيحاء

ومن الشعراء الذين تخلصوا من رواسب القصيدة التقليدية فغيروا في أشكالها وصورها الفنية، وحققوا في أشعارهم تطورا جديدا : نازك الملائكة وصلاح عبدالصبور، إذ تسيطر الفكرة في أشعارهم على وحدات القصيدة لتجعل منها كلا متماسكاً، وبنا ءفكريا متكاملا، كما تبدو فيهما فلسفة في استخدام الكلمة وفي تكوين الصورة .

ونلمح ذلك في قصيدة لنازك الملائكة بعنوان النهر العاشق:

 

أين تعدو وهو قد لف يديه

حول أكتاف المدينة

إنه يعمل في يبطء وسكينة

ساكباً من شفتيه

قبلا طيينية غطت مراعينا الحزينة

comments ( 0 )
please login to be able to comment
article by
articles

279

followings

603

followings

6663

similar articles
-