في هذا المقال
دعنا نتفق في بداية هذا المقال على شيء واحد، وهو أن هدفنا جميعًا من تنظيم وقتنا وحياتنا بصفة عامة هو تحسين جودة هذه الحياة.
يعني أن المهام التي عليها أن تأخذ من وقتك أكثر هي المهام التي تُحدث فرقًا كبيرًا في حياتك، والتي تصنع أثرًا يمكن ملاحظته، وليس أي مهمة فقط لتحشو بها يومك؛ لذلك فإن تحديد أولوياتك أمر مهم للغاية، بل هو أهم خطوة في تنظيم الوقت. ولذلك، اليوم سوف نشرح مصفوفة أيزن هاور لإدارة المهام، أو الجيل الرابع لتنظيم الوقت، كما يسميها مؤلف كتاب «الأشياء الأولى أولًا»، وصدقني أنه أفضل نظام في العالم لإدارة المهام. أنا لن أخبرك ما هي المهام التي تستحق وقتك تحديدًا، ولكن مصفوفة أيزن هاور سترسم لك الطريق وتعطيك المعيار الذي يجب أن تحكم بواسطته، ومن خلاله سيشتعل النور في عقلك تلقائيًا، وسوف تصبح واعيًا لكيفية تسيير وقتك؛ لذلك، دون مقدمات طويلة، أحضر ورقة وقلمًا، فقد تحتاج إليهما، ودعونا ننجز مهمتنا.
فكرة مصفوفة أيزن هاور بسيطة نوعًا ما، لكنها تصيب الهدف مباشرة. الفكرة هي تقسيم كل المهام اليومية إلى أربعة أنواع (مهام مهمة، ومهام غير مهمة، ومهام عاجلة، ومهام غير عاجلة)، وبهذه الخانات الأربع تتقاطع لتشكل أنواعًا من المهام. وإذا لم تفهم، فبعبارة أخرى، لدينا أربعة أنواع من المهام: المهام المهمة والعاجلة، والمهمة لكن غير العاجلة، والمهام غير المهمة والعاجلة، والمهام غير المهمة وغير العاجلة. والآن سأعطيك مثالًا لكل نوع.

أولًا، لدينا المهام المهمة والعاجلة:
وهي المهام التي تكون فعلًا مهمة، ولكنها إجبارية؛ أي إنها مربوطة بزمن معين، لا يمكنك فعلها متى تشاء. وأفضل مثال هو المدرسة؛ فالدوام في المدرسة مهم وعاجل، ويجب أن يتم القيام به في موعده دون تأجيل. وأيضًا العمل يندرج تحت المهم والعاجل؛ فلا بد من أن تذهب إلى العمل، ولا بد من أن تقوم بذلك في وقته، ولا يمكن تأجيله. امتحان غدًا وأنت لم تدرس، أو تسليم بحث اليوم، أو موعد مهم بعد ساعة. هذه هي الأمور المهمة والعاجلة.
ثانيًا، لدينا خانة المهام المهمة وغير العاجلة:
هي أمور مهمة تمامًا مثل الأولى، ولكن الفرق أنها ليست فورية وإجبارية، وليست محصورة في زمن محدد. وأفضل مثال هو الرياضة؛ فالرياضة مهمة، ولكنها غير عاجلة، ويمكنك القيام بها في أي وقت تريده. تعلم مهارات معينة، وتعلم لغة ما، والعمل على مشروعك الخاص، وقراءة كتاب، وغيرها من المهام التي هي مهمة فعلًا، ولكنها غير عاجلة ويسهل تأجيلها.
ثالثًا، لدينا المهام غير المهمة والعاجلة:
هي أشياء تكون طارئة، وأحيانًا مفاجئة، ولكن ليس لها أهمية، مثل الرد على الرسائل وبعض المكالمات والطلبات التي تأتيك فجأة. وهي غالبًا مهام قليلة جدًا، ليس لها أهمية، ولكنها تكون طارئة.
وأخيرًا، لدينا المهام غير المهمة وغير العاجلة:
وهذه واضحة وضوح الشمس؛ فهي أشياء غير مهمة وغير عاجلة، يمكن تأجيلها وعدم القيام بها وتجاهلها، مثل جلسة تمرير الشاشة على تيك توك، أو مشاهدة فيلم ما، أو لعبة فيديو، والقائمة تطول وتطول، وهي أشياء معروفة.
والآن، بعد أن قسمنا المهام إلى أربعة أنواع، أريد أن أسألك سؤالًا: ما هي، برأيك، المهام التي تستحق أكبر قدر من وقتك؟
إذا كنت ستقول إنها المهام المهمة والعاجلة، فدعني أخبرك أنك مخطئ؛ إنها ليست الأهم. وإذا كنت ستقول لي: المهمة وغير العاجلة، فأهلًا وسهلًا بك. إذا كانت هناك فعلًا أشياء ستضيف أثرًا كبيرًا إلى حياتك، فهي تلك المهام التي يسهل تأجيلها. أعتقد أن الموضوع لا يحتاج إلى الكثير من الشرح؛ فقط تخيل معي لو أن معظم وقتك كان مخصصًا للمهام المهمة غير العاجلة. تخيل كيف أن هذا سوف يغير حياتك جذريًا. تخيل أن معظم وقتك تصرفه على تعلمك لغة جديدة، والعمل على مشروعك الخاص، وممارسة الرياضة، والمذاكرة. الأشياء المهمة والعاجلة تستنزف وقتًا، وهي ضرورية لأنها أساسية؛ لتجعلك في مستوى إنسان عادي متوسط. ولكن إن أردت أن تكون أفضل من إنسان متوسط، وترفع جودة حياتك، فلا بد من أن تخصص الوقت للأشياء التي لا يريد أحد أن يخصص لها وقتًا. فأنا، بالنسبة لي، العمل على المقالات يُعتبر نشاطًا مهمًا وغير عاجل، وتخصيص الوقت له سيؤثر على حياتي بشكل كبير. وأنت، على سبيل المثال، لنقل إنك تود تعلم الإنجليزية، وبطبيعة الحال هي مهمة وغير عاجلة. لو خصصت لها ساعة فقط من يومك لتدرسها، ستحترفها في سنة واحدة فقط. تعتبر هذه المدة لا شيء، لكنها تُحدث فرقًا هائلًا في حياتك. يا رجل، لو قرأت خمسة عشر صفحة فقط من كتاب كل يوم، ففي سنة سوف تتغير طريقة تفكيرك كليًا. ولو مارست الرياضة لساعة واحدة أو حتى أقل، فسيكون لها فائدة صحية عظيمة على المدى الطويل.
والمفارقة العجيبة كذلك هي أن هذه المهام تقلل من الأشياء العاجلة مستقبلًا. فمثلًا، المذاكرة ومراجعة الدروس ليستا من المهام العاجلة، ولكن عندما تتراكم تصبح عاجلة.
لذلك، لو أنك خصصت وقتًا أكثر للمذاكرة، فلن تصبح عاجلة مستقبلًا. ولكن معظم الناس يقضون وقتهم في الأشياء المهمة والعاجلة، والأشياء غير المهمة وغير العاجلة. فتجده يداوم في المدرسة، ويذهب إلى العمل، ولا يذاكر إلا عندما لا يتبقى الكثير على الامتحان. وبعد الانتهاء من المهم والعاجل، يتوجه إلى غير المهم وغير العاجل، سواء تصفح تيك توك، أو لعب، أو مشاهدة فيلم، إلى آخره. ولهذا تجد المستوى المتوسط في كل مكان؛ فحيثما تنظر، سوف ترى ناسًا عاديين ومتوسطين؛ لأنه لا أحد يريد أن يقوم بما يجب فعلًا القيام به، لأنه ببساطة ليس ممتعًا أبدًا.
مصفوفة أيزن هاور توضح أيضًا كيف تتعامل مع باقي الخانات وأين تضعها. بالنسبة إلى المهام المهمة والعاجلة، فعليك أن تنفذها مباشرة، وهذا إذا لم تكن مجبرًا على القيام بها أصلًا. عندما تحدد الأشياء العاجلة والمهمة، عليك أن تنفذها مباشرة قبل أي شيء آخر. هل لديك مشروع تسلّمه غدًا أو امتحان يحتاج إلى المذاكرة؟ أنجز ذلك مباشرة، واحرص على ألا يأخذ قدرًا أكبر مما يحتاج إليه.
أما بالنسبة إلى المهام المهمة وغير العاجلة، فهذه عليك أن تخطط لها. حدد ما هي الأشياء المهمة بالنسبة إليك، والتي غالبًا ما تؤجلها لأنها غير محصورة في وقت معين. هل تريد ممارسة الرياضة أو العمل على مشروعك الخاص؟ خطط لها لمدة أسبوع على الأقل، وضع لها موعدًا محددًا؛ لأن هذه الخانة هي أساس التطور الشخصي الذي سيُحدث أثرًا كبيرًا في حياتك. هذه الأشياء لا تصرخ عليك الآن، ولذلك يسهل تأجيلها، لكنها هي التي تصنع نتائجك على المدى الطويل.
أما بالنسبة إلى المهام غير المهمة والعاجلة، فحاول التخلص منها قدر الإمكان؛ فهي الأشياء التي تشعرك بالانشغال، ولكنها لا تضيف شيئًا يُذكر إلى جودة حياتك. بعض الرسائل والمكالمات الفائتة وأشياء من هذا القبيل؛ تخلص منها في أسرع وقت، وتجنبها إن أمكن.
أما بالنسبة إلى المهام غير المهمة وغير العاجلة، فلا تقم بها حتى تنهي كل ما سبق؛ فهي آخر ما يأتي في الأولوية. حاول التقليل منها أو حتى حذفها إن أمكن. وإن اتبعت هذا التسلسل في إدارة مهامك، فسيصبح وقتك أسهل في التعامل، وأكثر مرونة ووضوحًا بشكل شبه مؤكد.
فمثلًا، لنقل إنك حددت مهامك كالآتي: الدوام في المدرسة، والمذاكرة، وتسليم بحث غدًا، وممارسة الرياضة، والعمل على مقال، والرد على رسائل أصدقائك. كيف سيتعامل الشخص العادي مع هذه القائمة؟ سيدوام في المدرسة، وعندما ينتهي سيعمل على البحث لأن موعد تسليمه غدًا، ثم سيرد على رسائل أصدقائه، ومنها سيجد نفسه غارقًا في وسائل التواصل الاجتماعي، أو يقرر أن يرتاح ويشاهد فيلمًا أو يلعب لعبة، إلى آخره.
لكن من يستعمل مصفوفة أيزن هاور ويفهمها جيدًا، فسيبدأ اليوم بالدوام في المدرسة، وبعدها العمل على البحث لتسليمه غدًا. الفرق أنه بعد أن ينتهي من المهم والعاجل، سيتوجه إلى المذاكرة، وبعدها سيمارس الرياضة، ومن ثم سيعمل على المقال، وأخيرًا سيرد على أصدقائه، وحينها سيفكر فيما إذا كان سيرفّه عن نفسه أم لا.
ربما قد ترى أن هذه المهام كثيرة ومضغوطة، ولكن لا يُشترط أن يكون الوقت المخصص لكل مهمة طويلًا، ولا يُشترط أن تقوم بها جميعًا في يوم واحد؛ يمكنك توزيعها على أسبوع كامل. وبهذا النظام ستُحدث فرقًا كبيرًا في حياتك. كل ما عليك الآن هو أن تطبقه. ستحتاج إلى بعض الإرادة لتتمكن من المواصلة، وهذا هو الثمن الذي ستدفعه إن كنت فعلًا تريد إحداث فرق هائل في جودة حياتك.
وإلى هنا يكون قد انتهى هذا المقال. خلاصته أن لدينا جميعًا أربعة أنواع من المهام، علينا أن ننظمها ونتعامل معها بالطريقة الصحيحة، وأن أهم خانة للتطور الحقيقي هي تلك التي تضم الأشياء المهمة التي لا تكون طارئة ويسهل تأجيلها. وكما قال حكيم ذات مرة: «أهم شيء تقوم به في يومك هو ذلك الذي يجعلك تشعر بالرضا عن نفسك في نهاية اليوم».
تابع جديد Khaled khaled
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق