الطريقة المثالية لتنظيم و إدارة الوقت

جميعًا قد مرت علينا تلك المرحلة التي نرغب فيها أن نصبح جادين أكثر في إدارة وقتنا.
أن ننظمه، ونقوم بمهامنا اليومية بكفاءة وأن نتمها، لكن الخطأ الفادح الذي يرتكبه معظم الناس هو استخدام الطريقة الشائعة لتنظيم الوقت. حيث يصنعون جدولًا ويحددون الفترات الزمنية والأيام ويبدأون بملء الخانات بالمهام التي يريدون إنجازها. وهل أحتاج أن أخبرك أن هذه الطريقة غير عملية بتاتًا؟ سرعان ما ستنهار ويستحيل أن تكمل بنفس البرنامج، والنتيجة أنك ستستسلم يا صديقي.
الخطأ ليس أنك إنسان فاشل، بل لأنك حصرت نفسك بين قوالب زمنية لا يمكنك أن تلتزم بها. هذا النظام لا يراعي ظروفك أبدًا. مثلًا، لنقل إنك قررت أن تدرس الفيزياء من الساعة الثانية حتى الرابعة، وعندما حان الوقت حصل ظرف طارئ كأن يناديك والدك لتساعده بأمر عاجل، مرت الساعة الثانية وأنت لم تدرس، ومنه سينهار جدولك الزمني وتتشتت. إضافةً إلى ذلك أنك لست روبوتًا، عقلك لا يعمل هكذا يا صديقي. لا يمكنك ببساطة أن تقول له: على الساعة العاشرة سننجز كذا، وعلى الساعة الثانية سأستريح، وعلى الساعة كذا سننجز كذا، نظام بدائي جدًا وغير عملي. كما قرأت في عنوان المقال، اليوم سأعرفك على الطريقة الصحيحة لإدارة الوقت، وهذه الطريقة يستخدمها معظم المشاهير مثل إيلون ماسك وبيل جيتس، وهو النظام المعروف باسم (Time-Boxing). لكن قبل أن نشرح النظام، هناك نقطتان مهمتان يجب أن تضعهما في ذهنك.

أولًا: أنت تملك وقتك الشخصي:
ما معنى هذا؟ في حياتك اليومية، أنت مقيد بالقيام ببعض الأمور التي تأخذ من وقتك اليومي مثل المدرسة أو العمل في وظيفة ما، لكن لديك أيضًا أيام إجازة وأوقات فراغ تملكها كليًا. هذه الأوقات هي التي عليك أن تحدد فيها مهامك، أمر بديهي، لكن المشكلة أنك قد لا تتحكم في هذا الوقت أيضًا، مثلًا تأتي لكي تنجز مهمة معينة، ثم يتصل بك صديقك ويطلب منك أن تتسكع معه قليلًا، وهنا تقنع نفسك أن هناك مزيدًا من الوقت وتخرج معه، لكن إن كنت جادًا في هدفك فعليك أن تحرم نفسك وألا تفعل أي شيء يأخذ من وقتك إلا إذا كان ضروريًا أو أنك أنجزت ما عليك بالفعل. تدرب كما أنك في الغرفة البيضاء يا صديقي.
ثانيًا: إدارة الوقت مهارة تحتاج إلى وقت:
أي إنك لن تصبح مثاليًا في تنظيم وقتك في يوم واحد، لكي تتقن هذه المهارة عليك أن تصبر، تدرس يومك جيدًا، وتطور نفسك مع الوقت؛ حتى تصبح شخصًا يقدر على إدارة وقته بسهولة ومرونة. حتى لو اتخذت قرارًا جادًا وعملت بهذا النظام الذي سأخبرك به، فقد لا تحقق نتائج مذهلة من أول يوم، بل ستحتاج شهورًا أو ربما بضع سنوات؛ لذلك أرجوك لا تستسلم وتنهار من أول أسبوع. الآن نأتي لتطبيق نظام الـ(Time Boxing).
Time Boxing لا يعتمد على حصر المهام في مجالات زمنية، بل على تخصيص مدة معينة لكل مهمة مع الحفاظ على التركيز طول فترة العمل. بمعنى آخر، حذف تلك اللعبة القديمة التي تقول: سأنجز كذا من الساعة كذا إلى كذا، ومن دون أن أطيل عليك أكثر، إليك الطريقة ببساطة. قبل أن ينتهي يومك أحضر ورقة واحسب كم من الوقت سيتبقى لك غدًا، مثلًا أنت تستيقظ من الساعة الثامنة وتنام الساعة العاشرة ليلًا، يتبقى لك خمس عشرة ساعة، مضطرًا أن تبقى في المدرسة من الساعة الثامنة إلى الساعة الثانية عشرة، سيتبقى لك الآن إحدى عشرة ساعة من يومك. بعدها حدد المهام التي تريد إنجازها، مثلًا دراسة الفيزياء وتعلم مهارة جديدة وممارسة الرياضة وكتابة مقال. الآن إياك أن تحصرها بين ساعات محددة، بل حدد كمية الوقت لكل عمل، فلدراسة الفيزياء ساعتان، والرياضة ساعة، وكتابة مقال ساعتان، وتعلم مهارة جديدة خمس وأربعون دقيقة، أي إنك خصصت حوالي ست ساعات من الإنتاجية، ويتبقى لك خمس ساعات، وهي وقت حر، وهي ضرورية جدًا لكي ترتاح أو تتعامل مع أي ظرف طارئ. في اليوم التالي، تذهب إلى المدرسة، تعود، تستريح قليلًا، ثم تبدأ بالمهمة التي تحبها، مثلًا أنا عن نفسي سأبدأ بالرياضة لمدة ساعة لأنها تعطيني إحساسًا بالإنجاز. ثم بعدها يمكنك أن تذهب لتدرس الفيزياء مثلًا لساعتين، ثم تخرج لتتمشى قليلًا وتسترخي، وبعدها تتعلم مهارة جديدة لمدة خمس وأربعين دقيقة، ثم بعدها تسترخي كذلك، وفي النهاية تكتب المقال لمدة ساعتين، هكذا سينتهي يومك وقد أتممت مهامك دون الحاجة إلى فترات زمنية مغلقة. كرر العملية كل يوم وستتحسن مع الوقت في اتباع النظام، وستلاحظ تحسن إنتاجيتك تدريجيًا لبقية حياتك.
شيء مهم آخر، اهتم بكمية الوقت المناسبة لكل عمل. لا تعطِ المهمة وقتًا أكبر من حقها. مثلًا دراسة الفيزياء تحتاج إلى ساعتين فقط لا أكثر، ركز جيدًا أثناء دراستك لها، أغلق الهاتف وأخرجه خارج الغرفة، أبقِ الماء بجانبك، جهز أدواتك، واطلب من أهلك ألا يزعجوك حتى تنتهي، احمِ الوقت الذي خصصته لتلك المهمة وتأكد أنك لن تتجاوزه.
شيء مهم سيساعدك إذا كان لديك وقت فراغ ليوم كامل، قم بتخصيص الفترة الصباحية للمهام التي تتطلب إبداعًا ذهنيًا وخيالًا مثل كتابة المقال أو تأليف شعر أو رسم أو تعلم الإنجليزية أو ابتكار حملة تسويقية جديدة إن كنت تعمل في هذا المجال مثلًا، وهي مهام غير متعبة في الغالب. أما الفترة المسائية فخصصها للمهام الصعبة التي تتطلب التحليل والعمل المكثف مثل حل مسائل رياضية معقدة أو التخطيط المالي أو البرمجة وتصميم الخوارزميات على سبيل المثال.
فأنت بهذه الطريقة تساعد نفسك على التأقلم، حيث لا تجمع كل شيء معًا، فأنت لست مضطرًا لأن تفهم درس الرياضيات من هنا وتحل مسائل معقدة في نفس الفترة، بل اجعل فهم أمور ومراجعة الدروس في الصباح والتمارين في المساء، وطبق هذا المبدأ على جميع مهامك إن أمكن.
وشيء آخر أنا أراه مهمًا عليك فعله، بعد أن تستيقظ بفترة وجيزة اكتب على ورقة أهم شيء عليك إنجازه اليوم، حيث إنك حتى لو لم تنجز شيئًا من قائمة المهام، إلا أن عليك التأكد من إنجاز تلك المهمة التي اخترتها أنت، وأنت أدرى بنفسك يا صديقي. سبق وأن أحسسنا جميعًا بأننا لم نعمل شيئًا طوال يومنا، بالرغم من أننا قضيناه كله في العمل، والسبب أننا لم ننجز المهمة التي عليها الأولوية أو أننا لم ننجزها كما يجب؛ لذلك عليك أن تكتبها عندما تستيقظ. واكتب كثيرًا يا عزيزي القارئ، لا تقل إنني أعرف ماذا علي أن أنجز غدًا وقد حفظته ولست مضطرًا إلى كتابته، بل اكتبه مهما كان، فأنت لن تخسر شيئًا. هذا سيقلل من تشتتك؛ لأنك لا تعرف كيف سيسير يومك أصلًا، فلا تسمح لعقلك بخداعك رجاءً.
وأخيرًا، خطأ آخر يجب أن ننتبه له، حتى أنا أقع فيه أحيانًا رغم أنني أستعمل هذا النظام منذ فترة طويلة، عليك أن تنتبه من تحديد مهام كثيرة وإيهام نفسك أنك ستنجزها جميعها. لا تتحامق على ذاتك ولا تسمع لفيديوهات التحفيز اللحظي على التيك توك. جسمك بيولوجيًا لا يفهم هذا النوع من التحفيز. التحفيز الحقيقي هو عندما ترى نتيجة روتينك بعد فترة، عندما تبدأ النتائج بالظهور تدريجيًا، هذا ما يحفزك باستمرار وليس جرعة الدوبامين المؤقتة. لقد شدتني مسبقًا مقولة لشخصية أرمين من أنمي هجوم العمالقة حيث يقول: "من لا يمكنه التضحية بأي شيء لا يمكنه أن يحقق أي شيء." أي إنك إذا أردت التغيير الحقيقي فعليك أن تضحي بالأشياء البسيطة التي كنت تفعلها كل يوم مثل مشاهدة التيك توك أو لعبة فيديو أو جلسة أنمي وغيرها من الأمور، وإلا إن لم تكن مستعدًا للتضحية بها فأنت لست مستعدًا للتغيير.
ختامًا، عليك أن تتذكر أن صبرك على نفسك والتزامك اليومي هو ما يصنع الفرق. لا تبحث عن حلول سحرية وسريعة، بل اصنع بنفسك معجزة عاداتك اليومية، ولا تلم نفسك إذا لم تكن قادرًا على التغيير في يوم وليلة يا صديقي، اصبر وستنال ثمار تعبك إن شاء الله.