في هذا المقال
لماذا نشاهد فيديو وراء الآخر دون أن نشعر بالوقت؟
هل فتحت هاتفك يومًا لمشاهدة فيديو واحد، ثم اكتشفت أن ساعة أو ساعتين قد مرّتا دون أن تشعر؟ ربما كنت تنوي الرد على رسالة أو مشاهدة مقطع مضحك قبل العودة إلى الدراسة أو العمل، لكنك وجدت نفسك تنتقل من فيديو إلى آخر بصورة تلقائية.

هذه التجربة أصبحت مألوفة لدى كثير من مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا مع انتشار الفيديوهات القصيرة على تيك توك وإنستغرام ريلز ويوتيوب شورتس.
لكن لماذا يصعب علينا التوقف؟ وهل تؤثر هذه العادة فعلًا على قدرتنا على التركيز؟
الإجابة ليست أن الهاتف يدمّر الدماغ كما تزعم بعض العناوين المبالغ فيها، بل إن طريقة تصميم المحتوى الرقمي قد تجعل الاستمرار في المشاهدة أسهل من اتخاذ قرار التوقف.
1. كيف تجعلك الفيديوهات القصيرة ترغب في مشاهدة المزيد؟
أحد الأسباب هو أن الفيديوهات القصيرة تقدم محتوى سريعًا ومتغيرًا باستمرار. فبمجرد انتهاء مقطع، يظهر أمامك مقطع آخر قد يكون مضحكًا أو غريبًا أو مثيرًا لفضولك.
ومع تكرار هذه التجربة، قد تتحول المشاهدة من نشاط اخترت القيام به إلى عادة تفتح فيها التطبيق تلقائيًا كلما شعرت بالملل أو أردت تأجيل مهمة لا ترغب في إنجازها.
هناك أيضًا دور للتوصيات المخصصة؛ إذ تعرض المنصات محتوى يتوافق مع تفاعلاتك السابقة، مما يسهل العثور على مقاطع تناسب اهتماماتك.
وتشير توصيات الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن بعض خصائص المنصات، مثل التمرير المستمر والإشعارات، تستحق الانتباه عند تقييم أنماط الاستخدام، خصوصًا لدى المراهقين.
لكن هذا لا يعني أن كل شخص يشاهد الفيديوهات القصيرة يعاني من الإدمان، أو أن مشاهدة هذه المقاطع تسبب بالضرورة مشكلة نفسية.
2. هل تؤثر الفيديوهات القصيرة على التركيز والذاكرة؟
قد تلاحظ أنك أصبحت تلجأ إلى الهاتف كلما شعرت بالملل أثناء الدراسة، أو أنك تجد صعوبة في الاستمرار في مهمة طويلة دون تفقد الإشعارات. لكن من المهم التمييز بين الشعور بالتشتت وبين وجود اضطراب حقيقي في الانتباه.
نشرت مجلة Journal of Medical Internet Research عام 2026 مراجعة منهجية وتحليلًا تلويًا جمعا نتائج 58 دراسة شملت 96,676 مشاركًا، لفحص العلاقة بين استخدام الفيديوهات القصيرة والصحة النفسية.
وجد الباحثون ارتباطات بين أنماط الاستخدام الإشكالية وبعض النتائج النفسية السلبية، بما فيها التوتر والقلق وأعراض الاكتئاب. ومع ذلك، لا تثبت هذه الارتباطات وحدها أن الفيديوهات القصيرة هي السبب المباشر، كما أن نتائج الاستخدام المنتظم لم تكن مماثلة دائمًا لنتائج الاستخدام الإشكالي.
يمكن الاطلاع على الدراسة الأصلية هنا:
الدراسة المنشورة في Journal of Medical Internet Research
ماذا يعني ذلك في حياتنا اليومية؟
إذا كنت تتوقف عن المذاكرة كل بضع دقائق لتفقد هاتفك، فمن الطبيعي أن تحتاج إلى وقت إضافي لاستعادة تركيزك بعد كل مقاطعة. وقد يصبح إنجاز مهمة واحدة أصعب عندما تتنافس معها إشعارات ومقاطع جديدة باستمرار.
لذلك، من المفيد مراقبة سلوكك الفعلي: هل تستطيع إكمال ما بدأته؟ هل يتكرر تأجيل مهامك بسبب المشاهدة؟ وهل تشعر أن استخدام الهاتف أصبح خارج سيطرتك؟
هذه الأسئلة أكثر فائدة من افتراض أن قدرتك على التركيز قد تضررت بصورة دائمة.
3. لماذا نشعر بالملل سريعًا بعد مشاهدة الكثير من المقاطع؟
قد يبدو غريبًا أن تقضي وقتًا طويلًا في مشاهدة محتوى متنوع، ثم تشعر بالملل بمجرد إغلاق التطبيق.
أحد التفسيرات المحتملة هو أنك اعتدت خلال فترة المشاهدة على الانتقال السريع بين موضوعات مختلفة، بينما تتطلب الأنشطة اليومية، مثل القراءة والمذاكرة وترتيب المنزل، وقتًا أطول قبل أن تشعر بالمتعة أو ترى نتيجة واضحة.
لكن لا يوجد ما يثبت أن مشاهدة الريلز تجعل الجميع غير قادرين على الاستمتاع بالأنشطة الهادئة. فالملل قد يرتبط أيضًا بقلة النوم أو الضغط النفسي أو طبيعة النشاط الذي تقوم به.
الحل ليس منع الترفيه، بل إعادة التوازن بين المحتوى السريع والأنشطة التي تمنحك شعورًا بالإنجاز على المدى الطويل.
يمكنك تجربة قراءة صفحات قليلة من كتاب، أو المشي، أو ممارسة هواية، أو إكمال مهمة صغيرة دون التنقل بين التطبيقات في أثناء تنفيذها.
4. هل تؤثر مشاهدة الفيديوهات القصيرة قبل النوم على جودة النوم؟
قد تكون هذه النقطة من أكثر المشكلات التي يمكن ملاحظتها في الحياة اليومية.
تبدأ المشاهدة قبل النوم بدقائق، ثم يستمر التمرير حتى يتأخر موعد النوم. وقد يتعرض الشخص أثناء ذلك لإشعارات أو محتوى مثير للتفكير يجعله يستمر في استخدام الهاتف بدلًا من الاستعداد للراحة.
وتشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أهمية ألا يتداخل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مع نوم المراهقين ونشاطهم البدني، كما توضح منظمة الصحة العالمية أن الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل ارتبط بمشكلات مثل قلة النوم وتأخر موعده لدى بعض المراهقين.
المصادر:
الجمعية الأمريكية لعلم النفس: إرشادات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لدى المراهقين
منظمة الصحة العالمية: المراهقون والشاشات والصحة النفسية
ومن العلامات التي تستحق الانتباه أن تجد نفسك تؤجل النوم باستمرار لمشاهدة المزيد، أو تستيقظ متعبًا لأنك لم تحصل على وقت كافٍ للراحة.
5. كيف تقلل مشاهدة الفيديوهات القصيرة دون حذف التطبيقات؟
لا تحتاج بالضرورة إلى حذف حساباتك أو الامتناع تمامًا عن مشاهدة المحتوى الذي تحبه. يمكنك البدء بتغييرات صغيرة تساعدك على استعادة السيطرة على وقتك.
الخطوة الأولى: راقب وقت الاستخدام
افتح إعدادات الهاتف وتحقق من الوقت الذي تقضيه على تطبيقات التواصل الاجتماعي. قد تكتشف أن المدة أطول مما كنت تتوقع.
لا تستخدم الرقم لمعاقبة نفسك، بل اعتبره نقطة بداية لفهم عاداتك.
الخطوة الثانية: حدد وقتًا واضحًا للمشاهدة
بدلًا من فتح التطبيق في كل مرة تشعر فيها بالملل، اختر وقتًا مناسبًا للمشاهدة بعد إنجاز مهامك الأساسية.
يمكنك الاستعانة بمؤقت الهاتف أو أدوات تحديد وقت التطبيقات. وإذا انتهى الوقت، انتقل إلى نشاط آخر بدلًا من تمديد الجلسة تلقائيًا.
الخطوة الثالثة: أبعد الهاتف أثناء المذاكرة أو العمل
ضع الهاتف بعيدًا عن متناول يدك، وأوقف الإشعارات غير الضرورية خلال فترة التركيز.
ابدأ بفترة قصيرة تناسبك، مثل 20 دقيقة، ثم خذ استراحة مناسبة. ليس الهدف أن تعمل لساعات دون راحة، بل أن تمنح المهمة فرصة لتكتمل دون مقاطعات متكررة.
الخطوة الرابعة: لا تجعل الهاتف أول ما تراه عند الاستيقاظ وآخر ما تراه قبل النوم
جرّب بدء يومك دون فتح الفيديوهات مباشرة، وخصص وقتًا هادئًا قبل النوم بعيدًا عن التمرير المستمر.
يمكنك استبدال جزء من هذه العادة بقراءة خفيفة أو الاستماع إلى محتوى هادئ أو تجهيز ما تحتاج إليه لليوم التالي.
الخطوة الخامسة: اكتشف السبب الذي يدفعك إلى فتح التطبيق
هل تستخدم الهاتف لأنك تشعر بالملل؟ أم لأنك تؤجل مهمة صعبة؟ أم لأنك تريد التواصل مع أصدقائك؟
معرفة السبب تساعدك على اختيار بديل مناسب. فإذا كنت تشعر بالملل، جرب نشاطًا قصيرًا وممتعًا. وإذا كنت تؤجل مهمة، فقسّمها إلى خطوات صغيرة يسهل البدء بها.
أما إذا كنت تستخدم التواصل الاجتماعي للبقاء على اتصال بأصدقائك، فلا تحتاج إلى إلغاء هذا الجانب المفيد؛ يمكنك فقط تقليل الوقت الذي تقضيه في المشاهدة التلقائية.
6. تجربة عملية لمدة 7 أيام لاستعادة السيطرة على وقتك
إذا أردت معرفة ما إذا كانت الفيديوهات القصيرة تؤثر على روتينك، جرب هذه الخطة البسيطة:
اليوم الأول: راقب وقت الاستخدام وسجل الأوقات التي تلجأ فيها إلى الهاتف.
اليوم الثاني: أوقف الإشعارات غير الضرورية.
اليوم الثالث: خصص فترة واحدة للمشاهدة بدلًا من فتح التطبيقات طوال اليوم.
اليوم الرابع: أبعد الهاتف خلال إحدى جلسات الدراسة أو العمل.
اليوم الخامس: جرّب نشاطًا بديلًا تحبه، مثل القراءة أو المشي أو الرسم.
اليوم السادس: خصص وقتًا قبل النوم دون فيديوهات قصيرة.
اليوم السابع: راجع ما تغير في وقتك وتركيزك ونومك، وحدد العادات التي نجحت معك.
هذه التجربة ليست علاجًا طبيًا ولا اختبارًا تشخيصيًا، بل وسيلة عملية لفهم عاداتك. وإذا لم تلاحظ فرقًا واضحًا خلال أسبوع، فلا يعني ذلك أنك فشلت؛ فقد تحتاج إلى وقت أطول أو إلى معالجة عوامل أخرى تؤثر على تركيزك ونومك.
متى تحتاج إلى مساعدة إضافية؟
إذا أصبح استخدام الهاتف يعطّل دراستك أو عملك أو علاقاتك أو نومك بصورة مستمرة، رغم محاولاتك تنظيمه، فمن المفيد التحدث مع شخص موثوق أو مختص نفسي للحصول على مساعدة مناسبة.
ولا ينبغي افتراض أن كل تشتت ناتج عن وسائل التواصل الاجتماعي؛ فقد تتداخل معه عوامل أخرى، مثل الضغط النفسي أو قلة النوم أو صعوبات الانتباه.
الخلاصة: هل المشكلة في الهاتف أم في طريقة استخدامه؟
الفيديوهات القصيرة ليست شرًا مطلقًا؛ فهي وسيلة للترفيه والتعلم والتواصل، ويمكن أن تقدم محتوى مفيدًا وممتعًا.
لكن عندما تتحول المشاهدة من اختيار واعٍ إلى عادة تستهلك الوقت وتؤثر على النوم أو الدراسة أو الأنشطة اليومية، يصبح من المهم إعادة النظر في طريقة استخدامها.
لا تحتاج إلى تغيير حياتك بالكامل في يوم واحد. ابدأ بملاحظة عاداتك، وحدد وقتًا للمشاهدة، وامنح نفسك فرصة للقيام بأنشطة أخرى دون مقاطعات مستمرة.
والسؤال الذي يستحق أن تسأله لنفسك ليس: كم فيديو شاهدت اليوم؟ بل: هل استخدمت وقتي بالطريقة التي كنت أريدها؟
المصادر العلمية
Tang, D. وآخرون. (2026). Association Between Short-Form Video Use and Mental Health: Systematic Review and Meta-Analysis. Journal of Medical Internet Research.
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12998613/
American Psychological Association. Health Advisory on Social Media Use in Adolescence.
https://www.apa.org/topics/social-media-internet/health-advisory-adolescent-social-media-use
World Health Organization, Regional Office for Europe. (2024). Teens, screens and mental health.
https://www.who.int/europe/news/item/25-09-2024-teens--screens-and-mental-health
تابع جديد Yomna
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق