تأثير السوشيال ميديا على حياتنا: لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين؟

تأثير السوشيال ميديا على حياتنا: لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين؟

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about تأثير السوشيال ميديا على حياتنا: لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين؟

 

هل السوشيال ميديا بتخلينا نحس إن حياتنا أقل من غيرنا؟ الحقيقة وراء المقارنة المستمرة

تفتح هاتفك لدقائق فقط، فتجد شخصًا بدأ مشروعًا جديدًا، وآخر سافر إلى مكان جميل، وثالثًا يحتفل بإنجاز حققه، ورابعًا يبدو وكأن حياته مثالية تمامًا.

تغلق التطبيق بعدها، وربما تجد نفسك تفكر:

"هو ليه كل الناس بتتقدم وأنا لأ؟"

المثير للاهتمام أن هذا الشعور لا يعني بالضرورة أن حياتك سيئة، ولا أن الآخرين يعيشون حياة مثالية. أحيانًا يكون السبب ببساطة أنك تقارن حياتك الحقيقية بكل تفاصيلها بما يختار الآخرون عرضه على الشاشة.

وهنا يظهر سؤال مهم: هل السوشيال ميديا فعلًا تجعلنا نشعر أن حياتنا أقل من غيرنا؟

الإجابة ليست بسيطة بنعم أو لا. فالأبحاث تشير إلى أن تأثير السوشيال ميديا يعتمد على عوامل كثيرة، منها نوع المحتوى، وطريقة الاستخدام، وخصائص الشخص نفسه، وحتى تصميم المنصة. لكن المقارنة الاجتماعية تحديدًا أصبحت من الجوانب التي تستحق الانتباه.

لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين على السوشيال ميديا؟

مقارنة أنفسنا بالآخرين ليست ظاهرة جديدة.

الإنسان بطبيعته ينظر إلى الأشخاص من حوله حتى يعرف كيف يسير، ويتعلم منهم، ويقيّم تقدمه. لكن السوشيال ميديا جعلت هذه العملية أسهل وأسرع وعلى نطاق أكبر بكثير.

في الماضي، كنت ترى حياة الأشخاص الموجودين حولك فقط.

أما اليوم، فيمكنك خلال دقائق مشاهدة أشخاص من مدينتك، ومن دول أخرى، وأشخاص ناجحين في مجالات مختلفة تمامًا.

وهنا تحدث المشكلة.

أنت لا تقارن نفسك بشخص واحد، وإنما قد تجد نفسك تقارن حياتك بعشرات الأشخاص في الوقت نفسه:

شخص أكثر نجاحًا.

شخص يسافر أكثر.

شخص لديه وظيفة أفضل.

شخص يحقق إنجازات أسرع.

شخص يبدو أكثر سعادة.

ومع كثرة هذه المقارنات، قد يبدأ عقلك في تكوين انطباع بأن الجميع يتقدمون باستثناءك.

المشكلة ليست دائمًا في الصورة… بل في الأشياء التي لا نراها

واحدة من أهم النقاط التي يجب تذكرها عند استخدام السوشيال ميديا هي أن المحتوى الذي تراه لا يمثل بالضرورة الحياة كاملة.

الشخص قد ينشر صورة من أجمل لحظات يومه، لكنه لن ينشر غالبًا كل اللحظات العادية التي سبقتها وتلتها.

قد ترى نجاح المشروع، ولا ترى سنوات التعلم.

ترى الرحلة، ولا ترى الأيام التي قضاها الشخص في العمل والضغط.

ترى النتيجة، ولا ترى المحاولات التي لم تنجح.

وهذا يجعل المقارنة غير متكافئة من الأساس.

أنت تعرف تفاصيل حياتك كلها، بينما تعرف من حياة الشخص الآخر فقط ما اختار أن يظهره.

المقارنة الاجتماعية ليست دائمًا سيئة

من الخطأ أيضًا أن نقول إن كل مقارنة بالآخرين ضارة.

أحيانًا يمكن أن تكون المقارنة مصدرًا للإلهام.

عندما ترى شخصًا تعلم مهارة جديدة، قد تشعر بالحماس لتعلمها أنت أيضًا.

وعندما ترى شخصًا حقق هدفًا كنت تسعى إليه، قد تفكر:

"ربما أستطيع الوصول إلى شيء مشابه."

لكن المقارنة تصبح مشكلة عندما تتحول من مصدر إلهام إلى وسيلة للحكم على قيمة الإنسان.

هناك فرق كبير بين:

"هو وصل لمرحلة أتمنى أصل لها."

وبين:

"هو أفضل مني، إذن أنا فاشل."

الجملة الثانية لا تقيس إنجازك فعلًا؛ إنها تحول نجاح شخص آخر إلى حكم سلبي عليك.

وتشير مراجعات علمية إلى أن فرص المقارنة الاجتماعية أصبحت أكثر انتشارًا مع التكنولوجيا والسوشيال ميديا، وأن آثارها على الصحة النفسية تعتمد على السياق وطريقة المقارنة.

هل كثرة استخدام السوشيال ميديا تعني بالضرورة تأثيرًا سلبيًا؟

ليس بالضرورة.

وهذه نقطة مهمة لأن الحديث عن السوشيال ميديا غالبًا يتحول إلى جملة بسيطة مثل: "السوشيال ميديا سيئة."

لكن الصورة العلمية أكثر تعقيدًا.

توضح مراجعة شاملة نُشرت عام 2024 أن استخدام السوشيال ميديا يمكن أن يرتبط بفرص ومخاطر للصحة النفسية والرفاهية، وأن التأثير يختلف حسب خصائص المستخدم، وطريقة الاستخدام، ونوع المحتوى، وتصميم المنصة.

كما وجدت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا في JAMA Pediatrics عام 2024، وشملا 143 دراسة، ارتباطًا بين استخدام السوشيال ميديا وبعض الأعراض الداخلية مثل القلق والاكتئاب في عينات المراهقين، مع التأكيد على أن طبيعة العلاقة بين الاستخدام والصحة النفسية معقدة.

لذلك، السؤال الأفضل ليس:

"هل السوشيال ميديا مضرة؟"

بل:

"كيف أستخدمها؟ وماذا أشاهد؟ وكيف تجعلني أشعر؟"

متى تتحول المقارنة إلى مشكلة؟

يمكن أن تصبح المقارنة مرهقة عندما تتحول إلى عادة يومية تؤثر في الطريقة التي ترى بها نفسك.

مثلًا، إذا وجدت نفسك بعد تصفح الهاتف:

تشعر باستمرار أن الآخرين أفضل منك.

تقلل من قيمة إنجازاتك لأن شخصًا آخر حقق إنجازًا أكبر.

تنظر لما ينقصك أكثر مما تنظر لما لديك.

تشعر بالإحباط كلما رأيت نجاحات الآخرين.

تركز باستمرار على آراء الناس ومظاهر حياتهم.

تفقد متعة إنجازك لأنك تفكر في إنجاز شخص آخر.

فهنا قد يكون من المفيد أن تتوقف وتسأل:

هل المشكلة في حياتي فعلًا، أم في الطريقة التي أقارن بها حياتي؟

وتوصي الجمعية الأمريكية لعلم النفس بالحد من استخدام السوشيال ميديا للمقارنة الاجتماعية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمظهر، مع تطوير مهارات تساعد المستخدم على فهم أن المحتوى الذي يراه لا يمثل الواقع بالضرورة.

كيف تتوقف عن مقارنة حياتك بالآخرين؟

1. اسأل نفسك: ماذا أشعر بعد التصفح؟

بدل أن تركز فقط على عدد الساعات التي قضيتها على التطبيق، راقب تأثيره عليك.

هل تشعر بالحماس؟

هل تعلمت شيئًا؟

هل تواصلت مع شخص تحبه؟

أم أنك خرجت من التطبيق وأنت تشعر بأنك أقل من الآخرين؟

الإجابة ستخبرك الكثير عن نوع المحتوى الذي تحتاج إلى تقليله أو تغييره.

2. راجع الأشخاص الذين تتابعهم

ليس كل محتوى يستحق أن يكون جزءًا من يومك.

إذا كان حساب معين يجعلك تقارن نفسك باستمرار، فمن الطبيعي أن تقلل تعرضك له.

وفي المقابل، حاول أن تملأ صفحتك بمحتوى يفيدك فعلًا: تعليم، هوايات، أفكار، إبداع، أو أشخاص يقدمون تجارب واقعية بدلًا من الصورة المثالية طوال الوقت.

3. لا تقارن بدايتك بمنتصف رحلة شخص آخر

قد ترى شخصًا وصل إلى مستوى معين في مجال ما، بينما أنت بدأت منذ فترة قصيرة.

هذا لا يعني أنك متأخر.

أنت فقط في مرحلة مختلفة.

الشخص الذي تراه اليوم ربما أمضى سنوات يتعلم قبل أن تصل أنت إلى حسابه وتشاهد النتيجة النهائية.

4. غيّر السؤال

بدلًا من:

"هل أنا أفضل من فلان؟"

اسأل:

"هل أنا أفضل مما كنت عليه قبل سنة؟"

هذا النوع من المقارنة أكثر عدلًا، لأنه يقيس تطورك أنت بدلًا من وضع حياتك في سباق مع حياة شخص آخر.

5. تذكر أن ليست كل الإنجازات قابلة للنشر

هناك أشياء مهمة جدًا في الحياة لا تظهر في صورة ولا تحصل على إعجاب.

أن تتعلم شيئًا جديدًا.

أن تتجاوز فترة صعبة.

أن تحسن علاقتك بعائلتك.

أن تلتزم بهدف صغير.

أن تحصل على يوم هادئ.

أن تصبح أكثر وعيًا بنفسك.

كل هذه أشياء حقيقية، حتى لو لم يعرف بها أحد على الإنترنت.

هل الحل هو حذف السوشيال ميديا؟

ليس بالضرورة.

السوشيال ميديا يمكن أن تكون وسيلة للتواصل والتعلم واكتشاف الأفكار والفرص، وليست شيئًا سلبيًا بطبيعته.

الجمعية الأمريكية لعلم النفس تشير إلى أن تأثيرها يعتمد بدرجة كبيرة على المحتوى والوظائف وطريقة الاستخدام والسياق الشخصي، وليس على مجرد وجود حساب على منصة اجتماعية.

لذلك، الهدف ليس أن تختفي من الإنترنت.

الهدف أن تصبح أكثر وعيًا بما تسمح له بالدخول إلى يومك وعقلك.

في النهاية: هل حياتنا فعلًا أقل من غيرنا؟

ربما تكون هذه هي أهم فكرة في الموضوع كله:

أنت لا ترى حياة الآخرين كاملة.

أنت ترى لحظات مختارة منها.

بينما تعيش أنت كل تفاصيل حياتك؛ نجاحاتها وإخفاقاتها، أيامها الجميلة والعادية، لحظاتها القوية والضعيفة.

ولهذا، من السهل جدًا أن تبدو حياة الآخرين أفضل عندما تقارن كواليس حياتك بـ واجهة حياتهم.

في المرة القادمة التي تشعر فيها أن الجميع يعيش حياة أفضل منك، توقف للحظة واسأل نفسك:

"هل حياتي فعلًا أقل؟ أم أنني فقط رأيت جزءًا جميلًا من حياة شخص آخر ونسيت كل الأجزاء الجميلة في حياتي؟"

أحيانًا لا نحتاج إلى تغيير حياتنا بالكامل حتى نشعر بالرضا عنها.

نحتاج فقط إلى أن نتوقف عن استخدام حياة الآخرين كمسطرة نقيس بها حياتنا.



المصادر العلمية

American Psychological Association — Health Advisory on Social Media Use in Adolescence

Computers in Human Behavior Reports — Social Media Use and adolescents' mental health and well-being: An umbrella review

JAMA Pediatrics — Social Media Use and Internalizing Symptoms in Clinical and Community Adolescent Samples

Springer Nature — Social Comparison and Mental Health

U.S. Surgeon General — Social Media and Youth Mental Health

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Yomna تقييم 5 من 5.
المقالات

10

متابعهم

28

متابعهم

106

مقالات مشابة
-