في هذا المقال

قبل أن تصدّق أو تشارك: كيف تكتشف المعلومات المضللة وتفكر بوعي؟
قد تصلك رسالة على هاتفك تخبرك بقرار مهم، أو ترى منشورًا يحمل عنوانًا صادمًا، أو يشاهد أصدقاؤك مقطعًا قصيرًا ويؤكدون أن ما فيه حدث بالفعل. في لحظات كهذه، يكون الضغط على زر المشاركة أسهل بكثير من التوقف والتحقق. لكن دقيقة واحدة من التفكير قد تمنع انتشار معلومة خاطئة، وتحميك من اتخاذ قرار مبني على خبر غير صحيح.
لم يعد التحدي اليوم هو العثور على المعلومات؛ فالمعلومات تحيط بنا في كل مكان. التحدي الحقيقي هو معرفة ما يستحق التصديق، وما يحتاج إلى مراجعة، وما يجب ألا نعيد نشره. وهذه مهارة يمكن لأي شخص تعلمها، وليست حكرًا على الصحفيين أو الباحثين.
أولًا: ما الفرق بين المعلومة الخاطئة والمعلومة المضللة؟
قد يبدو المصطلحان متشابهين، لكن هناك فرقًا مهمًا. المعلومة الخاطئة هي معلومة غير صحيحة تنتشر أحيانًا بسبب سوء الفهم أو النقل دون تحقق، حتى لو لم يقصد ناشرها خداع أحد. أما المعلومة المضللة، فيُقصد بها عادة محتوى غير صحيح أو محرّف يُنشر بقصد التأثير في الناس أو توجيههم إلى استنتاج معين.
ومع ذلك، لا يمكننا معرفة نية كل ناشر من مجرد قراءة منشوره. لذلك من الأفضل أن نبدأ بفحص المعلومة نفسها: ما الدليل عليها؟ ومن أين جاءت؟ وهل تؤكدها مصادر موثوقة أخرى؟
ثانيًا: لماذا نصدق بعض الأخبار بسرعة؟
هناك أسباب تجعل بعض المنشورات مقنعة من النظرة الأولى. قد يستخدم صاحبها صورة مؤثرة، أو رقمًا كبيرًا، أو عبارة مثل «عاجل» و«انشر قبل الحذف». وقد يوافق الخبر ما نعتقده مسبقًا، فنشعر أنه صحيح لأننا نحب أن يكون صحيحًا.
كذلك، عندما يثير المحتوى الخوف أو الغضب أو الحماس الشديد، قد نتسرع في التفاعل معه قبل التفكير. لهذا لا تجعل قوة العنوان دليلًا على صحة الخبر، ولا تعتبر كثرة التعليقات والمشاركات شهادة بصحته. الانتشار يخبرنا أن الناس شاهدوا المحتوى، لكنه لا يثبت أن ما فيه حدث بالفعل.
ثالثًا: خمس خطوات بسيطة للتحقق من أي معلومة
١. توقّف قبل المشاركة
لا تتعامل مع كل منشور على أنه يحتاج إلى رد فوري. امنح نفسك لحظة، خصوصًا إذا كان الخبر يطلب منك نشره بسرعة أو يحاول إثارة خوفك. اسأل نفسك: هل أريد مشاركة هذه المعلومة لأنها مؤكدة، أم لأن عنوانها أثار مشاعري؟
٢. ارجع إلى المصدر الأصلي
ابحث عن الجهة التي نشرت الخبر أول مرة. هل هو بيان رسمي؟ تقرير صحفي معروف؟ تصريح من شخص مختص؟ أم صورة مجهولة أعاد حساب آخر نشرها؟ وإذا كان المنشور ينقل تصريحًا، فحاول الوصول إلى التصريح كاملًا بدل الاعتماد على جملة مقتطعة.
ومن المهم الانتباه إلى أن وجود شعار جهة معروفة على صورة لا يعني بالضرورة أن الجهة أصدرتها؛ فقد يُضاف الشعار إلى صورة مفبركة. افتح الصفحة الرسمية بنفسك، وابحث عن الخبر داخلها بدل الاكتفاء بلقطة شاشة متداولة.
٣. افحص التاريخ والسياق
قد يكون الخبر صحيحًا لكنه قديم، أو تكون الصورة حقيقية لكنها التُقطت في بلد آخر أو في مناسبة مختلفة. لذلك راجع تاريخ النشر، ومكان الحدث، وما إذا كان المحتوى يتحدث عن واقعة جديدة أم يعيد استخدام واقعة سابقة.
خذ مثالًا بسيطًا: إذا رأيت منشورًا يقول إن مدرسة ما أصدرت قرارًا بتعطيل الدراسة غدًا، فلا تعتمد على صورة منتشرة في مجموعة محادثة. راجع صفحة المدرسة أو الإدارة التعليمية، وتأكد من تاريخ الإعلان والمرحلة الدراسية المقصودة. بهذه الخطوة قد تكتشف أن المنشور قديم أو يخص مكانًا آخر.
٤. قارن الخبر بمصادر مستقلة
لا يكفي أن تنقل عدة صفحات الخبر نفسه إذا كانت جميعها تعتمد على منشور واحد مجهول. الأفضل أن تجد أكثر من مصدر موثوق نشر المعلومة اعتمادًا على أدلة أو تصريحات واضحة. وكلما كان الموضوع مهمًا، مثل قرار رسمي أو معلومة صحية أو مالية، زادت أهمية الرجوع إلى الجهة المختصة مباشرة.
وانتبه إلى الفرق بين «مصدر مستقل» و«نسخة مكررة». عشر صفحات تنقل نصًا واحدًا لا تساوي بالضرورة عشرة أدلة.
٥. ابحث عن الدليل، لا عن النتيجة فقط
اسأل: هل يقدم المنشور وثيقة أو بيانات أو تصريحًا كاملًا؟ وهل يمكن فتح الرابط الذي يستند إليه؟ وهل الدليل يثبت الادعاء فعلًا، أم أنه مجرد صورة أو رقم بلا تفسير؟
إذا كان الخبر يتضمن إحصائية، فابحث عن الجهة التي أصدرتها والسنة التي تخصها. وإذا كان يتضمن رأيًا منسوبًا إلى خبير، فتحقق من هوية الشخص وصلته بالموضوع. فالمسمى الكبير وحده لا يجعل كل ما يقوله صاحبه صحيحًا.
رابعًا: كيف تتحقق من الصور والمقاطع؟
الصورة قد تكون حقيقية، لكن استخدامها قد يكون مضللًا. ربما التُقطت منذ سنوات ثم قُدمت على أنها حدث وقع اليوم، أو نُقلت من دولة إلى أخرى مع وصف مختلف. لذلك لا تحكم على الصورة من شكلها وحده.
يمكنك استخدام خاصية البحث العكسي عن الصور؛ وهي وسيلة تتيح لك البحث عن الصورة نفسها على الإنترنت لمعرفة الأماكن التي ظهرت فيها من قبل. إذا وجدت الصورة منشورة منذ سنوات في سياق مختلف، فهذه إشارة تستحق التوقف والمراجعة.
أما المقاطع المصنوعة أو المعدلة بالذكاء الاصطناعي، فقد أصبحت أكثر إقناعًا من السابق. لا تعتمد على ملاحظة شكل الوجه أو حركة اليد وحدها لإصدار حكم نهائي؛ فهذه العلامات ليست حاسمة دائمًا. ابحث عن مصدر المقطع، والنسخة الكاملة، وتغطية موثوقة للواقعة. وعند غياب الدليل، قل ببساطة: «لم أتمكن من التحقق»، بدل الجزم بأنه حقيقي أو مزيف.
خامسًا: ميّز بين الحقيقة والرأي
الحقيقة يمكن اختبارها بالأدلة، مثل القول إن اجتماعًا عُقد في تاريخ محدد إذا وُجد سجل أو إعلان يؤكد ذلك. أما الرأي فهو تقييم شخصي، مثل القول إن الاجتماع كان ناجحًا أو إن القرار غير مناسب.
قد يخلط بعض المنشورات بين الاثنين؛ فتبدأ بمعلومة صحيحة ثم تضيف إليها استنتاجًا شخصيًا وكأنه حقيقة مؤكدة. اقرأ الجمل بعناية، وحدد ما الذي يمكن إثباته وما الذي يعبر عن وجهة نظر الكاتب.
ولا يعني هذا أن الآراء بلا قيمة، بل يعني أن نعرف نوع الكلام الذي نقرأه حتى لا نخلط بين الدليل والانطباع.
سادسًا: ماذا تفعل عندما تكتشف أن الخبر غير صحيح؟
أولًا، لا تعِد نشره بهدف التحذير منه من دون توضيح؛ فقد تساعد بذلك على زيادة انتشاره. إذا كنت قد شاركته بالفعل، فصحح المنشور أو احذفه، ثم اكتب توضيحًا هادئًا يذكر المعلومة الصحيحة ومصدرها.
وإذا أرسله إليك شخص تعرفه، فلا تبدأ باتهامه أو السخرية منه. يمكنك أن تسأله عن المصدر، ثم تشاركه رابطًا موثوقًا يوضح الأمر. الهدف ليس إحراج أحد، بل الوصول إلى معلومة أدق. كما أن الاعتراف بأننا صدقنا خبرًا غير صحيح ليس ضعفًا؛ بل دليل على الاستعداد للتعلم وتصحيح الموقف.
قاعدة الدقيقة الواحدة قبل النشر
قبل أن تضغط على زر المشاركة، اسأل نفسك خمسة أسئلة:
- من نشر المعلومة أول مرة؟
- هل التاريخ والمكان واضحان؟
- هل يوجد دليل يمكن الرجوع إليه؟
- هل أكدتها مصادر موثوقة ومستقلة؟
- هل أنقل حقيقة أم رأيًا أم احتمالًا؟
إذا لم تجد إجابة واضحة، فالأفضل تأجيل المشاركة حتى تتأكد. ليس مطلوبًا منك أن تصبح خبيرًا في التحقق من الأخبار، لكن من المفيد أن تجعل التثبت عادة يومية، خاصة عندما يتعلق الأمر بصحة الناس أو أموالهم أو قراراتهم.
الخلاصة: لا تكن أسرع من الحقيقة
في عالم تنتقل فيه الأخبار خلال ثوانٍ، قد تبدو الوقفة القصيرة مضيعة للوقت، لكنها في الحقيقة تصرف مسؤول. لا تصدق كل ما تراه، ولا ترفض كل ما لا تعرفه؛ ابحث واسأل وقارن، ثم كوّن رأيك على أساس واضح.
تذكّر أن مشاركة معلومة غير مؤكدة قد تترك أثرًا أكبر مما تتخيل، بينما مشاركة معلومة دقيقة قد تساعد شخصًا على فهم موقف أو تجنب قرار خاطئ. اجعل سؤال «ما الدليل؟» عادة تسبق التصديق والنشر، فالتفكير الواعي لا يمنعك من استخدام الإنترنت، بل يجعلك أكثر قدرة على الاستفادة منه.
مراجع للاستزادة
- "دليل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مصر حول مواجهة المعلومات المضللة" (https://www.undp.org/egypt/publications/addressing-misinformation-and-disinformation-egypt-training-manuals-youth-and-media-professionals)
- "دليل اليونيسف لاكتشاف المعلومات المضللة" (https://www.unicef.org/eca/stories/quick-guide-spotting-misinformation)
- "إرشادات منظمة الصحة العالمية للتحقق من المعلومات" (https://www.who.int/news-room/spotlight/let-s-flatten-the-infodemic-curve)
تابع جديد Hamdy Mohammed (H5)
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق