In this article
«أريادني أم ديونيسوس؟ التمثال اليوناني الذي أخفى هويته لأكثر من ألفي عام»

يبدو التمثال في الصور واحدًا من تلك الأعمال التي تكشف لنا مدى صعوبة تحديد هوية الشخصيات في الفن اليوناني القديم. فالوجه الهادئ، والشعر المصفف إلى الخلف، والملامح الشابة الرقيقة، كلها تقود إلى عالم الأساطير اليونانية، لكن السؤال الأصعب هو: من يمثّل هذا الوجه؟ أهي أريادني، أم الإله ديونيسوس؟
هذه الحيرة ليست حديثة، بل رافقت هذا النوع من المنحوتات منذ اكتشافه ودراسته.
وجه يجمع بين الأنوثة والصفات الإلهية

تتميز هذه الشخصية بملامح ناعمة وشابة، وعينين هادئتين، وشعر مموج يحيط بالرأس. ولا تحمل الملامح سمات جنسية واضحة بالمعنى الذي يمكن أن نتوقعه من صورة شخصية يونانية؛ ولهذا أصبح تحديد جنس الشخصية وهويتها أمرًا معقدًا.
وتظهر المشكلة بوضوح في مجموعة من الرؤوس الرخامية المرتبطة بالنمط نفسه. فهناك رأس عُثر عليه على المنحدر الجنوبي للأكروبوليس في أثينا، ويرجع تاريخه إلى أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، ويُؤرَّخ عادةً إلى نحو 300 ق.م.، ونُسب إلى مدرسة النحات سكوباس. ويُعرف في بعض المراجع باسم «رأس أريادني»، بينما تشير مراجع أخرى إلى احتمال أنه يمثل ديونيسوس.
لماذا أريادني؟
أريادني هي ابنة مينوس، ملك كريت، وأصبحت واحدة من أشهر شخصيات الأسطورة اليونانية بسبب قصتها مع البطل ثيسيوس.
بحسب الرواية الأسطورية، ساعدت أريادني ثيسيوس على الخروج من متاهة المينوتور بعد أن أعطته الخيط الذي أصبح يُعرف لاحقًا بـ«خيط أريادني». لكنه تركها في جزيرة ناكسوس، حيث عثر عليها ديونيسوس، إله الخمر والنشوة، وأصبحت زوجته في الروايات اليونانية اللاحقة.
ولهذا السبب ارتبطت أريادني في الفن القديم بالرموز الديونيسية، ومنها العصابة أو الشريط الذي يلتف حول الرأس، وهو عنصر كان يمكن أن يظهر أيضًا في صور ديونيسوس وأتباعه.
أم أنه ديونيسوس؟

هنا تصبح المسألة أكثر إثارة.
كان ديونيسوس يُصوَّر في الفن اليوناني أحيانًا في صورة شاب شديد الرقة، بملامح تكاد تكون أنثوية، وشعر طويل أو مموج، وهو ما يجعل التمييز بينه وبين أريادني صعبًا للغاية.
وتوضح سجلات متحف المتروبوليتان للفنون أن أحد الرؤوس الرومانية التي تنتمي إلى هذا التقليد يحمل شريطًا ديونيسيًا حول الجبهة؛ وهو عنصر يرتبط بديونيسوس، لكن المتحف لا يستبعد أن يكون الرأس لأريادني، زوجة الإله. ويعود الأصل اليوناني لهذا النوع إلى القرن الثاني قبل الميلاد، بينما تعود النسخة الرومانية في المتحف إلى الفترة بين نحو 14 و68م.
وهذا يفسر سبب ظهور العمل أحيانًا في المراجع تحت اسم أريادني، وأحيانًا ضمن تماثيل ديونيسوس.
لغز الجنس في الفن اليوناني
تكشف هذه المنحوتات شيئًا مهمًا عن الطريقة التي تعامل بها الفنانون اليونانيون مع صورة الآلهة.
لم يكن الجمال الإلهي مرتبطًا بالضرورة بالتمييز الصارم بين الصفات التي نعدّها اليوم «ذكورية» أو «أنثوية». فديونيسوس، على وجه الخصوص، كان يتمتع في الفن الكلاسيكي والهلنستي بمظهر يجمع بين الشباب والجمال والنعومة، ولذلك أمكن أن يبدو قريبًا جدًا من الشخصيات النسائية.
بل إن متحف المتروبوليتان يشير صراحةً إلى أن إحدى النسخ الرومانية من هذا النوع يمكن أن تمثل ديونيسوس نفسه أو أريادني.
من سكوباس إلى النسخ الرومانية

ينتمي النموذج الأصلي المفترض إلى مرحلة مهمة جدًا من تاريخ النحت اليوناني.
ففي أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، بدأ النحت اليوناني يبتعد تدريجيًا عن الصرامة المثالية للنمط الكلاسيكي السابق، وأصبح يهتم بدرجة أكبر بالتعبير النفسي، وحركة الرأس، والملامح الرقيقة، والإحساس الداخلي بالشخصية.
وقد ارتبط رأس أريادني الموجود في أثينا بمدرسة سكوباس، أحد أبرز نحاتي القرن الرابع قبل الميلاد، وإن كانت نسبة العمل إليه شخصيًا ليست مؤكدة. ويصفه سجل متحف بيرسيوس بأنه رأس لامرأة عُثر عليه في المنحدر الجنوبي للأكروبوليس، وأن التعرف عليها بوصفها أريادني جاء أساسًا من «العصابة الديونيسية» التي ترتديها.
وفي العصر الروماني، نُسخت أعمال يونانية كثيرة، ومنها هذا النوع من الرؤوس، وهو ما يفسر وجود نسخ متعددة في المتاحف الأوروبية والأمريكية.
أريادني أم ديونيسوس؟
ربما تكمن جاذبية هذا التمثال تحديدًا في أننا لا نستطيع أن نعطيه اسمًا نهائيًا بثقة مطلقة.
فإذا اعتبرناه أريادني، يصبح وجه امرأة إلهية تنتظر لحظة انتقالها من حياة بشرية مضطربة إلى عالم الآلهة.
أما إذا اعتبرناه ديونيسوس، فإن الملامح الناعمة تصبح جزءًا من الصورة القديمة لإله يتجاوز الحدود التقليدية بين الذكورة والأنوثة، وبين الإنسان والإله.
ولهذا فإن الاسم الأكثر دقة عند الحديث عن هذا النوع من الأعمال هو: «رأس أريادني/ديونيسوس» أو «الرأس المعروف باسم أريادني»، مع الإشارة إلى أن هويته لا تزال موضع نقاش علمي.
الخلاصة
ليست قيمة هذا التمثال في جمال وجهه الرخامي فقط، وإنما في السؤال الذي تركه لنا النحات بعد أكثر من ألفي عام:
هل أراد أن يصور أريادني، المرأة التي هجرها ثيسيوس ثم أصبحت زوجة ديونيسوس، أم أراد أن يصور ديونيسوس نفسه في صورته الشابة ذات الملامح الأنثوية؟
إن هذا الغموض هو بالضبط ما يجعل المنحوتة مثالًا رائعًا على تعقيد الفن اليوناني القديم، حيث يمكن لوجه واحد أن يحمل أكثر من هوية، ويمكن لشريط صغير حول الرأس أن يصبح مفتاحًا لنقاش أثري امتد لأجيال.


Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment