في هذا المقال
هل تريد الولايات المتحدة أوروبا قوية وموحدة، أم تفضّل التعامل مع دول أوروبية متفرقة يسهل التأثير في قراراتها؟ وهل تسعى واشنطن إلى حماية حلفائها الأوروبيين، أم إلى إبقائهم داخل دائرة نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي؟

هذه الأسئلة لم تعد مجرد نقاشات نظرية؛ فقد أصبحت العلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي موضع خلاف متزايد، خصوصًا في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أعادت فتح ملف استقلال القرار الأوروبي وحدود التحالف عبر الأطلسي.
لكن الإجابة عن سؤال ما إذا كانت أمريكا تخطط لتدمير الاتحاد الأوروبي تتطلب فحص الوثائق والسياسات، لا الاكتفاء بالشعارات السياسية أو نظريات المؤامرة.
أولًا: من التحالف إلى التنافس على النفوذ
بعد الحرب العالمية الثانية، ساهمت الولايات المتحدة في إعادة بناء أوروبا الغربية، ودعمت مشروع التعاون الأوروبي في إطار استراتيجيتها لاحتواء الاتحاد السوفيتي. وكان مشروع مارشال، الذي أُطلق عام 1948، أحد أبرز مظاهر الدعم الاقتصادي الأمريكي لإعادة الإعمار.
وفي عام 1957، تأسست المجموعة الاقتصادية الأوروبية بموجب معاهدة روما، لتصبح لاحقًا جزءًا من المسار الذي أدى إلى قيام الاتحاد الأوروبي بصورته الحديثة عام 1993.
كان التعاون بين واشنطن وأوروبا قائمًا على مصالح مشتركة، أبرزها مواجهة الاتحاد السوفيتي، وتعزيز التجارة، وتوسيع النفوذ الغربي.
غير أن المصالح المشتركة لا تعني التطابق الدائم في الأهداف. فمع تحول أوروبا إلى كتلة اقتصادية وسياسية كبيرة، أصبح من الممكن أن تتعارض بعض مصالحها مع المصالح الأمريكية، خصوصًا في مجالات التجارة والصناعة والطاقة والدفاع والسياسة الخارجية.
وهنا ظهرت معضلة أساسية: هل تقبل واشنطن بظهور أوروبا قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة عنها؟
ثانيًا: الاتحاد الأوروبي منافس اقتصادي كبير
لا يمكن فهم الخلاف الأمريكي الأوروبي دون إدراك حجم العلاقة الاقتصادية بين الطرفين.
فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يمثلان أحد أكبر مراكز التجارة والاستثمار في العالم، وتربطهما مصالح ضخمة في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والخدمات.
لكن العلاقة الاقتصادية لا تخلو من التنافس. فالشركات الأوروبية تنافس الشركات الأمريكية في قطاعات مثل السيارات والطائرات والصناعات الدوائية والآلات والمنتجات الكيميائية.
كما تتنافس القوتان على جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال، وعلى استقطاب الشركات والمشروعات التكنولوجية.
ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير بعض السياسات الأمريكية باعتبارها محاولة لتعزيز موقع الولايات المتحدة في مواجهة المنافسين، بمن فيهم الأوروبيون.
لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: وجود تنافس اقتصادي لا يثبت أن واشنطن تريد إنهاء الاتحاد الأوروبي؛ فقد تستفيد الشركات الأمريكية نفسها من وجود سوق أوروبية موحدة وقوية، كما تستفيد الشركات الأوروبية من الوصول إلى السوق الأمريكية.
ثالثًا: استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025
من أهم الوثائق التي تستحق الدراسة في هذا الملف استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في ديسمبر 2025.
فقد تضمنت الوثيقة انتقادات واضحة للمسار السياسي والثقافي الذي تتبعه أوروبا، وأشارت إلى رغبة واشنطن في تشجيع المقاومة لهذا المسار داخل الدول الأوروبية، مع تفضيل التعامل مع الدول ذات السيادة بوصفها مجموعة من الدول المتوافقة في توجهاتها.
وقد تناولت خدمة الأبحاث التابعة للبرلمان الأوروبي هذه الاستراتيجية في تحليل منشور في ديسمبر 2025، واعتبرت أنها تعكس تحولًا في طريقة تعامل الإدارة الأمريكية مع أوروبا، وتباعدًا متزايدًا في الرؤى بين الطرفين.
المصدر:
https://www.europarl.europa.eu/thinktank/en/academic/EPRS_ATA(2025)779261
لماذا تكتسب هذه النقطة أهمية؟
لأن الاتحاد الأوروبي لا يستمد قوته من اقتصاد الدول الأعضاء فحسب، بل من قدرتها على تنسيق مواقفها في مجالات التجارة والتنظيم الاقتصادي والسياسة الخارجية.
وعندما تفضّل قوة كبرى التفاوض مع الدول منفردة بدلًا من التفاوض مع التكتل الموحد، فقد يؤدي ذلك إلى تقليص قدرة هذا التكتل على التفاوض الجماعي.
ومع ذلك، فإن تشجيع اتجاه سياسي معين داخل الدول الأوروبية لا يساوي بالضرورة وجود خطة رسمية لتفكيك الاتحاد. فإثبات هذه النية يحتاج إلى أدلة أكثر تحديدًا، تتجاوز تحليل الخطاب السياسي.
رابعًا: هل تستخدم الولايات المتحدة الاقتصاد لتعزيز نفوذها؟
في أغسطس 2025، أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إطارًا لاتفاق تجاري يتضمن التزامات أوروبية متعلقة بالطاقة والاستثمارات ومشتريات رقائق الذكاء الاصطناعي والمعدات الدفاعية الأمريكية.
ووفق البيان الأمريكي الرسمي، تضمنت التفاهمات نية الاتحاد الأوروبي شراء منتجات طاقة أمريكية بقيمة متوقعة تبلغ 750 مليار دولار حتى عام 2028، وتوجيه استثمارات أوروبية إضافية بقيمة 600 مليار دولار إلى الولايات المتحدة، إلى جانب مشتريات مخططة من رقائق الذكاء الاصطناعي.
هذه الأرقام تعكس حجم التوجه نحو تعزيز الروابط الاقتصادية عبر الأطلسي، لكنها تثير أيضًا أسئلة مشروعة عن توزيع المكاسب.
فهل تستطيع أوروبا الاحتفاظ باستثماراتها وصناعاتها الاستراتيجية داخل أراضيها؟ وهل يمكن أن يؤدي انتقال مزيد من رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة إلى تعزيز جاذبية الاقتصاد الأمريكي على حساب بعض القطاعات الأوروبية؟
هذه أسئلة اقتصادية مهمة، لكن ينبغي عدم الخلط بين انتقال الاستثمارات وبين تدمير الاتحاد الأوروبي. فالاستثمار الأوروبي في الولايات المتحدة قد يحقق أرباحًا للشركات الأوروبية أيضًا، كما أن تفاصيل التنفيذ والنتائج الفعلية هي التي تحدد الأثر النهائي.
خامسًا: الطاقة والحرب في أوكرانيا ومعضلة الاستقلال الأوروبي
أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022 مدى ارتباط الأمن الأوروبي بالسياسة الأمريكية.
فالدول الأوروبية احتاجت إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، بينما أصبحت مسألة أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمدادات أكثر إلحاحًا.
وفي هذا السياق، ازدادت أهمية الغاز الطبيعي المسال الأمريكي بالنسبة إلى أوروبا، بالتوازي مع إعادة تقييم العلاقات مع روسيا.
لكن السؤال الاستراتيجي هو: هل يؤدي الاعتماد على مورد خارجي واحد أو عدد محدود من الشركاء إلى تقليص حرية القرار الأوروبي؟
الإجابة تتوقف على حجم الاعتماد، ووجود بدائل، وقدرة أوروبا على تطوير بنيتها الدفاعية والصناعية والطاقة الخاصة بها.
وإذا أصبحت الدول الأوروبية تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في السلاح والطاقة والتكنولوجيا، فقد تتسع قدرة واشنطن على التأثير في خياراتها السياسية.
وهذا يختلف عن إثبات أن الولايات المتحدة تعمدت افتعال الحرب أو تدبير أزمة الطاقة بهدف تدمير الاتحاد الأوروبي؛ فمثل هذا الاتهام يحتاج إلى أدلة مستقلة ومباشرة.
سادسًا: هل تريد واشنطن أوروبا موحدة أم مجموعة دول متفرقة؟
هذه هي النقطة الأكثر حساسية في القضية.
فالاتحاد الأوروبي يستطيع، عندما تتفق دوله، أن يتفاوض بوصفه سوقًا ضخمة، وأن يفرض قواعد تنظيمية تؤثر في الشركات العالمية، وأن ينسق بعض مواقفه التجارية والسياسية.
أما إذا انقسمت الدول الأعضاء بشأن القضايا الرئيسية، فقد تصبح قدرتها على اتخاذ قرارات مشتركة أقل فاعلية.
من هنا، يمكن أن تستفيد الولايات المتحدة من انقسامات أوروبية معينة، خصوصًا إذا جعلت بعض الحكومات الأوروبية أكثر استعدادًا لعقد تفاهمات ثنائية مع واشنطن.
لكن هناك فارقًا بين ثلاثة احتمالات:
- أن تستفيد واشنطن من الخلافات القائمة داخل أوروبا.
- أن تتبنى سياسات تشجع توجهات سياسية واقتصادية تؤدي إلى إضعاف التنسيق الأوروبي.
- أن توجد خطة أمريكية موثقة هدفها النهائي تفكيك الاتحاد الأوروبي.
الاحتمالان الأول والثاني يمكن دراستهما من خلال التصريحات والوثائق والقرارات السياسية. أما الاحتمال الثالث، فلا ينبغي عرضه بوصفه حقيقة مؤكدة دون تقديم أدلة مباشرة عليه.
كما أن الاتحاد الأوروبي لا يتوقف على رغبة الولايات المتحدة وحدها؛ فله مؤسساته ومصالحه الداخلية، وتملك دوله وشعوبه قدرة على التأثير في مستقبله.
سابعًا: هل تريد أمريكا إضعاف أوروبا عسكريًا؟
تاريخيًا، اعتمد الأمن الأوروبي بدرجة كبيرة على حلف شمال الأطلسي، الذي تلعب الولايات المتحدة فيه دورًا محوريًا.
لكن الولايات المتحدة طالبت منذ سنوات الدول الأوروبية بزيادة الإنفاق الدفاعي وتحمل حصة أكبر من مسؤولية أمن القارة.
وقد يبدو هذا متناقضًا: كيف يمكن لواشنطن أن تضغط على أوروبا لتصبح أقوى عسكريًا، ثم يُقال إنها تريد إضعافها؟
يمكن تفسير الأمر بأن الولايات المتحدة قد ترغب في تقليل الأعباء العسكرية التي تتحملها، مع الحفاظ على نفوذها داخل التحالف، وتعزيز مشتريات الحلفاء من صناعاتها الدفاعية.
وفي المقابل، تسعى بعض الدول الأوروبية إلى تطوير ما يُعرف بالاستقلال الاستراتيجي، أي امتلاك قدرة أكبر على التحرك في القضايا الأمنية حتى عندما لا تتطابق مواقفها مع الموقف الأمريكي.
وتكشف هذه المسألة عن خلاف حقيقي حول شكل التحالف، لكنها لا تقدم وحدها دليلًا على خطة لتدمير الاتحاد.
الخلاصة: صراع على أوروبا أم خطة لتدميرها؟
إن العلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ليست علاقة تحالف خالٍ من التنافس، بل علاقة تجمع بين المصالح المشتركة والصراع على النفوذ.
وتكشف الوثائق الأمريكية والأوروبية عن تباعد متزايد في الرؤى، وعن خلافات تتعلق بالتجارة والطاقة والدفاع والسيادة السياسية، كما تثير بعض التوجهات الأمريكية أسئلة جدية حول مستقبل وحدة الموقف الأوروبي.
لكن القول إن الولايات المتحدة خططت لتدمير الاتحاد الأوروبي يتجاوز ما تثبته هذه الوقائع وحدها.
والسؤال الأهم ليس فقط ما إذا كانت واشنطن تريد أوروبا ضعيفة أو قوية، بل: أي نوع من أوروبا يخدم المصالح الأمريكية؟ أوروبا الموحدة القادرة على اتخاذ قرارات مستقلة، أم أوروبا التي تتعاون مع واشنطن ولكنها تظل معتمدة عليها في الملفات الاستراتيجية؟
هذا هو السؤال الذي يستحق البحث، بعيدًا عن التهويل والتبرير، وبالاعتماد على الوثائق والتحليل والمقارنة.
تابع جديد محمد عبد السلام الشامي
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق