In this article
مقدمة:
قد يشعر الوالدان بالصدمة أو الخجل عند معرفه هذا السلوك لدى أطفالهم ، ويتسرعان في توبيخ الطفل أو وصفه بأنه سارق، دون محاولة فهم الأسباب التي دفعته إلى هذا التصرف.
لكن الحقيقة أن التعامل مع هذه المشكلة يحتاج إلى الهدوء والفهم والتوجيه، وليس إلى العقاب وحده. فالطفل الصغير قد لا يدرك تمامًا معنى الملكية الخاصة، أو قد يجد صعوبة في التحكم في رغبته بالحصول على شيء يحبه. وهنا يأتي دور الأسرة في تعليمه الفرق بين الرغبة في امتلاك شيء وبين الحق في أخذه، وكيف يمكنه التعبير عن احتياجاته بطريقة صحيحة.

أولًا: ما أسباب السرقة عند الأطفال؟
لا يوجد سبب واحد يدفع جميع الأطفال إلى أخذ الأشياء دون إذن، بل تختلف الأسباب باختلاف عمر الطفل وظروفه وطريقة تربيته.
1. عدم فهم معنى الملكية الخاصة
قد يرى الطفل لعبة أعجبته، فيظن أنه يستطيع أخذها والاحتفاظ بها، خاصة إذا كان صغيرًا ولم يتعلم بعد أن لكل شخص ممتلكاته التي يجب احترامها.
2. الرغبة الشديدة في الحصول على شيء
أحيانًا يتعلق الطفل بلعبة أو حلوى أو أداة يملكها أحد أصدقائه، ويرغب في امتلاكها بشدة، لكنه لا يعرف كيف يطلبها أو يتقبل رفض الآخرين، فيلجأ إلى أخذها دون إذن.
3. الخوف من الرفض
قد يتوقع الطفل أن يرفض والداه شراء ما يريده، أو يخشى أن يسخر منه أصدقاؤه إذا طلب منهم شيئًا، فيختار أخذ الشيء سرًا بدلًا من مواجهة الرفض.
4. محاولة جذب الانتباه
قد يلجأ بعض الأطفال إلى سلوكيات غير مقبولة عندما يشعرون بقلة الاهتمام أو يعانون من مشكلات عاطفية داخل الأسرة. لكن لا ينبغي افتراض أن هذا هو السبب في كل حالة؛ بل يجب فهم ظروف الطفل بعناية.
5. تقليد الآخرين أو التأثر بالأصدقاء
قد يقلد الطفل سلوكًا شاهده من طفل آخر، دون أن يفهم عواقبه، خاصة إذا لم يتلقَّ توجيهًا واضحًا بشأن الأمانة واحترام ممتلكات الآخرين.
ومن المهم أن نعرف أن أخذ الأشياء دون إذن لا يعني بالضرورة وجود مرض نفسي. فإذا تكرر السلوك، أو أصبح الطفل يكذب باستمرار لإخفائه، أو استمر رغم التوجيه المناسب، فقد يكون من المفيد استشارة أخصائي نفسي للأطفال لفهم الأسباب وتحديد طريقة التعامل المناسبة.
ثانيًا: كيف نتصرف عندما نكتشف أن طفلنا أخذ شيئًا خلسة؟
أول خطوة هي الحفاظ على الهدوء، لأن رد الفعل العنيف قد يجعل الطفل يخاف من الاعتراف بخطئه، أو يحاول إخفاء تصرفاته مستقبلًا.
بدلًا من الصراخ أو الإهانة، يمكن للوالدين التحدث معه على انفراد، والبدء بأسئلة بسيطة مثل:
- هل أعجبتك هذه اللعبة؟
- هل كنت تتمنى أن تكون ملكك؟
- هل طلبت من صاحبها أن يعطيك إياها؟
- ماذا يمكننا أن نفعل الآن لتصحيح ما حدث؟
تساعد هذه الأسئلة الطفل على التفكير في تصرفه وفهم دوافعه، بدلًا من التركيز على الخوف من العقاب.
ويجب أن نفرق بين رفض السلوك ورفض الطفل نفسه. فمن الأفضل أن نقول: «أخذ الأشياء دون إذن تصرف خاطئ، وأنا سأساعدك على إصلاحه»، بدلًا من وصفه بأنه طفل سيئ أو سارق.
فالتصنيف الجارح قد يؤثر في صورة الطفل عن نفسه، بينما يساعده التوجيه الهادئ على إدراك أن الخطأ يمكن تصحيحه وأنه يستطيع اتخاذ قرارات أفضل.
ثالثًا: تعليم الطفل كيف يطلب الأشياء التي يرغب في الحصول عليها
هذه من أهم الخطوات لعلاج المشكلة؛ فالطفل لا يحتاج فقط إلى معرفة أن الأخذ دون إذن خطأ، بل يحتاج أيضًا إلى تعلم البديل الصحيح.
1. علّميه كلمات بسيطة للتعبير عن رغبته
يمكن تدريب الطفل على استخدام عبارات واضحة مثل:
- «ممكن ألعب باللعبة دي بعد ما تخلص؟»
- «هل تسمح لي باستعارة قلمك؟»
- «ماما، أنا نفسي في اللعبة دي، هل ممكن نشتريها في مناسبة مناسبة؟»
- «أنا معجب بالشيء ده، هل ممكن أعرف إذا كان متاحًا للشراء؟»
كلما تدرب الطفل على التعبير عن رغباته بالكلمات، أصبح أكثر قدرة على طلب ما يريد بدلًا من التصرف باندفاع.
2. درّبيه على تقبل كلمة لا
من المهم أن يفهم الطفل أن الطلب لا يعني الحصول على الشيء بالضرورة.
فإذا طلب لعبة من صديقه ورفض الصديق إعارتها له، يمكن أن نقول له: «من حقك أن تطلب، ومن حق صديقك أن يحتفظ بلعبته. يمكنك اختيار لعبة أخرى أو انتظار وقت مناسب».
أما إذا طلب شيئًا من والديه، فيمكن توضيح سبب الرفض بطريقة تناسب عمره، مع اقتراح بديل عندما يكون ذلك ممكنًا.
3. استخدمي التمثيل واللعب
يمكن للأم أن تمثل دور صاحبة اللعبة، بينما يمثل الطفل دور من يريد استعارتها. يتدرب الطفل على الاستئذان، وانتظار الإجابة، وشكر الطرف الآخر إذا وافق.
ويمكن تكرار هذا النشاط في مواقف مختلفة، مثل استعارة الأدوات المدرسية أو طلب الحلوى أو استخدام ألعاب الإخوة.
4. علّميه الفرق بين الاستعارة والأخذ دون إذن
اشرحي له أن الاستعارة تحتاج إلى موافقة صاحب الشيء، وأن عليه إعادته في الوقت المتفق عليه.
ومن المفيد استخدام أمثلة يومية: «إذا أخذ شخص لعبتك دون أن يسألك، كيف ستشعر؟». يساعد هذا السؤال الطفل على فهم مشاعر الآخرين واحترام حقوقهم.
رابعًا: ماذا نفعل إذا أخذ الطفل شيئًا بالفعل؟
إذا أخذ الطفل لعبة من صديقه أو غرضًا من متجر أو مبلغًا من المال، فيجب التعامل مع الموقف بطريقة تساعده على تحمل المسؤولية.
أولًا، نطلب منه إعادة الشيء إلى صاحبه أو إرجاعه إلى المكان المناسب، مع مساعدة الوالدين إذا احتاج إلى ذلك.
ثانيًا، نشجعه على الاعتذار بطريقة مناسبة لعمره، مع توضيح أن الاعتذار وحده لا يغني عن إصلاح الخطأ.
ثالثًا، إذا أخذ نقودًا، فيمكن الاتفاق على طريقة مناسبة لإعادتها، دون إذلال الطفل أو تحميله مسؤولية تفوق قدرته.
وأخيرًا، نناقش معه ما يمكنه فعله في المرة القادمة عندما يرغب في شيء لا يملكه.
الهدف ليس جعل الطفل يشعر بالخزي، بل مساعدته على فهم عواقب تصرفاته وتعلم كيفية إصلاحها.
خامسًا: كيف نغرس الأمانة في نفوس الأطفال؟
تبدأ الأمانة من المواقف اليومية البسيطة، ولا تقتصر على منع السرقة فقط.
- كونوا قدوة حسنة: فالطفل يتعلم من أفعال الكبار، لذلك احرصوا على احترام ممتلكات الآخرين وإعادة الأشياء المستعارة.
- امدحوا السلوك الصحيح: عندما يطلب الطفل شيئًا بأدب، أو يعترف بأنه أخذ غرضًا دون إذن، أثنوا على صراحته وشجعوه على تصحيح الخطأ، دون تبرير التصرف نفسه.
- امنحوه فرصًا للاختيار: ساعدوه على اتخاذ قرارات مناسبة لعمره، وتعلم الانتظار والادخار إذا أراد شراء شيء.
- ضعوا قواعد واضحة: يجب أن يعرف الطفل أن ممتلكات الآخرين لا يجوز أخذها دون موافقتهم، وأن الصراحة مطلوبة حتى عندما يخطئ.
- اهتموا بمشاعره واحتياجاته: استمعوا إليه، واسألوه عما يرغب فيه، وساعدوه على التعبير عن مشاعره بدلًا من كبتها أو التصرف بناءً عليها بصورة خاطئة.
متى نحتاج إلى استشارة متخصص؟
إذا استمر أخذ الأشياء بصورة متكررة رغم التوجيه الهادئ والمتابعة، أو ظهرت مشكلات أخرى مثل الكذب المستمر أو صعوبات واضحة في التحكم في الاندفاع، فمن الأفضل استشارة أخصائي نفسي للأطفال.
ولا ينبغي تشخيص الطفل باضطراب نفسي لمجرد أنه أخذ شيئًا دون إذن؛ فالتقييم المتخصص يساعد على فهم ما إذا كان السلوك مرتبطًا بمرحلة النمو أو بظروف نفسية أو سلوكية تحتاج إلى دعم إضافي.
الخاتمة: علّموا أبناءكم كيف يطلبون، لا كيف يخافون
إن علاج السرقة عند الأطفال لا يتحقق بالصراخ أو العقاب القاسي، بل بالتربية الواعية التي تجمع بين الحزم والرحمة.
يحتاج الطفل إلى أن يعرف أن أخذ ممتلكات الآخرين دون إذن أمر غير مقبول، وأن هناك طرقًا صحيحة للتعبير عن رغباته وطلب احتياجاته. كما يحتاج إلى الشعور بالأمان الذي يسمح له بالاعتراف بخطئه وإصلاحه دون خوف من الإهانة.
فلنجعل من كل موقف فرصة للتعلم، ولنعلّم أبناءنا أن الأمانة ليست مجرد الامتناع عن أخذ ما لا نملكه، بل احترام حقوق الآخرين، والصدق في التعامل، والقدرة على التعبير عن رغباتنا بطريقة تحافظ على ثقتنا بأنفسنا وثقة الناس بنا.
فالطفل الذي يتعلم كيف يطلب ما يريد، وكيف يتقبل الرفض، وكيف يصلح أخطاءه، يكتسب مهارات سترافقه طوال حياته وتساعده على بناء علاقات صحية قائمة على الاحترام والأمانة.
Keep up with Radwa Hamdy
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment