في هذا المقال
كيف يؤثر الحرمان من النوم في قراراتنا ومشاعرنا؟
الحرمان من النوم لا يؤثر في شعورنا بالتعب فقط، بل قد يمتد تأثيره إلى علاقاتنا الإنسانية، وأدائنا في العمل والدراسة، وقدرتنا على التحكم في ردود أفعالنا، وحتى سلامة القرارات التي نتخذها في المواقف اليومية.في هذا المقال، سنتعرف على ما تقوله الأبحاث العلمية عن العلاقة بين النوم والدماغ، وكيف يؤثر نقص النوم في مشاعرنا وأحكامنا، ولماذا قد نبالغ في ردود أفعالنا عندما نكون مرهقين، وما الخطوات التي تساعدنا على حماية صحتنا النفسية وقدرتنا على اتخاذ القرارات.
ماذا يحدث في الدماغ عندما لا ننام بما يكفي؟
النوم ليس توقفًا عن العمل، بل فترة ينفذ خلالها الدماغ عمليات مهمة تتعلق بالذاكرة والتعلم وتنظيم النشاط العصبي. وعندما نقلل ساعات النوم، تتأثر بعض الوظائف التي نحتاج إليها كي نفكر بوضوح ونستجيب للمواقف بطريقة مناسبة.
1. تراجع كفاءة الانتباه والتركيز
من أبرز آثار نقص النوم انخفاض القدرة على الحفاظ على الانتباه لفترات طويلة. فقد تقرأ الصفحة نفسها عدة مرات دون استيعابها، أو ترتكب خطأ في مهمة اعتدت تنفيذها بسهولة. والأخطر أن الانتباه قد يصبح غير مستقر في مراجعة تحليلية شملت 61 دراسة و71 مجموعة سكانية، وجد الباحثون أن تقييد النوم ارتبط بتراجع ملحوظ في الأداء المعرفي، بما في ذلك الوظائف التنفيذية والانتباه المستمر والذاكرة طويلة المدى.
الدراسة: The Neurocognitive Consequences of Sleep Restriction: A Meta-Analytic Review
2. ضعف الذاكرة العاملة والقدرة على معالجة المعلومات
عندما ينخفض النوم، قد يصبح الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها أكثر صعوبة. لذلك قد تجد أنك تنسى ما كنت تنوي فعله، أو تواجه صعوبة في ربط الأفكار، أو تحتاج إلى وقت أطول لإنجاز مهمة تتطلب التفكير. وتوضح مراجعة علمية عن الدماغ المحروم من النوم أن نقص النوم يؤثر في الانتباه والذاكرة العاملة والتعلم، مع اختلاف حجم التأثير وفق طبيعة المهمة والفروق الفردية بين الأشخاص.
3. تراجع قدرة الدماغ على كبح الاستجابات
قد يؤدي نقص النوم إلى إضعاف بعض هذه القدرات، ما يجعل الشخص أكثر عرضة لمقاطعة الآخرين، أو الرد قبل التفكير، أو التسرع في تنفيذ قرار، أو صعوبة تغيير خطته عندما تتغير الظروف.لكن من المهم عدم التعميم: لا تؤثر قلة النوم بالطريقة نفسها في كل مهمة عقلية، ولا يصبح كل شخص محروم من النوم مندفعًا بالضرورة. وتشير المراجعات العلمية إلى أن التأثير يتفاوت بحسب نوع المهمة ومدى تعقيدها ومدة الحرمان من النوم.
Sleep Deprivation: Impact on Cognitive Performance
كيف يؤثر الحرمان من النوم في مشاعرنا؟
1. لماذا نصبح أكثر عصبية بعد ليلة من النوم السيئ؟
أحد التفسيرات المحتملة هو أن قلة النوم تؤثر في معالجة المعلومات العاطفية، وفي قدرة الدماغ على تنظيم الاستجابة لهذه المعلومات. وبالتالي، قد يصبح التعامل مع الضغوط اليومية أكثر صعوبة.ومن المهم التمييز بين أمرين:زيادة المشاعر السلبية: مثل العصبية والقلق والإحباط. ضعف تنظيم المشاعر: أي صعوبة تهدئة النفس، أو إعادة تقييم الموقف، أو اختيار استجابة مناسبة.قد يجتمع الأمران، لكنهما ليسا الشيء نفسه. مراجعة تحليلية منشورة في مجلة Sleep عام 2021، جمعت نتائج 64 دراسة و241 تقديرًا لحجم التأثير. ووجدت أن فقدان النوم ارتبط بزيادة متوسطة في المزاج السلبي، وانخفاض واضح في المزاج الإيجابي.
الدراسة: The Effect of Sleep Deprivation and Restriction on Mood, Emotion, and Emotion Regulation
2. انخفاض القدرة على الشعور بالسعادة
قد تستيقظ وأنت لا تشعر بالحماس المعتاد، أو تجد صعوبة في الاستمتاع بنشاط تحبه، أو تشعر بأن إنجازاتك لا تمنحك الرضا نفسه. وقد تبدو المهام اليومية أثقل مما هي عليه في الواقع.وفي مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2024 في مجلة Psychological Bulletin، حلل الباحثون 154 دراسة تجريبية شملت 5,717 مشاركًا. ووجدوا أن أشكال فقدان النوم المختلفة ارتبطت بانخفاض المشاعر الإيجابية، وارتفاع أعراض القلق،
رابط الدراسة: Sleep Loss and Emotion: A Systematic Review and Meta-Analysis of Over 50 Years of Experimental Research
3. ما علاقة النوم بالقلق؟
عندما نكون مرهقين، قد تبدو المشكلات أصعب في التعامل معها، وقد نصبح أكثر انشغالًا بالاحتمالات السلبية. كما يمكن أن تؤدي صعوبة التركيز إلى زيادة الشعور بفقدان السيطرة، وهو ما قد يفاقم القلق لدى بعض الأشخاص.وتشير المراجعة المنشورة عام 2024 إلى ارتفاع أعراض القلق بعد تجارب فقدان النوم، لكن هذا لا يعني أن ليلة واحدة سيئة تؤدي حتمًا إلى اضطراب قلق، أو أن الحرمان من النوم هو السبب الوحيد للقلق.
هل يختلف تأثير نقص النوم من شخص إلى آخر؟
.
تؤثر عدة عوامل في استجابة الإنسان، منها:
مدة نقص النوم: قد تختلف آثار ليلة واحدة عن آثار تقييد النوم على مدى عدة ليالٍ.
الاحتياج الفردي للنوم: لا تتساوى احتياجات الجميع، كما تختلف التوصيات بحسب العمر.
طبيعة المهمة: قد تتأثر مهام الانتباه المستمر بطريقة مختلفة عن بعض المهام البسيطة أو المألوفة.
الوقت البيولوجي: قد تتفاقم الصعوبات في أوقات يكون فيها الجسم مهيأً للنوم.
الحالة الصحية والنفسية: يمكن أن تتداخل مشكلات النوم والضغط النفسي وبعض الحالات الصحية في التأثير على الأداء.
وتوضح مراجعة منشورة في مجلة Neuropsychopharmacology أن الأشخاص يختلفون بدرجة كبيرة في مدى تأثر انتباههم بنقص النوم، وأن قابلية التأثر في مجال معرفي معين لا تعني بالضرورة القابلية نفسها في المجالات الأخرى.
رابط البحث: Sleep Deprivation, Vigilant Attention, and Brain Function: A Review
وهذا يفسر لماذا قد يبدو شخص قادرًا على إكمال يوم عمله رغم نومه القليل، بينما يجد شخص آخر صعوبة شديدة في التركيز. لكن الأداء الظاهري لا يكفي وحده للحكم بأن نقص النوم لم يؤثر في الشخص.
عاشرًا: لماذا يستحق النوم أن يكون أولوية؟
ربما تكون أهم فكرة يمكن استخلاصها هي أننا لا نحتاج إلى انتظار حدوث خطأ كبير حتى ندرك أهمية النوم. أحيانًا تظهر آثاره في تفاصيل صغيرة: كلمة نقولها بانفعال، أو قرار نتخذه على عجل، أو فرصة نفوتها لأننا لم نستطع التركيز.النوم ليس وقتًا ضائعًا من يومنا، بل جزء من قدرتنا على استخدام هذا اليوم بصورة أفضل. وكلما منحنا أجسامنا وعقولنا فرصة كافية للراحة، دعمنا قدرتنا على التفكير بوضوح والتعامل مع مشاعرنا والآخرين بصورة أكثر اتزانًا.
تابع جديد yara nashat
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق