في هذا المقال
هل الإبداع مهارة يمكن تعلمها أم موهبة فطرية؟
تشير الأدلة العلمية إلى أن الإبداع أكثر تعقيدًا من كونه موهبة فطرية ثابتة. فبعض الفروق الفردية في الإبداع قد تكون مرتبطة بعوامل وراثية، لكن البيئة والخبرات والتعلم والتدريب تؤدي أيضًا دورًا مهمًا. والأهم أن الأبحاث تشير إلى إمكانية تطوير بعض جوانب التفكير الإبداعي بالتدريب المنظم.
ما المقصود بالإبداع أصلًا؟
الإبداع لا يعني ببساطة إنتاج شيء «جميل» أو مختلف. في علم النفس، يرتبط الإبداع عادةً بالقدرة على إنتاج أفكار تتسم بدرجة من الجدة والأصالة والفائدة. وهذا يعني أن الفكرة الغريبة ليست بالضرورة فكرة إبداعية. فقد تكون مختلفة تمامًا، لكنها غير مفيدة أو غير قابلة للتطبيق. لذلك يمكن أن يظهر الإبداع في الفن والكتابة والموسيقى، لكنه يظهر أيضًا في العلوم والهندسة وريادة الأعمال والتعليم وحتى في الحياة اليومية، عندما يستطيع الإنسان التعامل مع مشكلة بطريقة جديدة وفعالة.
هل يولد بعض الأشخاص باستعداد أكبر للإبداع؟
ومن الدراسات المثيرة للاهتمام في هذا المجال دراسة للتوائم الذين تربوا بعيدًا عن بعضهم، حاولت فصل التأثيرات الجينية عن البيئية. ووجد الباحثون أن بعض جوانب الإبداع التطبيقي أظهرت تأثيرات جينية، بينما ارتبطت جوانب أخرى بدرجة أكبر بالبيئة والخبرات الفردية.وفي أحد مقاييس الرسم المستخدمة في الدراسة، فسرت العوامل الجينية نحو 38–47% من التباين، بينما أظهرت مقاييس أخرى تأثيرًا أكبر للبيئة غير المشتركة بين الأفراد. وهذا مهم لأنه يشير إلى أن الإبداع لا يمكن اختزاله في عامل واحد.
هل يمكن تدريب الإبداع؟
في عام 2004، أجرى سكوت وليريتز ومامفورد مراجعة تحليلية كمية شملت 70 دراسة سابقة حول برامج تدريب الإبداع. ووجد الباحثون أن برامج التدريب المصممة جيدًا يمكن أن تؤدي إلى تحسن في الأداء الإبداعي، وأن التأثيرات ظهرت عبر معايير وبيئات وفئات مختلفة.
رابط الدراسة:
The Effectiveness of Creativity Training: A Quantitative Review
وفي بحث آخر للباحثين أنفسهم، جرى تحليل 156 برنامجًا تدريبيًا لتحديد أنواع التدريب الأكثر فاعلية. وأظهرت النتائج أن جميع الأنواع تقريبًا كان لها بعض القيمة، بينما بدت تدريبات إنتاج الأفكار والتدريبات المعرفية من بين الأساليب الأكثر فاعلية.
رابط الدراسة:
Types of Creativity Training: Approaches and Their Effectiveness – Wiley
وهذا يقدم دليلًا مهمًا: بعض مكونات الإبداع يمكن بالفعل تدريبها.
لماذا يبدو بعض الأشخاص أكثر إبداعًا من غيرهم؟
أولًا، الاستعدادات الفردية؛ فالأشخاص يختلفون في الشخصية والقدرات المعرفية والاهتمامات. ثانيًا، الخبرة؛ الشخص الذي يقرأ ويجرب ويتعلم في مجال معين يمتلك قاعدة أكبر من المعرفة التي يمكن أن يبني عليها أفكارًا جديدة. ثالثًا، البيئة؛ البيئة التي تسمح بالأسئلة والتجربة والاختلاف يمكن أن تساعد على التعبير عن القدرات الإبداعية. رابعًا، الدافعية؛ الشخص الذي يمتلك رغبة حقيقية في استكشاف موضوع ما قد يستمر في البحث والتجربة لفترة أطول.
هل يمكن أن يصبح أي شخص عبقريًا إذا تدرب؟
القول إن «الإبداع يمكن تعلمه» لا يعني أن التدريب سيجعل جميع الأشخاص متساوين في الإبداع، أو أن أي شخص يمكنه الوصول إلى مستوى استثنائي في الفن أو العلوم. كما أن تعلم الرياضيات لا يجعل الجميع علماء رياضيات، وتعلم الموسيقى لا يجعل الجميع مؤلفين موسيقيين كبارًا. التدريب يستطيع تطوير الإمكانات، لكنه لا يلغي الفروق الفردية. والدليل الجيني والبيئي يشير بالفعل إلى أن الإبداع يتأثر بمزيج من العوامل، وليس بعامل واحد فقط.
كيف يمكن تدريب الإبداع في الحياة اليومية؟
يمكن لأي شخص أن يبدأ بتدريبات بسيطة:
أولًا: تمرين البدائل
عند مواجهة مشكلة، لا تكتفِ بأول حل. اكتب خمسة حلول مختلفة، حتى لو بدا بعضها غير عملي.
ثانيًا: تغيير زاوية النظر
اسأل نفسك: كيف سيرى الطفل هذه المشكلة؟ كيف سيراها شخص يعمل في مجال مختلف؟ ماذا لو عكسنا الافتراض الأساسي؟
ثالثًا: الجمع بين الأشياء
اختر شيئين لا علاقة واضحة بينهما وحاول ابتكار منتج أو فكرة تجمعهما.
رابعًا: القراءة في مجالات مختلفة
لا تحصر نفسك في مجال واحد. المعرفة المتنوعة تزيد المواد التي يستطيع العقل الربط بينها.
خامسًا: تأجيل الحكم
عندما تولد الفكرة، لا تحكم عليها فورًا. مرحلة توليد الأفكار تختلف عن مرحلة تقييمها.
سادسًا: الممارسة المنتظمة
الإبداع مثل العديد من المهارات العقلية؛ الاستمرار في استخدامه أهم من انتظار «الإلهام».
الخلاصة: الإبداع موهبة أم مهارة؟
الأدلة تشير إلى وجود فروق فردية تتأثر بعوامل وراثية، لكن البيئة والخبرة والمعرفة والتدريب يمكن أن تلعب أدوارًا مهمة أيضًا. كما تظهر المراجعات التجريبية أن بعض أشكال التفكير الإبداعي يمكن تحسينها من خلال التدريب المنظم. وفي المقابل، قد لا يرى شخص نفسه «موهوبًا» في البداية، لكنه يستطيع أن يطور قدرته على توليد الأفكار، وتغيير وجهة النظر، وربط المعلومات، وحل المشكلات من خلال التعلم والممارسة. الإبداع إذن ليس بابًا مغلقًا أمام من لم يولد موهوبًا؛ لكنه أيضًا ليس مهارة ميكانيكية يمكن ضمانها بالتدريب وحده. إنه نتيجة تفاعل مستمر بين الاستعداد، والمعرفة، والخبرة، والدافعية، والبيئة، والممارسة.وربما تكون الفكرة الأكثر أهمية هي أن الإنسان لا يحتاج إلى انتظار اكتشاف «موهبته» حتى يبدأ في الإبداع؛ ففي كثير من الأحيان، تظهر الموهبة نفسها بعد أن يبدأ الإنسان في الممارسة.

تابع جديد yara nashat
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق