لماذا نشعر أننا عشنا اللحظة من قبل؟ سر ظاهرة الديجافو الغريبة

لماذا نشعر أننا عشنا اللحظة من قبل؟ سر ظاهرة الديجافو الغريبة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

لماذا نشعر أننا عشنا اللحظة من قبل؟ سر ظاهرة الديجافو الغريبة

هل دخلتَ يومًا إلى مكان جديد تمامًا، ثم شعرت فجأة بأنك رأيت هذا المكان من قبل؟ ربما كنت تسير في شارع لم تزره من قبل، أو تتحدث مع شخص للمرة الأولى، لكن إحساسًا غريبًا يخبرك بأن هذه اللحظة ليست جديدة عليك.

هذا الشعور يُعرف باسم الديجافو (Déjà Vu)، وهي عبارة فرنسية تعني "شوهد من قبل". الغريب في هذه الظاهرة أنك قد تكون متأكدًا من أنك لم تعش الموقف سابقًا، ومع ذلك يبدو المشهد مألوفًا بشكل يصعب تجاهله.

فهل يمكن أن تكون مجرد خدعة من الذاكرة؟ أم أن الدماغ يلتقط تفاصيل لا ننتبه إليها بوعي؟ العلماء درسوا هذه الظاهرة لسنوات، وظهرت عدة تفسيرات تحاول فهم ما يحدث داخل الدماغ في تلك اللحظة القصيرة.

image about لماذا نشعر أننا عشنا اللحظة من قبل؟ سر ظاهرة الديجافو الغريبة

ما هي ظاهرة الديجافو؟

الديجافو هي إحساس مفاجئ بأن موقفًا أو مكانًا أو تجربة تحدث الآن تبدو مألوفة بشكل غير معتاد، رغم إدراك الشخص أنها جديدة بالفعل.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الشخص يشعر بالألفة، لكنه في الوقت نفسه يعرف أن الموقف جديد.

وهذا يختلف عن مجرد تذكر حدث قديم. ففي حالة التذكر العادي، يستطيع الشخص عادةً ربط الإحساس بذكرى محددة: "لقد زرت هذا المكان من قبل" أو "لقد حدث هذا معي سابقًا". أما في الديجافو، فقد يكون الإحساس بالألفة قويًا، لكن دون القدرة على تحديد ذكرى واضحة تفسره.

تشير مراجعة علمية واسعة نُشرت في مجلة Psychological Bulletin إلى أن الديجافو ظاهرة شائعة نسبيًا، وقد مر بها جزء كبير من الناس في مرحلة ما من حياتهم. كما ناقشت المراجعة عدة تفسيرات محتملة للظاهرة، منها التفسيرات المرتبطة بالذاكرة والانتباه وطريقة معالجة المعلومات.

لماذا يبدو المكان الجديد مألوفًا؟

إحدى الأفكار العلمية المهمة هي أن الدماغ لا يتعامل مع المشاهد على أنها مجموعة عشوائية من التفاصيل، بل يستطيع التعرف على الأنماط والعلاقات بين الأشياء.

تخيل أنك تدخل غرفة لأول مرة. ربما لم ترَ هذه الغرفة تحديدًا من قبل، لكن ترتيب الأثاث، ومكان الباب، وشكل النوافذ، والإضاءة، والمسافات بين الأشياء قد تشبه مشهدًا رأيته في مكان آخر منذ فترة طويلة.

قد لا تتذكر المشهد القديم بشكل واعٍ، لكن بعض خصائصه يمكن أن تكون مخزنة في الذاكرة.

وهنا يمكن أن يظهر الإحساس الغريب: المشهد جديد، لكنه يحتوي على عناصر أو ترتيب مألوف بدرجة كافية ليحفّز شعورًا بالألفة.

في إحدى التجارب باستخدام بيئات افتراضية ثلاثية الأبعاد، وجد الباحثون أن المشاركين كانوا أكثر عرضة للإبلاغ عن الإحساس بالديجافو عندما كان ترتيب عناصر المشهد الجديد يشبه ترتيب مشهد شاهدوه سابقًا، حتى عندما لم يستطيعوا تذكر المشهد القديم نفسه.

الذاكرة لا تعمل بطريقة بسيطة

قد نتصور أن الذاكرة تعمل مثل تسجيل فيديو: إما أن تتذكر شيئًا أو لا تتذكره.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

عندما نواجه شيئًا جديدًا، يستطيع الدماغ إصدار إحساس بأن هذا الشيء مألوف قبل أن نتمكن من استرجاع تفاصيل محددة عنه. ولهذا يميز الباحثون في دراسات الذاكرة بين الشعور بالألفة وبين استرجاع تفاصيل التجربة السابقة.

في بعض حالات الديجافو، يبدو أن الإحساس بالألفة يظهر دون أن تصاحبه ذكرى واضحة يمكن للشخص تحديدها.

وهذا أحد الأسباب التي جعلت بعض الباحثين يدرسون الديجافو باعتباره نوعًا من الخطأ أو الوهم المؤقت في الإحساس بالألفة، وليس بالضرورة ذكرى حقيقية لموقف مطابق حدث في الماضي.

image about لماذا نشعر أننا عشنا اللحظة من قبل؟ سر ظاهرة الديجافو الغريبة

هل يمكن أن يكون السبب هو تشابه الأماكن؟

هذا أحد التفسيرات المثيرة للاهتمام.

قد لا يكون المكان الذي تزوره جديدًا تمامًا من ناحية التفاصيل التي يلتقطها دماغك. ربما يشبه مكانًا آخر رأيته منذ سنوات، لكن التشابه ليس واضحًا بما يكفي لكي تقول: "هذا المكان يشبه المكان الفلاني".

على سبيل المثال، قد تدخل مطعمًا لأول مرة وتجد أن الطاولات مرتبة بطريقة تشبه مقهى قديمًا زرته، أو أن الشارع أمامك له نفس شكل شارع رأيته في رحلة سابقة.

أنت لا تتذكر التجربة القديمة بالضرورة، لكن بعض ملامحها قد تتطابق مع الموقف الحالي.

وقد دعمت تجارب علمية هذه الفكرة؛ إذ ارتبط التشابه بين المشاهد القديمة والجديدة بزيادة الإحساس بالألفة وباحتمال الإبلاغ عن الديجافو عندما يفشل الشخص في استرجاع المشهد السابق بوضوح.

وماذا عن الإحساس بأنك تعرف ما سيحدث بعد ذلك؟

أحيانًا لا يتوقف الأمر عند الشعور بأن المكان مألوف.

قد يشعر الشخص أثناء الديجافو بأنه يعرف ما سيحدث بعد لحظات، وكأن الموقف يسير وفق سيناريو شاهده سابقًا.

هذا الإحساس يُعرف في الأبحاث المتعلقة بالديجافو بأنه إحساس بالتنبؤ، وقد بحثت دراسات حديثة فيما إذا كان ارتفاع الشعور بالألفة يمكن أن يؤدي إلى هذا الانطباع الوهمي بأن الشخص يعرف ما سيحدث لاحقًا.

وتشير تجربة منشورة عام 2025 إلى أن زيادة التشابه المكاني بين مشاهد جديدة ومشاهد سبق التعرض لها يمكن أن تزيد مشاعر الألفة وكذلك الإحساس الوهمي بمعرفة ما سيحدث، حتى عندما لا يستطيع المشاركون استرجاع المشهد السابق فعليًا.

لكن هذا لا يعني أن الديجافو يمنح الإنسان قدرة حقيقية على التنبؤ بالمستقبل؛ إنه إحساس ذاتي يمكن أن يصاحب التجربة.

هل الديجافو مرتبط بالدماغ؟

بالتأكيد، لكن العلاقة أكثر تعقيدًا من فكرة وجود "منطقة واحدة للديجافو".

اهتم الباحثون بشكل خاص بمناطق مرتبطة بالذاكرة والتعرف على المواقف، بما في ذلك أجزاء من الفص الصدغي الإنسي والمناطق المحيطة بالحصين.

كما أن دراسة الديجافو لدى بعض الأشخاص المصابين بالصرع في الفص الصدغي ساعدت الباحثين على دراسة العلاقة بين هذه الظاهرة وعمليات الذاكرة والشعور بالألفة. فقد أظهرت أبحاث على بعض المرضى وجود علاقة بين الديجافو واضطرابات محددة في عمليات التعرف والذاكرة.

لكن من المهم عدم الخلط بين الأمرين: حدوث الديجافو من حين لآخر لدى شخص سليم لا يعني أنه مصاب بالصرع أو باضطراب عصبي.

الدراسات العصبية المتعلقة بالصرع تتناول حالات سريرية محددة، ولا يمكن استخدامها وحدها لتفسير كل تجربة ديجافو يومية.

هل هناك تفسير واحد مؤكد؟

حتى الآن، لا يوجد تفسير واحد متفق عليه يشرح كل حالات الديجافو.

توجد عدة فرضيات، وبعضها يركز على الذاكرة، وبعضها على الانتباه، وبعضها على الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات في لحظات متقاربة.

وقد قسمت المراجعات العلمية القديمة التفسيرات المقترحة إلى فئات مختلفة، منها فرضيات المعالجة المزدوجة، والذاكرة، والانتباه، والتفسيرات العصبية.

لذلك من الأدق أن نقول إن الباحثين يفهمون بعض الآليات المحتملة للديجافو، لكن الظاهرة نفسها لا تزال موضوعًا للبحث العلمي.

لماذا تبدو التجربة حقيقية جدًا؟

ربما يكون الجزء الأكثر غرابة في الديجافو هو قوة الشعور نفسه.

حتى عندما تعرف منطقيًا أنك لم تزر المكان من قبل، فإن إحساس الألفة قد يكون قويًا جدًا لدرجة أنك تبدأ في البحث عن تفسير له.

وهذا يوضح نقطة مهمة حول الذاكرة: الشعور بأن شيئًا مألوف لا يثبت بالضرورة أنك تذكرته بشكل صحيح.

الدماغ يستخدم إشارات كثيرة للحكم على ما إذا كان الشيء مألوفًا، وقد تحدث هذه العملية دون أن نستطيع تحديد المصدر الذي جاءت منه الألفة.

وفي تجارب الواقع الافتراضي، ظهر بالفعل أن تشابه ترتيب عناصر المشهد يمكن أن يزيد الشعور بالألفة والديجافو حتى عندما لا يستطيع المشاركون تذكر المشهد السابق بشكل مباشر.

في النهاية: هل عشنا اللحظة فعلًا من قبل؟

ليس بالضرورة.

عندما نشعر بالديجافو، فإن التجربة تبدو حقيقية جدًا من الناحية الشعورية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الموقف حدث لنا بالفعل في الماضي.

أحد التفسيرات المدعومة بحثيًا هو أن الدماغ قد يلتقط تشابهات بين الموقف الحالي ومعلومات مخزنة في الذاكرة، فينشأ شعور قوي بالألفة دون استرجاع ذكرى محددة.

ورغم أن العلماء قطعوا خطوات مهمة في فهم هذه الظاهرة، فإن الديجافو يظل مثالًا مثيرًا على مدى تعقيد الذاكرة البشرية، وكيف يمكن للشعور بالألفة أن يظهر للحظات بينما ندرك في الوقت نفسه أن ما نعيشه جديد.

وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو لحظة الديجافو غريبة إلى هذا الحد: فأنت تعرف أن هذه اللحظة جديدة، لكن جزءًا من عقلك يتصرف للحظة وكأنها حدثت من قبل.

المصادر والمراجع

Brown, A. S. (2003). A review of the déjà vu experience. Psychological Bulletin, 129(3), 394–413. DOI: 10.1037/0033-2909.129.3.394.

Cleary, A. M., Brown, A. S., Sawyer, B. D., Nomi, J. S., Ajoku, A. C., & Ryals, A. J. (2012). Familiarity from the configuration of objects in 3-dimensional space and its relation to déjà vu. Consciousness and Cognition, 21(2), 969–975. DOI: 10.1016/j.concog.2012.01.004.

Illman, N. A., Butler, C. R., Souchay, C., & Moulin, C. J. A. (2012). Déjà Experiences in Temporal Lobe Epilepsy. ISRN Neurology, 2012, 539567. DOI: 10.1155/2012/539567.

Huebert, A. M., Myers, S. J., & Cleary, A. M. (2025). Experimental evidence that illusory feelings of prediction can be caused by familiarity detection. Consciousness and Cognition, 133, 103904. DOI: 10.1016/j.concog.2025.103904.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Marina _content تقييم 4.93 من 5.
المقالات

8

متابعهم

6

متابعهم

3

مقالات مشابة
-