لماذا نشعر عادةً أن الوقت يمر بسرعة
هل الوقت فعلًا يمر بسرعة؟
عندما نقول: "الوقت بيجري" فنحن لا نقصد عادةً أن عقارب الساعة أصبحت أسرع، وإنما نصف شعورًا داخليًا تجاه مرور الزمن.
فالساعة تقيس مدة محددة، لكن الإنسان لديه شيء مختلف يسمى إدراك الوقت؛ أي الطريقة التي يشعر بها بمرور الدقائق والساعات.
وهذا الإدراك ليس ثابتًا في جميع المواقف. فقد تمر ساعة أثناء نشاط ممتع دون أن نشعر بها، بينما قد تبدو فترة أقصر بكثير طويلة جدًا عندما نكون في انتظار شيء.
وتشير أبحاث علم النفس إلى أن إدراك المدة الزمنية يرتبط بعوامل مثل الانتباه والذاكرة والمشاعر وطبيعة النشاط الذي يقوم به الإنسان.
عندما ننشغل لا نراقب مرور الوقت
من أبسط التفسيرات أن الانتباه يؤثر في إحساسنا بالمدة.
تخيل شخصًا بدأ في مشاهدة فيلم يحبه. خلال الفيلم، يكون تركيزه على الأحداث والشخصيات، وليس على الساعة.
بعد انتهاء الفيلم قد يتفاجأ بأن ساعتين مرتا.
لكن تخيل الموقف نفسه أثناء انتظار موعد مهم دون وجود شيء يشغله. ربما يبدأ في النظر إلى الساعة كل عدة دقائق.
في الحالة الثانية، يصبح مرور الوقت نفسه موضوعًا للانتباه، ولذلك يمكن أن تختلف التجربة الذاتية للمدة.
وتناقش المراجعات العلمية لإدراك الزمن العلاقة بين الانتباه وتقدير المدة، مع التأكيد على أن تأثير الانتباه يعتمد على ظروف المهمة وطريقة قياس الزمن.
ولماذا تبدو اللحظات المملة طويلة؟
الملل يقدم مثالًا واضحًا على اختلاف الإحساس بالوقت.
عندما لا يوجد نشاط يشغل انتباهنا، قد يصبح تركيزنا أكبر على أنفسنا وعلى مرور الدقائق.
لذلك قد تشعر أن عشرين دقيقة من الانتظار أطول من عشرين دقيقة قضيتها في نشاط ممتع.
لكن من المهم عدم تحويل هذا إلى قاعدة مطلقة؛ فالدراسات المتعلقة بالملل وإدراك الوقت تشير إلى وجود تأثيرات معقدة تعتمد على الظروف وطريقة قياس الإحساس بالزمن.
المفاجأة: الذاكرة تغير نظرتنا للوقت أيضًا
هناك نقطة أكثر إثارة للاهتمام.
إحساسنا بالوقت أثناء حدوث التجربة ليس بالضرورة نفس إحساسنا بها بعد انتهائها.
فكر في رحلة مليئة بالأماكن والأنشطة الجديدة.
أثناء الرحلة ربما تشعر أن الأيام تمر بسرعة لأنك مشغول ومستمتع.
لكن عندما تعود إلى المنزل وتتذكر الرحلة، قد تشعر بأنها كانت فترة طويلة ومليئة بالأحداث؛ لأن ذاكرتك تحتوي على عدد كبير من التفاصيل المختلفة.
وهذا يوضح أن إدراك الوقت ليس تجربة واحدة بسيطة، بل يمكن أن يختلف حسب ما إذا كنا نعيش الحدث أم نسترجعه من الذاكرة.
وتشير أبحاث إدراك الزمن إلى أهمية الذاكرة والخبرة السابقة في الطريقة التي نحكم بها على مدة الأحداث والفترات الماضية.
لماذا تبدو بعض السنوات وكأنها مرت بسرعة؟
هنا يظهر الفرق بين الوقت الذي نعيشه والوقت الذي نتذكره.
إذا كانت فترة طويلة مليئة بأحداث جديدة ومختلفة، فقد يكون لدينا الكثير من الذكريات المرتبطة بها.
أما إذا كانت الأيام متشابهة جدًا، فقد لا توجد أحداث مميزة كثيرة يمكن للذاكرة استخدامها عند استرجاع تلك الفترة.
لهذا قد يقول شخص بعد فترة طويلة:
"مش عارف السنة راحت فين!"
ليس لأن السنة مرت فعليًا بسرعة أكبر، ولكن لأن التجارب المتشابهة قد لا تترك في الذاكرة نفس عدد العلامات المميزة التي تساعدنا على تقسيم الفترة عند تذكرها.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل تقديرنا للزمن الماضي مختلفًا عن قياس الساعة له.
هل السعادة تجعل الوقت يمر أسرع؟
ليس من الدقة القول إن السعادة وحدها تجعل الوقت أسرع.
الأبحاث تشير إلى أن المشاعر يمكن أن تؤثر في إدراك الزمن، لكن التأثير يتغير حسب نوع الشعور، وشدته، وطبيعة النشاط، وما إذا كان الشخص يركز على الوقت أم على شيء آخر.
وبعض الدراسات وجدت أن الحالات الإيجابية المرتبطة بالدافعية والانخراط في النشاط يمكن أن تجعل المدة تبدو أقصر في ظروف معينة.
إذن الأدق أن نقول:
الأوقات الممتعة قد تبدو أقصر أحيانًا، لكن السبب ليس السعادة وحدها.
مثال من الحياة اليومية
لنفترض أن لديك ساعتين في يوم واحد.
في الساعة الأولى، جلست تنتظر شخصًا وتأملت الساعة عدة مرات.
وفي الساعة الثانية، تحدثت مع أصدقائك وانشغلت في نشاط تحبه.
المدة في الحالتين متساوية: 60 دقيقة.
لكن تجربتك لها قد تكون مختلفة تمامًا.
في الأولى، كنت تلاحظ مرور الوقت.
وفي الثانية، كان انتباهك بعيدًا عن الساعة.
وهنا تظهر الفكرة الأساسية: الزمن الذي تقيسه الساعة شيء، والزمن الذي يشعر به الإنسان شيء آخر.
هل يمكن أن يشعر شخصان بالوقت بطريقة مختلفة؟
نعم، وهذا طبيعي.
شخصان قد يشاركان في النشاط نفسه، لكنهما لا يملكان بالضرورة نفس درجة الاهتمام أو الانتباه أو الخبرة السابقة.
كما أن الطريقة التي يتذكر بها كل شخص الأحداث يمكن أن تختلف.
لذلك لا توجد قاعدة بسيطة تقول إن تجربة معينة ستجعل الجميع يشعرون بالوقت بالطريقة نفسها.
الخلاصة
الوقت لا يسرع فعليًا عندما نكون سعداء أو مشغولين، ولا يتباطأ عندما نشعر بالملل.
الذي يتغير هو إدراكنا للوقت.
فالانتباه، والمشاعر، وطبيعة النشاط، والذاكرة، والخبرات السابقة يمكن أن تؤثر في الطريقة التي نشعر بها بمرور الدقائق والساعات.
ولهذا يمكن أن تمر ساعتان في موقف وكأنهما دقائق، بينما تبدو عشرون دقيقة في موقف آخر طويلة جدًا.
الساعة تقيس الزمن، لكن العقل يعيشه بطريقته الخاصة.
ملاحظة مهمة حول المصادر وحدود المعلومات
المعلومات الواردة في المقال تلخص نتائج عامة من أبحاث علم النفس المعرفي حول إدراك الزمن والانتباه والذاكرة والمشاعر. ولا تعني هذه النتائج أن جميع الأشخاص يشعرون بالوقت بالطريقة نفسها، كما أن تأثير المشاعر أو الانتباه قد يختلف باختلاف تصميم الدراسة وطبيعة المهمة وطريقة قياس الزمن. لذلك تُعرض المعلومات هنا لأغراض تثقيفية عامة، وليست تشخيصًا أو علاجًا لأي حالة فردية.
المصادر
- Matthews & Meck — Temporal cognition: Connecting subjective time to perception, attention, and memory — PubMed.
- Zakay & Block — أبحاث حول العلاقة بين الانتباه وإدراك الزمن.
- دراسة حول العلاقة بين الملل وإدراك مرور الوقت — PubMed.
- Gable et al. — Time flies when you're having approach-motivated fun — PubMed.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق