بين اللاشيء وكل شيء
أريد أن أكتب.
هناك صوت في داخلي يقول: «اكتبي»، لكنني لا أعرف ماذا أكتب، فقررت أن أكتب عن اللاشيء.
بالضبط… اللاشيء هو ولا حاجة.
ربما نظرنا إليه كثيرًا وتأملناه في أغلب الأحيان، لكننا لا ننتبه إليه إلا في أوقات الملل، والحزن، والضيق، والسأم، وأوقات الانتظار الطويلة، وأوقات فراغك النفسي، أو حتى أوقات زحامك التي يحدث فيها عطل بداخلك.
فتراك تجلس، أو تستلقي، أو تقف في أقرب نقطة إليك، تحدق في سقف الغرفة، أو تنظر إلى تلك الزاوية البعيدة، أو إلى أي شيء…
إلى اللاشيء.
لا تعرف لماذا تحدق هكذا، ولا إلى ماذا تنظر، ولا ماذا ترى، وحتى ماذا تشعر الآن.
أنت لا تعرف شيئًا.
تمضي اللحظات هكذا، وربما الساعات، وأنت على حالك. لا أحد يعلم ما بك، وربما أنت نفسك لا تعلم.
في تلك اللحظة قد لا تعود من أهل الدنيا.
جسدك هنا، لكنك في مكان آخر.
في اللاشيء.
ماذا تفعل؟
ماذا تشعر؟
إلى أين تذهب؟
لا شيء.
أصبح اللاشيء كل شيء.
وربما لأننا اعتدنا أن يكون كل شيء حولنا في حركة مستمرة، أصبح من الصعب علينا أن نترك أنفسنا بلا شيء.
نفتح الهاتف إذا شعرنا بالملل، نبحث عن أي حديث إذا شعرنا بالوحدة، نشغل شيئًا في الخلفية حتى لا نسمع أفكارنا، ونملأ أوقاتنا بأي شيء حتى لا نواجه ذلك الفراغ.
وكأننا نخاف من اللحظة التي لا يحدث فيها شيء.
مع أننا أحيانًا نحتاجها بالضبط.
أتعلم؟ أحيانًا أشعر أن تلك اللحظات مهمة للغاية، وأن ذلك اللاشيء ربما يكون أهم مما نظن.
فقد ينقذك أحيانًا من فعل شيء لا تود فعله في لحظة غضب أو حزن.
قد يترك للمشاعر فرصة أن تهدأ قبل أن تتحول إلى قرار.
قد ينقذك من شعور سيئ، أو من فكرة عابرة كان يمكن أن تؤذيك لو أسرعت وراءها.
وقد يفعل شيئًا آخر.
قد يلفت نظرك إلى شيء مهم.
تأتيك فكرة، أو تمر في ذهنك خاطرة، أو يظهر سؤال لم تكن تفكر فيه أصلًا، فتخرج من ذلك اللاشيء باحثًا عنه، عن إجابة، عن معنى، أو حتى عن نفسك.
وربما تكون تلك الفكرة بداية لأشياء كثيرة.
لذلك، في كثير من الأوقات، نحن نحتاج إلى اللاشيء.
نحتاج إلى لحظات نصمت فيها عن الكلام، وعن الحركة، وعن الركض، وعن محاولة فهم كل شيء، وربما حتى عن محاولة الشعور بكل شيء.
نجلس وعينانا مفتوحتان، لكننا لا نرى شيئًا.
لا نتحدث.
لا نتحرك.
لا نبحث عن شيء.
ولا نحاول أن نكون في مكان آخر.
فقط نكون.
وربما تكون تلك هي الفكرة كلها.
أن نسمح لأنفسنا، ولو للحظات، ألا نكون منتجين، ولا مشغولين، ولا مطالبين بإجابة، ولا مضطرين لأن نعرف إلى أين نحن ذاهبون.
أن نترك الحياة تمر قليلًا من دون أن نحاول الإمساك بكل تفاصيلها.
نبتعد عن الواقع قليلًا، لا هربًا منه، وإنما حتى نستطيع العودة إليه.
ثم يمضي الوقت، ونعود من اللاشيء إلى كل شيء من جديد.
نعود وكأننا أخذنا استراحة قصيرة من أنفسنا.
وكأنها واحدة من بداياتنا المليونية.
وقد تشعر، للحظة، أنك وُلدت الآن.
لا شيء تغير حولك.
نفس المكان، ونفس الحياة، ونفس الأشياء.
لكن شيئًا ما بداخلك تحرك.
ربما فكرة، ربما شعور، ربما هدوء لم يكن موجودًا قبل دقائق.
فتفتح عينيك على العالم من جديد، وتأخذ نفسًا عميقًا، وتنظر حولك وكأنك تراه للمرة الأولى.
ثم تقول لنفسك:
هيا… لنَعِش.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق