الزبالة بتدل على وجود السكان.
«الزبالة بتدل على وجود السكان.»
دايمًا الجملة دي كانت جوايا من وأنا صغيرة، وكبرت وأنا مقتنعة بيها.
ما هي منطقية فعلًا... لو لقينا زبالة في مكان، معناه إن في حد ساكن هنا، وإلا الزبالة دي جات منين؟
وبنفس المنطق، لو مفيش أي «زبالة» في حياتك، ولا عملت أي حاجة غلط، ولا أخطأت في قرار، ولا جرحت حد، ولا ندمت على حاجة، فده معناه يا إما إنك ملاك ومعصوم من الغلط... يا إما إنك مش عايش أصلًا.
لأن الإنسان اللي عايش هيغلط.
هيقول كلمة في وقت غلط.
هياخد قرار يكتشف بعدين إنه مكنش أحسن قرار.
هيتخانق.
هيزعل.
هيغير رأيه.
هيتصرف بطريقة مش شبه الصورة اللي بيحب يشوف نفسه بيها.
هيخيب ظن حد، وحد هيخيب ظنه.
وممكن يعمل حاجة، وبعد فترة يبص لها ويسأل نفسه:
«أنا عملت كده ليه؟»
وده طبيعي.
المشكلة مش في إن حياتك يبقى فيها حاجات محتاجة تتصلح.
المشكلة في إنك تسيبها تتراكم لحد ما تبقى هي حياتك كلها.
---
يمكن عشان كده، النضج مش إنك توصل لمرحلة مفيهاش مشاكل.
النضج إنك تعرف تتعامل مع المشاكل لما تحصل.
إنك لما تغلط، تعرف تقول:
«أنا غلطت.»
من غير ما تحولها إلى:
«أنا شخص وحش.»
الفرق بينهم أكبر مما يبدو.
الأولى اعتراف بفعل ومسؤولية عنه.
الثانية حكم على نفسك كلها.
ممكن أكون جرحت حد، فأعتذر وأحاول أصلح اللي أقدر عليه.
ممكن أكون أخدت قرار غلط، فأفهم إيه اللي خلاني آخده وأتعلم منه.
ممكن أكتشف إن طريقة تعاملي مع موقف معين كانت مؤذية، فأحاول أغيرها.
لكن مش لازم أفضل طول عمري أعاقب نفسي على نفس الغلطة وأعتبر إن جلد الذات هو الشكل الوحيد للندم.
الندم الحقيقي مش إنك تفضل واقف تبص على الغلط وتقول:
«أنا اللي عملته.»
الندم الحقيقي إنك تتحمل مسؤوليته، وتفهمه، وتحاول متكرروش.
---
بس فيه سؤال أهم:
هل كل حاجة شايلينها جوانا إحنا اللي عملناها؟
مش بالضرورة.
في حاجات دخلت حياتنا من غير ما نختارها.
كلمة اتقالت لنا وإحنا صغيرين.
نقد اتكرر لحد ما صدقناه.
موقف خلانا نشك في نفسنا.
علاقة علمتنا إن الحب لازم يكون مؤلم.
خذلان خلانا نخاف من القرب.
شخص خلانا نحس إن مشاعرنا عبء.
وطريقة تعامل اتعودنا عليها لمجرد إننا شوفناها طول عمرنا.
وأحيانًا بنكبر وإحنا شايلين أفكار مش بتاعتنا أصلًا.
فنفضل نسأل:
«أنا ليه كده؟»
مع إن السؤال اللي ممكن نحتاج نسأله أحيانًا هو:
«مين حط ده جوايا أصلًا؟»
مش عشان نرمي مسؤولية كل حاجة على غيرنا.
لكن عشان نعرف نفرق بين الحاجة اللي فعلًا تخصنا، والحاجة اللي اتزرعت فينا وإحنا مش واعيين.
وكون إن حد حطها جواك مش معناه إنك لازم تفضل شايلها طول عمرك.
يمكن مش مسؤوليتك إنها دخلت حياتك.
لكن لما تكبر وتقدر تشوفها، يبقى من حقك تسأل:
«هل أنا لسه عايز أصدقها؟»
«هل دي فعلًا حقيقتي؟»
«هل لسه محتاجها؟»
«ولا آن الأوان أسيبها؟»
---
وأحيانًا إحنا بنفتكر إننا اتخلصنا من حاجة، لمجرد إننا مبقيناش بنتكلم عنها.
نقول «أنا كويس» بدل ما نعترف إننا موجوعين.
نضحك عشان نهرب من الكلام.
نبعد عن شخص بدل ما نقول له إحنا زعلنا ليه.
نقفل على موقف ونقرر إنه عدى، لمجرد إننا مبقيناش نفتكره كل يوم.
لكن تجاهل الحاجة مش معناه إنها اختفت.
أحيانًا اللي مش عرفنا نتعامل معاه بيظهر في شكل تاني:
عصبية على حاجات صغيرة.
خوف مبالغ فيه.
انسحاب من الناس.
برود.
حساسية شديدة من مواقف معينة.
أو إننا نبقى عايزين نقرب من حد، لكن في نفس الوقت مش قادرين نسمح له يقرب.
مش كل حاجة محتاجة إننا نفضل نحكي عنها طول الوقت.
لكن كل حاجة مؤلمة محتاجة في وقت ما إننا نعترف إنها موجودة، ونفهم تأثيرها علينا، ونقرر هنعمل معاها إيه.
لأن الفرق كبير بين إنك تكون تجاوزت الحاجة، وإنك تكون خبّيتها كويس.
---
وفيه حاجة تانية لازم نفتكرها:
«كلنا بنغلط» مش معناها إننا نكرر نفس الأذى ونعتبره طبيعي.
قبول إن الإنسان مش كامل مش معناه إنك تعفي نفسك من المسؤولية.
ممكن أغلط وأقول «أنا إنسان».
لكن لو فضلت أكرر نفس الغلطة وأنا عارف إنها بتأذي غيري، فالمشكلة مش في إني إنسان غير كامل.
المشكلة إني رفضت أتعلم.
وكمان مش معنى إن حد وجعك إنك من حقك توجع غيره.
«أنا اتأذيت» مش مبرر كافي لـ«يبقى هأذي».
ممكن تكون اتربيت على طريقة معينة، لكن مش لازم تربي اللي بعدك عليها.
ممكن تكون اتعامل معاك بقسوة، لكن مش لازم تورث القسوة لحد تاني.
ممكن تكون اتكسرت، لكن مش لازم تكسر.
يمكن من أجمل الحاجات اللي الإنسان يقدر يعملها إنه يوقف حاجة كانت بتتكرر قبله ويقرر إنها مش هتعدي من خلاله لحد بعده.
---
وفي المقابل، مش كل حاجة محتاجة تتنضف لوحدك.
في حاجات محتاجة اعتذار.
حاجات محتاجة مواجهة.
حاجات محتاجة حدود.
وحاجات محتاجة مساعدة من شخص تثق فيه.
وأحيانًا محتاجة إنك تعترف لنفسك إنك مش عارف تعمل ده لوحدك.
وده مش ضعف.
الضعف الحقيقي مش إنك تحتاج مساعدة.
الضعف إنك تعرف إنك بتغرق وتفضل مصر إنك مش محتاج إيد تتمد لك.
---
يمكن إحنا بنضغط على نفسنا جدًا عشان نبان كويسين.
نحب الناس تشوفنا هاديين، متماسكين، فاهمين، ناجحين، وعارفين بنعمل إيه.
لكن الإنسان الحقيقي مش نسخة مرتبة طول الوقت.
في أيام هتتلخبط فيها.
هتخاف.
هتعيط.
هتندم.
هتغير رأيك.
هتحتاج تبدأ من جديد.
ومش كل ده دليل إنك فشلت في إنك تبقى شخص ناضج.
أحيانًا ده بالضبط جزء من النضج.
إنك تعرف إنك مش كامل، من غير ما تستخدم ده عذر.
وإنك تعرف إن عندك حاجات محتاجة تتصلح، من غير ما تكره نفسك بسببها.
---
وعشان كده، يمكن بدل ما نسأل:
«إزاي أخلي حياتي من غير أخطاء؟»
نسأل:
«إيه الحاجة اللي محتاجة أتعامل معاها دلوقتي؟»
«إيه الغلط اللي محتاج أتحمل مسؤوليته؟»
«إيه الحاجة اللي شايلها ومش بتاعتي؟»
«إيه اللي أنا بخبيه بدل ما أواجهه؟»
«وإيه الحاجة اللي محتاج أتعلم منها بدل ما أفضل أعاقب نفسي عليها؟»
مش مطلوب منك تبقى إنسان مفيهوش عيوب.
ولا مطلوب إن بيتك يبقى مفيهوش ولا ذرة تراب.
البيت اللي فيه سكان طبيعي يبقى فيه حركة.
فيه أكل.
فيه تراب.
فيه حاجات بتقع وتتصلح.
فيه يوم يعدي من غير ما تلحق تعمل كل حاجة.
المهم إنك تفضل واخد بالك من بيتك.
مش عشان الناس تشوفه نضيف.
عشان إنت اللي عايش جواه.
وعشان لما حاجة تتكسر، تحاول تصلحها.
ولما حاجة تتراكم، تحاول تتعامل معاها.
ولما تكتشف إن في حاجة مش بتاعتك، تعرف تسيبها.
ولما تغلط، تتحمل غلطك من غير ما تحوّل نفسك كلها إلى غلطة.
لأن في النهاية…
الزبالة بتدل على وجود السكان.
لكن اللي يفرق فعلًا هو إن السكان يكونوا واخدين بالهم من بيتهم.
مش لأنهم عمرهم ما وسّخوه…
لكن لأنهم عارفين إن البيت بيتهم، وإنهم هم اللي عايشين فيه.
وبيـنضفوه مش عشان يبان نضيف قدام الناس…
لكن عشان ميأذوش نفسهم، وميأذيش اللي حواليهم بريحة حاجة سابوها تتراكم.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق