لماذا تشعر أن الوقت يمر بسرعة كلما كبرت؟ السر في طريقة عمل ذاكرتك
لماذا تشعر أن الوقت يمر بسرعة كلما كبرت؟ السر في طريقة عمل ذاكرتك

هل تتذكر عندما كنت طفلًا وتشعر أن الإجازة الصيفية لا تنتهي؟
أو أن يومًا واحدًا في المدرسة كان يبدو طويلًا جدًا؟
ثم كبرت قليلًا، وفجأة أصبحت تقول:
«هو الأسبوع خلص إمتى؟»
«إزاي السنة عدت بالسرعة دي؟»
الغريب أن الساعة لم تتغير، واليوم ما زال يتكون من 24 ساعة، لكن إحساسنا بمرور الوقت يمكن أن يتغير بشكل كبير.
فهل الوقت فعلًا يمر أسرع مع التقدم في العمر؟ أم أن هناك شيئًا يحدث داخل الدماغ يجعلنا نشعر بذلك؟
الحقيقة أكثر إثارة مما تتوقع.
هل الوقت فعلًا يمر أسرع عندما نكبر؟

لا توجد ساعة داخل الدماغ تجعل الزمن يسرع مع تقدم العمر.
لكن الدراسات النفسية تشير إلى أن إحساس الإنسان بسرعة مرور الوقت قد يتغير مع العمر، خصوصًا عندما ننظر إلى فترات طويلة مثل السنوات أو العقود.
وفي دراسة شملت 1,865 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 16 و80 عامًا، وجد الباحثون أن الفروق بين الأعمار في الإحساس بسرعة مرور الوقت كانت صغيرة في بعض المقارنات، لكنها ظهرت بصورة أوضح عند تقييم الفترات الطويلة مثل السنوات العشر الماضية. وهذا يعني أن عبارة «الوقت يمر أسرع عندما نكبر» ليست حقيقة بسيطة تنطبق بالطريقة نفسها على الجميع.
إذن، الموضوع يتعلق بإدراكنا للوقت أكثر من تغير الوقت نفسه.
لماذا كانت طفولتك تبدو أطول؟

هنا تبدأ القصة المثيرة.
فكر في سنة واحدة من طفولتك.
ربما تعلمت خلالها ركوب الدراجة، وذهبت إلى أماكن جديدة، وقابلت أشخاصًا جددًا، وبدأت تعلم مهارات مختلفة، وخضت عشرات التجارب التي لم تكن تعرفها من قبل.
كل هذه الأحداث صنعت ذكريات جديدة ومختلفة.
أما عندما يصبح الشخص بالغًا، فقد تتكرر الأيام بطريقة أكبر:
استيقاظ، عمل أو دراسة، طريق معتاد، هاتف، منزل، نوم...
ثم يتكرر الأمر مرة أخرى.
وقد تؤثر الروتين وقلة الأحداث الجديدة في الطريقة التي نتذكر بها الفترة الزمنية بعد انتهائها. أظهرت إحدى الدراسات أن الفترات التي يقضيها الأشخاص في أنشطة روتينية يمكن أن تُتذكر على أنها أقصر من الفترات التي تحتوي على قدر أكبر من التغيير.
بمعنى آخر:
اليوم الذي يشبه أمس قد يختفي من ذاكرتك بسرعة، بينما اليوم المليء بالتجارب الجديدة يترك علامات أكثر.
المفاجأة: الوقت أثناء الحدث ليس مثل الوقت بعد انتهائه

هناك فرق مهم جدًا بين سؤالين:
كم طال هذا الوقت وأنت تعيشه؟
كم يبدو لك أنه طال بعدما انتهى؟
قد تجلس مع أصدقائك لساعات وتشعر أن الوقت مر بسرعة شديدة.
لكن بعد فترة، عندما تتذكر تلك الرحلة أو المناسبة، قد تشعر أنها كانت مليئة بالأحداث وكأنها استمرت فترة طويلة.
وهذا لأن إدراك الوقت أثناء حدوث الشيء وإدراكه عند تذكره لاحقًا ليسا بالضرورة متطابقين.
علماء النفس يدرسون هذين النوعين من الإحساس بالوقت، وتلعب الانتباه والذاكرة وطبيعة التجربة دورًا في كيفية تقديرنا للمدة.
لماذا تمر الإجازة بسرعة عندما نستمتع؟

ربما لاحظت شيئًا غريبًا:
تجلس لمشاهدة فيلم أو تلعب لعبة أو تتحدث مع شخص تحبه، وفجأة تكتشف أن ساعتين مرتا.
بينما عشر دقائق في انتظار شيء ممل قد تبدو وكأنها ساعة كاملة.
إحدى التفسيرات أن انتباهنا لا يكون موجهًا إلى الوقت بنفس الدرجة في كل الظروف.
عندما تكون مندمجًا في نشاط ممتع، قد لا تراقب الساعة باستمرار.
أما عندما تكون منتظرًا أو تشعر بالملل، فقد يصبح انتباهك أكثر تركيزًا على مرور الوقت.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل الوقت يبدو سريعًا في بعض المواقف وبطيئًا جدًا في مواقف أخرى.
هل الروتين يجعل السنوات تبدو أقصر؟

ربما، لكنه ليس التفسير الوحيد.
الدراسات تشير إلى وجود علاقة بين الروتين وطريقة تذكر الفترات الزمنية، لكن العلماء لا يملكون تفسيرًا واحدًا نهائيًا يشرح كل جوانب هذه الظاهرة.
هناك عدة أفكار مطروحة، منها:
- عدد التجارب الجديدة التي نمر بها.
- كمية الذكريات التي تتكون خلال الفترة.
- مدى انتباهنا للوقت.
- الشعور بالانشغال وضغط الوقت.
- الطريقة التي نسترجع بها أحداث الماضي.
- التغيرات المرتبطة بالعمر والقدرات المعرفية.
ولهذا فإن القول إن «الوقت يمر أسرع بسبب الروتين فقط» سيكون تبسيطًا زائدًا.
دراسة أحدث تضيف قطعة جديدة إلى اللغز

في دراسة منشورة عام 2026 في مجلة Memory & Cognition، بحث العلماء العلاقة بين تكوين الذكريات الجديدة وإحساس الإنسان بسرعة مرور السنوات.
ووجدت الدراسة أن القدرة على تكوين ذكريات جديدة للمعلومات قد تكون مرتبطة بإحساس الإنسان بسرعة مرور الوقت مع التقدم في العمر، وهو ما يضيف تفسيرًا آخر إلى النظريات التي تربط بين الذاكرة وإدراك الزمن.
لكن من المهم عدم تحويل هذه النتيجة إلى قاعدة بسيطة تقول إن «ضعف الذاكرة هو السبب الوحيد لشعور الإنسان بسرعة الوقت»، لأن الموضوع ما زال محل بحث ودراسة.
إذن، هل يمكن أن تجعل حياتك تبدو أكثر امتلاءً؟

هنا الجزء العملي.
إذا كان الروتين المتكرر يجعل الكثير من الأيام متشابهة في الذاكرة، فقد يكون من المفيد أن تمنح حياتك تجارب جديدة من وقت لآخر.
ليس المقصود أن تسافر كل أسبوع أو تنفق أموالًا كثيرة.
يمكن أن تكون التجربة الجديدة بسيطة جدًا:
- تعلم مهارة جديدة.
- زيارة مكان لم تزره من قبل.
- تجربة هواية مختلفة.
- تغيير طريقك المعتاد.
- قراءة كتاب في موضوع جديد.
- مقابلة أشخاص جدد.
- تعلم لغة أو برنامج جديد.
- القيام بنشاط مختلف مع العائلة أو الأصدقاء.
هذه الأشياء لا توقف الساعة، بالطبع.
لكنها قد تجعل أيامك أكثر تنوعًا وثراءً بالذكريات.
والهدف ليس أن تجعل الوقت «يمشي ببطء» بطريقة سحرية، وإنما أن تجعل حياتك تحتوي على لحظات تستحق أن تتذكرها.
لماذا تبدو سنوات الطفولة طويلة جدًا بعد مرورها؟

ربما لأن طفولتك كانت مليئة بالأشياء التي تراها الآن عادية.
أول يوم مدرسة.
أول صديق مقرب.
أول رحلة.
أول مرة تركب دراجة.
أول مرة تذهب إلى مكان جديد.
أول مرة تتعلم شيئًا لم تكن تعرفه.
عندما تكون التجربة جديدة، يكون لديها مكان أكثر وضوحًا في ذاكرتك.
وعندما تنظر إلى الماضي بعد سنوات، قد تبدو تلك الفترة أكثر امتلاءً بالأحداث مقارنة بفترات لاحقة أصبحت فيها الأيام متشابهة.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذا مجرد جزء من الصورة، وأن العلاقة بين العمر والوقت المدرك أكثر تعقيدًا من تفسير واحد.
هل هناك طريقة لإبطاء الزمن؟

لا.
لا توجد طريقة علمية تجعل الساعة نفسها تسير ببطء.
لكن يمكنك أن تغير علاقتك بتجاربك اليومية.
بدل أن تمر الشهور كلها في نمط واحد، حاول أن تصنع ذكريات مختلفة.
بدل أن تقول:
«اليوم مر وانتهى.»
اسأل نفسك:
ما الشيء الجديد الذي حدث اليوم؟
قد يكون بسيطًا جدًا.
معلومة جديدة.
مكان جديد.
تجربة جديدة.
محادثة مختلفة.
أو حتى لحظة جميلة لم تكن تتوقعها.
فالوقت سيستمر في الحركة بالطريقة نفسها، لكن الطريقة التي نعيش بها هذا الوقت ونتذكره يمكن أن تتغير.
الخلاصة
الساعة لا تسرع عندما تكبر، لكن إحساسك بمرور الوقت يمكن أن يتغير.
وتشير الأبحاث إلى أن الذاكرة، والروتين، والانتباه، وضغط الوقت، والتجارب الجديدة، والعمر كلها قد ترتبط بطريقة إدراكنا للزمن. ولا يوجد حتى الآن تفسير واحد يستطيع أن يشرح هذه الظاهرة بالكامل.
وربما لهذا السبب تشعر أحيانًا أن طفولتك كانت طويلة جدًا، بينما مر العام الماضي وكأنه بضعة أسابيع.
فالساعة تقيس الوقت... لكن الدماغ هو الذي يمنحنا إحساسنا به.
❓ والسؤال لك:
هل تشعر فعلًا أن السنوات أصبحت تمر أسرع كلما كبرت؟ وما أكثر فترة في حياتك تشعر أنها كانت طويلة جدًا؟
تنبيه مهم
هذا المقال يقدم معلومات تثقيفية مبنية على أبحاث ودراسات منشورة، ولا يهدف إلى تقديم تشخيص أو استشارة نفسية أو طبية. بعض التفسيرات المتعلقة بإدراك الوقت ما زالت قيد البحث، لذلك يجب عدم التعامل معها باعتبارها حقيقة نهائية أو تفسيرًا ينطبق على جميع الأشخاص.
المراجع والمصادر
Friedman, W. J., & Janssen, S. M. J. (2010).
Aging and the speed of time. Acta Psychologica, 134(2), 130–141.
Avni-Babad, D., & Ritov, I. (2003).
Routine and the perception of time. Journal of Experimental Psychology: General, 132(4), 543–550.
John, D., & Lang, F. R. (2015).
Subjective acceleration of time experience in everyday life across adulthood. Developmental Psychology, 51(12), 1824–1839.
Wittmann, M., & Lehnhoff, S. (2005).
Age Effects in Perception of Time. Psychological Reports, 97(3), 921–935.
Teghil, A., et al. (2026).
Memory encoding for new information, not autobiographical memory load, is linked with age-related differences in subjective time passage over the past decade. Memory & Cognition.
American Psychological Association (APA).
Time going too fast? How to slow it down.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق