بين الألم و الأمل

بين الألم و الأمل

Rating 0 out of 5.
0 reviews

بين الألم والامل

image about بين الألم و الأمل

كأن الحياة قطار طويل، لا يتوقف إلا قليلًا في محطات الفرح، ثم يمضي مسرعًا في طريقه الطويل. ونحن، منذ اللحظة التي نفتح فيها أعيننا على العالم، نتعلم شيئًا فشيئًا أن الطريق ليس مفروشًا بالورد، وأن المعاناة ليست ضيفًا عابرًا يطرق أبوابنا ثم يرحل، بل رفيق قديم يسير معنا حتى النهاية.

الشاهد على ذلك

 

ولعل القرآن الكريم عبّر عن هذه الحقيقة بكلمات قليلة وعميقة

وذلك  في قوله تعالى :

 ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. فكأن الكَبَد ليس استثناءً في حياة الإنسان، بل جزء من تكوينها؛ يولد الإنسان ضعيفًا، ثم يكبر وهو يصارع المرض والخوف والفشل والفقدان، ويظل طوال حياته يبحث عن لحظة يستطيع فيها أن يضع رأسه على وسادة الحياة دون أن يقلقه الغد.

نظرة المفكرين

 

وهذا ما جعل كثيرًا من الفلاسفة ينظرون إلى الألم بوصفه جزءًا من التجربة الإنسانية. عند نيتشه، لا تكون المعاناة مجرد شيء ينبغي الهروب منه، بل يمكن أن تصبح قوة تصنع الإنسان وتدفعه إلى تجاوز نفسه. وكأن الجبل لا يمنح الإنسان قوته إلا عندما يجبره على التسلق. أما دوستويفسكي، الذي عرف الألم والفقر والسجن والنفي، فقد رأى في المعاناة تجربة تكشف أعماق النفس البشرية، وتعرّي الإنسان أمام نفسه.

واللافت أن الإنسان الذي اعتاد المشقة قد يبدو أحيانًا أكثر تعلقًا بالحياة من ذلك الذي عاش في وفرة دائمة. انظر إلى الفقير الذي يعود من عمله متعبًا، ثم يبتسم لرغيف ساخن، أو لأطفاله وهم يركضون نحوه؛ إنه لا يحتاج إلى قصر كي يشعر بقيمة البيت. بينما قد يجلس رجل ثري في قصر واسع، تحيط به الأشياء التي يحلم بها الآخرون، لكنه يشعر بالفراغ لأن كثرة النعم جعلته يعتادها حتى لم يعد يراها.

الحقيقه 

 

الفقر ليس فضيلة في ذاته، والغنى ليس عيبًا في ذاته؛ لكن الاعتياد على النعمة قد يجعل الإنسان أقل إحساسًا بقيمتها، بينما تجعل المعاناة بعض الناس أكثر تشبثًا بالتفاصيل الصغيرة. من ذاق العطش يعرف قيمة الماء، ومن نام طويلًا على فراش قاسٍ يعرف معنى الراحة، ومن فقد شخصًا عزيزًا يعرف أن وجود الأحبة ليس أمرًا مضمونًا.

ولهذا ربما لا تكون المشكلة في أن نتألم، بل في أن نعتقد أن الحياة مدينة لنا بالراحة الدائمة. فالسعادة ليست وطنًا نقيم فيه إلى الأبد، وإنما نافذة تفتحها الحياة للحظات، يدخل منها الضوء، ثم تُغلق لنواصل السير.

ربما لهذا يتمسك الإنسان بالحياة رغم كل ما فيها. يبكي، ثم يمسح دموعه. يسقط، ثم ينهض. يخسر، ثم يبدأ من جديد. وكأن في داخله صوتًا خفيًا يقول له: ما دمت ما زلت قادرًا على الحلم، فليس هذا آخر الطريق.

فالمعاناة قد تكون الأصل الثابت، لكن الإنسان لا يُقاس بما ناله من الألم، بل بما صنعه من نفسه بعد الألم. والسعادة، وإن كانت عابرة، تصبح أكثر لمعانًا لأنها تولد وسط العتمة؛ كشمعة صغيرة في غرفة مظلمة، لا تطرد الليل كله، لكنها تكفي لكي نرى الطريق.

 

comments ( 0 )

please login to be able to comment

article by
Abdu Omar Rating 5 out of 5.
articles

5

followings

6

followings

2

similar articles
-