قطار الحياة 

 محطات لم نصل إليها بعد

image about و يمضي بنا قطار الحياه

المحطة الأولى: قطار لا ينتظر

يمضي قطار الحياة بصمت، لا يتوقف طويلًا لأحد، ولا يعود إلى الوراء مهما طال وقوفنا على أرصفة الندم.

في طفولتنا، كنا نظن أن العمر طريق طويل، وأن أمامنا وقتًا كافيًا لنصبح كل ما تمنيناه. كنا نرسم المستقبل بثقة: وظيفة نحلم بها، بيت يأوينا، زواج ننتظره، وأسرة نفتخر بها.

ثم نكبر فجأة، فننظر من نافذة القطار ونكتشف أن بعض المحطات مرّت دون أن ننزل فيها.

المحطة الثانية: حين يسبقنا العمر

هناك لحظة يصبح فيها مرور العمر سؤالًا لا يمكن الهروب منه.

ننظر إلى أعوامنا الماضية، فنحصي ما تحقق وما لم يتحقق. نسأل: أين الخطأ؟ لماذا أنا؟ لماذا تأخرت؟ ومن أين أبدأ؟

لا يؤلمنا العمر بقدر ما يؤلمنا الشعور بأن الحياة التي تخيلناها لأنفسنا تسير في اتجاه آخر.

المحطة الثالثة: مقاعد الآخرين

ثم نبدأ بالنظر إلى مقاعد المسافرين من حولنا.

هذا تزوج، وذاك اشترى بيتًا، وآخر وجد وظيفة أحلامه، وآخر بدأ مشروعه ونجح. نبتسم لهم، وربما نفرح من أجلهم، لكن شيئًا في الداخل ينكمش كلما رأينا نجاحًا جديدًا.

فنحن لا نحسدهم بالضرورة، بل نرى في نجاحهم صورة للأشياء التي ما زلنا نفتقدها.

ونعود إلى مقعدنا بالسؤال نفسه: لماذا هم وأنا لا؟

المحطة الرابعة: عيون تنتظر

خارج القطار، هناك مجتمع لا يتعب من الأسئلة.

متى ستتزوج؟ ماذا فعلت في حياتك؟ متى ستستقر؟

وفي البيت، هناك عيون أكثر قربًا وأشد ألمًا؛ عيون والدين كانا يتمنيان لك الكثير، وأحلام أسرة ربما كانت أكبر من قدرتك على تحقيقها.

قد لا يقولون إنهم خائبون، لكننا أحيانًا نسمع الخيبة في الصمت أكثر مما نسمعها في الكلام.

المحطة الخامسة: بين الظلم والذنب

 هل نحن فعلًا المسؤولون عن كل ما حدث؟

لقد ولدنا داخل ظروف لم نخترها، وعشنا أزمات سياسية واقتصادية ضيّقت الطريق، وأغلقت أبوابًا، وأخّرت أحلامًا كان من المفترض أن تكون أقرب.

لذلك نتأرجح داخل أنفسنا بين صوت يقول: أنا ضحية لظروف أقسى مني.

وصوت آخر يهمس: بل أنت المسؤول، كان يجب أن تفعل أكثر.

وبين الصوتين يولد الذنب، ويكبر معه شعور خفي بالعار، كأننا خذلنا الحياة وخذلنا من أحبونا وخذلنا أنفسنا.

المحطة الأخيرة: القطار ما زال يتحرك

ربما لن نجد إجابة لكل أسئلتنا.

وربما اكتشفنا متأخرين أن الحياة ليست جدولًا زمنيًا واحدًا، وأن الوصول المتأخر لا يعني الوصول الخاطئ.

قد نكون فقدنا بعض المحطات، لكننا لم نفقد الرحلة كلها.

فالماضي لا يمكن تغييره، والمقارنة لا تمنحنا حياة الآخرين، والندم لا يعيد السنوات.

أما هذه اللحظة، فهي الشيء الوحيد الذي ما زال بين أيدينا.

لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم: لماذا تأخرت؟

بل: ما المحطة التي أستطيع الوصول إليها الآن؟

ارفع رأسك قليلًا، وانظر من النافذة.

فالقطار لم يصل إلى محطته الأخيرة بعد.