النيتروزامينات (Nitrosamines): السموم الصامتة وعلاقتها بالسرطان
النيتروزامينات.. ما هي ولماذا تثير القلق؟

النيتروزامينات (Nitrosamines) ليست مادة واحدة، وإنما عائلة كبيرة من المركبات الكيميائية. ويثير بعضها اهتمام العلماء بسبب قدرته على إحداث أضرار في المادة الوراثية DNA.
يمكن لبعض النيتروزامينات أن تتحول داخل الجسم إلى نواتج شديدة التفاعل مع الخلايا، وقد ترتبط بالـDNA وتسبب تلفًا أو طفرات جينية. ومع تراكم الأضرار الجينية، يمكن أن تساهم هذه التغيرات في عملية تطور السرطان.
لكن من المهم التأكيد أن جميع النيتروزامينات ليست متساوية في الخطورة؛ فالتأثير يعتمد على نوع المركب، وكمية التعرض، وطريقة التعرض، ومدته.
كيف تتكون النيتروزامينات؟
يمكن أن تتكون بعض النيتروزامينات عندما تتفاعل مركبات تسمى الأمينات (Amines) مع عوامل نترزة (N-nitrosating agents)، ومن بينها النتريت (Nitrite)، في ظروف مناسبة.
ولهذا السبب تحظى النيتروزامينات باهتمام خاص عند دراسة بعض الأغذية المصنعة. فالـنترات (Nitrates) والـنتريت (Nitrites) يمكن استخدامهما في تصنيع بعض منتجات اللحوم للمساعدة في الحفظ والسيطرة على نمو بعض البكتيريا.
وفي ظروف معينة، يمكن أن تتكون مركبات N-nitroso compounds، ومن بينها بعض النيتروزامينات.
اللحوم المصنعة والنيتروزامينات
توجد النترات والنتريت في بعض منتجات اللحوم المصنعة مثل بعض أنواع النقانق واللحوم المعالجة. وفي ظروف معينة يمكن أن تسهم هذه المركبات في تكوين N-nitroso compounds.
وقد صنفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) اللحوم المصنعة (Processed Meat) ضمن المواد المسرطنة للإنسان Group 1، استنادًا إلى أدلة علمية، خصوصًا فيما يتعلق بسرطان القولون والمستقيم.
لكن هذا التصنيف لا يعني أن تناول قطعة واحدة من اللحوم المصنعة سيؤدي إلى السرطان؛ فالخطر يرتبط بشكل أساسي بالاستهلاك المتكرر ومستوى التعرض على المدى الطويل.
التدخين.. أحد أهم مصادر النيتروزامينات
من المصادر المهمة للنيتروزامينات منتجات التبغ (Tobacco Products)، التي تحتوي على مجموعة تعرف باسم Tobacco-Specific Nitrosamines – TSNAs.
ومن أشهرها:
- NNN – N-Nitrosonornicotine
- NNK – 4-(Methylnitrosamino)-1-(3-pyridyl)-1-butanone
وقد دُرست هذه المركبات بشكل واسع بسبب قدرتها على تكوين نواتج تفاعلية يمكن أن تسبب أضرارًا في الـDNA.
وهذا يوضح أن مخاطر التدخين لا ترتبط بالنيكوتين (Nicotine) وحده؛ فدخان التبغ يحتوي على خليط معقد من المواد الكيميائية، ومن بينها مواد مسرطنة (Carcinogens).
ماذا عن الطعام المحروق؟
هنا يجب التفرقة بين النيتروزامينات والمواد الأخرى التي يمكن أن تتكون أثناء الطهي.
ليس من الدقيق القول إن كل طعام محروق يحتوي على النيتروزامينات. فعند تعرض الطعام لدرجات حرارة مرتفعة أو احتراقه، يمكن أن تتكون مركبات أخرى مرتبطة بالمخاطر الصحية، وأشهرها Acrylamide وHCAs وPAHs.
الخبز والأطعمة النشوية المحروقة
عند طهي الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات، مثل الخبز والبطاطس، على درجات حرارة مرتفعة، يمكن أن يتكون الأكريلاميد (Acrylamide) نتيجة تفاعلات كيميائية تحدث أثناء التحمير.
ولهذا السبب، من الأفضل تجنب تناول الأجزاء شديدة الاحتراق والتفحم بشكل متكرر.
جلد اللحوم والدجاج المحروق
عند شواء اللحوم والدجاج على درجات حرارة مرتفعة، خصوصًا مع تعرض الدهون للهب المباشر، يمكن أن تتكون مركبات مثل:
Heterocyclic Amines (HCAs)
الأمينات الحلقية غير المتجانسة.
Polycyclic Aromatic Hydrocarbons (PAHs)
الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات.
وقد يرتبط تكوين هذه المركبات بالحرارة المرتفعة، والاحتراق، وسقوط الدهون على اللهب ثم تصاعد الدخان إلى الطعام.
لذلك يُفضّل تقليل تعرض اللحوم للهب المباشر وتجنب تناول الأجزاء السوداء المتفحمة.
النيتروزامينات أم الأكريلاميد أم PAHs؟
رغم أن هذه المركبات قد ترتبط بالسرطان، فإنها ليست مادة واحدة ولا تتكون بالطريقة نفسها
Nitrosamines: ترتبط بتفاعلات النترزة، ويمكن أن توجد بعض أنواعها في منتجات التبغ وبعض الأغذية.
Acrylamide: يتكون بشكل أساسي أثناء طهي بعض الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات على درجات حرارة مرتفعة، خاصة عند التحمير الشديد.
HCAs وPAHs: يمكن أن تتكون أثناء طهي اللحوم بدرجات حرارة مرتفعة، وخاصة أثناء الشواء المباشر والاحتراق والتفحم.
لذلك، فإن عبارة "الأكل المحروق مسرطن بسبب النيتروزامينات" ليست دقيقة علميًا. الأدق أن نقول إن الطهي بدرجات حرارة مرتفعة والاحتراق يمكن أن يؤدي إلى تكوين مجموعة مختلفة من المركبات الكيميائية التي قد تحمل مخاطر صحية.
هل يمكن تجنب النيتروزامينات تمامًا؟
من الصعب الوصول إلى تعرض صفري لجميع النيتروزامينات، لأنها قد توجد بمستويات مختلفة في مصادر متعددة.
لكن يمكن تقليل التعرض للمصادر المهمة من خلال:
تجنب التدخين والتعرض لدخان التبغ، وتقليل الاستهلاك المتكرر للحوم المصنعة، وتجنب الأجزاء شديدة التفحم، وتقليل تعرض اللحوم للهب المباشر لفترات طويلة.
كما أن اتباع نظام غذائي متنوع يحتوي على الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة يساعد على تحسين جودة النظام الغذائي بشكل عام.
الخلاصة
النيتروزامينات (Nitrosamines) عائلة واسعة من المركبات الكيميائية، وبعض أفرادها يمتلك خصائص مسرطنة مثبتة. ويُعد التبغ مصدرًا مهمًا لبعض النيتروزامينات، بينما يمكن أن تتكون مركبات N-nitroso في ظروف معينة في بعض الأغذية.
لكن القصة لا تتوقف عند النيتروزامينات؛ فالطهي بدرجات حرارة مرتفعة واحتراق الطعام قد يؤدي أيضًا إلى تكوين مركبات أخرى مثل Acrylamide وHCAs وPAHs.
لذلك، فإن أفضل استراتيجية ليست الخوف من نوع واحد من الطعام، وإنما تقليل التعرض المزمن للمصادر المعروفة للمواد المسرطنة، وتجنب التدخين، والحد من اللحوم المصنعة، وتجنب الأجزاء شديدة الاحتراق والتفحم.
مصادر علمية موثوقة
- International Agency for Research on Cancer (IARC) – IARC Monographs on the Identification of Carcinogenic Hazards to Humans.
- World Health Organization (WHO) – Tobacco and processed meat information.
- European Food Safety Authority (EFSA) – Risk assessment of N-nitrosamines in food.
- National Toxicology Program (NTP) – Report on Carcinogens.
- IARC – Tobacco-specific nitrosamines and tobacco-related carcinogens.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق