فرويد في مواجهة النقد

فرويد في مواجهة النقد

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

لماذا تُحاول المدارس الحديثة قتل الأب الفرويدي؟

كل مدرسة نفسية جاءت بعد فرويد وجدت نفسها، بشكل أو بآخر، مضطرة إلى أن تحدد موقعها منه، إمّا أن تنتمي إليه، أو تتمرد عليه، أو تعيد تأويله، أو تعلن القطيعة معه..لكن المفارقة العميقة هنا أنّ رفض فرويد لا يعني دائمًا التحرر منه؛ أحيانًا يكون الرفض ذاته شكلًا آخر من أشكال البقاء داخل مداره..

لقد تعرضت المدرسة الفرويدية، خصوصًا في صيغتها الكلاسيكية، إلى انتقادات واسعة من المدارس اللاحقة، السلوكية رفضت مركزية اللاشعور لأنها أرادت علمًا يقوم على الملاحظة والسلوك القابل للقياس، والإنسانية اعترضت على ما رأته نزعة تشاؤمية أو اختزالية في تصور الإنسان، والمعرفية انتقدت ضعف القابلية التجريبية لبعض المفاهيم التحليلية، أما بعض المدارس العلاجية الحديثة فاتهمت التحليل النفسي بأنه طويل، نخبوي، وغير عملي بما يكفي.. ومع ذلك، فإن كثيرًا من هذه الاعتراضات لا تلغي فرويد بقدر ما تكشف الحاجة إلى الانفصال عنه..

فرويد لم يكن مجرد صاحب نظرية؛ لقد احتل، داخل تاريخ علم النفس، موقع “الأب المؤسسimage about فرويد في مواجهة النقد ”..
هو الذي أدخل اللاشعور إلى قلب فهم الإنسان، وجعل الطفولة، والرغبة، والكبت، والحلم، والعرض، والتحويل، مفاهيم مركزية في قراءة الحياة النفسية.. ولهذا فإن التمرد عليه لم يكن تمردًا معرفيًا فقط، بل كان أيضًا تمردًا رمزيًا على سلطة الأب المؤسس.. في هذا المعنى يمكن قراءة رفض بعض المدارس الحديثة لفرويد بوصفه نوعًا من “قتل الأب الرمزي”: محاولة لإزاحة الأب كي يولد خطاب جديد..

لكن قتل الأب، في المنظور التحليلي، لا يعني محوه تمامًا.. في الطوطم والتابو، يربط فرويد نشأة القانون والجماعة بقتل الأب البدائي؛ فالأب يُقتل، لكن سلطته لا تختفي، بل تعود في صورة قانون، ومحظور، وذنب، وتنظيم رمزي للجماعة.. أي أن الأب المقتول يصبح أكثر حضورًا بعد موته، لأنه يتحول من شخص خارجي إلى سلطة داخلية.. 
وهذا ما حدث، بصورة رمزية، مع فرويد نفسه.. كثير من المدارس أعلنت أنها تجاوزته، لكنها بقيت تشتغل داخل الأسئلة التي فتحها: ما اللاشعور؟ كيف تتشكل الذات؟ ما أثر الطفولة؟ لماذا يكرر الإنسان ألمه؟ كيف يتحول الصراع النفسي إلى عرض؟ ما وظيفة اللغة والرغبة والعلاقة بالآخر؟ حتى عندما تغيّرت الإجابات، بقيت الأسئلة فرويدية في أصلها..

لذلك لا ينبغي فهم النقد الحديث لفرويد بوصفه مجرد تصحيح علمي بريء، ولا بوصفه خيانة للتحليل النفسي.. إنه أحيانًا ضرورة تطورية.. كل ابن يحتاج إلى أن يقتل الأب رمزيًا كي لا يبقى تابعًا له..لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا القتل الرمزي إلى إنكار كامل للدين.. فالمدارس التي تتصور أنها بدأت من الصفر تقع في وهم نرجسي، وهم أن الذات يمكن أن تولد بلا نسب، وبلا تاريخ، وبلا أب رمزي…

إن التخلص من سلطة الأب لا يعني محو الأب، بل يعني القدرة على الاشتغال بما ورثناه منه دون الخضوع الأعمى له..وهذا ما فعله كبار ما بعد فرويد أمثال ميلاني كلاين التي لم تلغِ اللاشعور، بل نقلت مركز الثقل إلى العلاقات الموضوعية المبكرة، ووينيكوت لم يهدم فرويد، بل وسّع السؤال نحو البيئة الحاضنة والأم الجيدة بما يكفي؛ حتى لاكان لم يدفن فرويد، بل عاد إليه عبر اللغة والبنية والرغبة، ورفع شعاره المعروف، (العودة إلى فرويد)؛ أما علم النفس المعاصر فقد رفض بعض مبالغات التحليل الكلاسيكي، لكنه احتفظ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بفكرة أن الإنسان ليس شفافًا لنفسه..

من هنا، فإن العلاقة بين المدارس الحديثة وفرويد ليست علاقة إلغاء، بل علاقة صراع بنوي مع الأب المؤسس.. هناك رغبة في التحرر من سلطته، لكن هناك أيضًا اعتراف ضمني بأنه لا يمكن بناء خطاب نفسي حديث دون المرور عبره.. إن رفض فرويد أحيانًا يشبه صرخة الابن أمام الأب: “لستَ أنت الحقيقة كلها”، لكنه لا يستطيع أن يقول هذه الجملة إلا لأنه يتكلم داخل لغة ورثها منه..

والأكثر دقة أن نقول: المشكلة ليست في نقد فرويد، بل في النقد الذي لا يعرف ما الذي ينتقده.. ففرويد نفسه لم يدّعِ أن التحليل النفسي رؤية شاملة تفسر كل شيء، بل حتى قال في المحاضرة الخامسة والثلاثين من محاضرات تمهيدية جديدة في التحليل النفسي إن التحليل النفسي ليس في وضع يسمح له بأن يصنع رؤية كونية خاصة به، لأنه فرع من فروع العلم ويمكنه أن ينتسب إلى الرؤية العلمية..

لذلك، حين ترفض المدارس الحديثة فرويد لأنها تريده أن يكون “الأب الكلي”، فهي تهاجم صورة متخيلة عنه أكثر مما تهاجم نصه الحقيقي.. إنها تصنع أبًا متسلطًا كي تقتله، وتصنع فرويدًا شموليًا كي تثبت تفوقها عليه..هنا لا نكون أمام نقد علمي فقط، بل أمام دينامية أوديبية داخل تاريخ المعرفة نفسه..(ابن يريد أن يستقل، لكنه يحتاج أولًا إلى تضخيم الأب حتى يصبح قتله إنجازًا)..

يبقى فرويد حاضرًا لا لأنه قال كل شيء، بل لأنه فتح الجرح الأول، أن الإنسان ليس سيدًا كاملًا في بيته النفسي، وأن خلف وعيه قوى ورغبات وتمثلات وصراعات لا يملكها بالكامل.. وكل مدرسة جاءت بعده حاولت، بطريقتها، إما أن توسع هذا الجرح، أو تخيطه، أو تنكر وجوده..

ولهذا فإن قتل الأب الفرويدي لم ينهِ فرويد.. لقد جعله يعود في صور متعددة..(في لاشعور لاكاني، وفي علاقات موضوعية كلاينية، وفي ذات تبحث عن المرآة والاعتراف، وفي علاج نفسي حديث ما زال يستمع إلى الألم بوصفه حاملًا لمعنى).. إن الأب الرمزي لا يموت حين نرفضه؛ إنه يتحول، يتخفى، ويعود من داخل اللغة التي نستعملها ونحن نعلن أننا تجاوزناه..

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Drheba Gamal تقييم 4.91 من 5.
المقالات

8

متابعهم

11

متابعهم

38

مقالات مشابة
-