صراع العقود والمواجهات المباشرة: قراءة في الحرب المستمرة بين إيران وأمريكا
صراع العقود والمواجهات المباشرة: قراءة في الحرب المستمرة بين إيران وأمريكا
شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية عقوداً طويلة من التوتر الجيوسياسي، والتي تحولت من "حرب باردة" إقليمية وصراع بالوكالة إلى مواجهات عسكرية مباشرة خطيرة غيرت وجه الشرق الأوسط. إن فهم طبيعة هذا الصراع يتطلب العودة إلى جذوره التاريخية، وتتبع محطات تحوله الحرج وصولاً إلى المواجهات الأخيرة
الجذور التاريخية وبداية الشرخ
بدأت بذور الخلاف في عام 1953 عندما رعت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية انقلاباً عسكرياً أطاح برئيس الوزراء الإيراني المنتخب ديمقراطياً، محمد مصدق، بعد إقدامه على تأميم النفط. أعاد هذا الانقلاب "الشاه" محمد رضا بهلوي إلى الحكم ليكون حليفاً وثيقاً لواشنطن. إلا أن هذا الدعم أوجد احتقاناً شعبياً كبيراً انفجر في عام 1979 عبر "الثورة الإسلامية" بقيادة آية الله روح الله الخميني

مع تأسيس الجمهورية الإسلامية، تبنت طهران شعارات مناهضة للسياسات الأمريكية، ووصفت واشنطن بـ "الشيطان الأكبر". وتعمق الشرخ الدبلوماسي عقب "أزمة الرهائن" الشهيرة عام 1979، حيث اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية واحتجزوا دبلوماسيين أمريكيين لمدد طويلة، مما أدى إلى قطع العلاقات الرسمية بين البلدين بشكل نهائي.
عقود من حروب الوكالة والملف النووي
خلال الثمانينيات، دعمت الولايات المتحدة العراق في حربه ضد إيران. وفي عقود لاحقة، تحول الصراع إلى استراتيجية "حروب الوكالة"، حيث دعمت إيران شبكة من الفصائل المسلحة في لبنان، العراق، سوريا، واليمن (مثل حزب الله والحوثيين)، مستهدفةً المصالح والنفوذ الأمريكي في المنطقة.
في مطلع القرن الحالي، دخل الصراع بُعداً أكثر خطورة مع تكشف ملامح البرنامج النووي الإيراني. ورغم التوصل إلى اتفاق نووي عام 2015 (JCPOA) في عهد إدارة أوباما لتقييد هذا البرنامج مقابل رفع العقوبات، إلا أن انسحاب إدارة ترامب منه عام 2018 وإعادة فرض "الضغوط القصوى" أعاد الأزمة إلى نقطة الغليان.
من الصراع المكتوم إلى الحرب المباشرة (2020 - 2026)
كان اغتيال الجنرال قاسم سليماني في بغداد مطلع عام 2020 بضربة طائرة أمريكية مسيرة نقطة تحول كبرى كسرت قواعد الاشتباك التقليدية. وردت إيران حينها بقصف صاروخي مباشر على قواعد أمريكية في العراق
لم تتوقف دائرة التصعيد عند هذا الحد؛ فمع تعثر كافة المساعي الدبلوماسية لإحياء الاتفاق النووي، والتوترات الإقليمية المتصاعدة التي تلت أحداث أكتوبر 2023، انزلقت الأطراف في عام 2026 إلى مواجهة عسكرية واسعة ومباشرة وغير مسبوقة. شنت القوات الأمريكية والإسرائيلية ضربات منسقة وعنيفة داخل العمق الإيراني استهدفت المنشآت النووية والبنى التحتية العسكرية، أسفرت عن خسائر بشرية وسياسية هائلة شملت مقتل القيادة العليا الإيرانية. وردت طهران بضربات صاروخية وهجمات بالمسيّرات استهدفت القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة والقطع البحرية في المضائق الحيوية.